الرئيسية » مقالات » من التحدث عن ايران وسوريا.. إلى التحدث معهما..

من التحدث عن ايران وسوريا.. إلى التحدث معهما..

-1-
في خضم ما شهدتها المنطقة من حركة دبلوماسية غير معهودة؛ ربما كانت استضافة بغداد لمؤتمر دولي حول العراق والتي شاركت فيه دول الاقليمية، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن، إحدى أبرز ما استحوزت على أهتمامات المعلقين وصانعي الرأي في وسائل الإعلام العالمية، وإن لم تخل الأمر من علامات فارقة استدعت التوقف عندها. حيث إعلان “نظرية إنعاش الحوار” لوزيرة الخارجية الأمريكية “كوندوليزا رايس” بأنها ستجلس على مائدة المفاوضات إلى جانب سوريا وإيران اللتين وصفهما الرئيس الأمريكي بوش بأنهما من الدول المارقة.
وإن كان من الصعب وصف ذلك بالانقلاب الجذري في السياسة الأمريكية المتعثرة في العراق، لكن تبدو أن الواقعية السياسية للوضع المأساوي في العراق قد دفعت بواشنطن الى التفكير بهكذا الاسلوب، وذلك بمنحهما – مضطرة – هامش من حركة ضيَّقة مجردة. والتي طالما لم تتوقف عن رفضها في السابق وبنبرات مرتفعة تجاه سياسة هاتين الدولتين اللتان تعبثان بالعراق (حيث الدعم السوري للميليشيات السنية المسلحة! ، والدعم الايراني للميليشات الشيعية..) أويمكن لتصريحاتها الأخيرة أن تكون تعبيراً فقط عن استراتيجيتها المحطمة، وليست دليلا على خطورة الوضع، كما يدعي بعض السياسيين.. وإنما تعتبر انتصارا لسياسة تلك الدولتين التين تملكان سبلاً تقليدية لتنفيذ سياساتهما. لذا فقد أتت هذه الخطوة بإمكانية فتح باب الحوار مع هاتين الدولتين، كمن يطلب الرحمة من الدولة التي يريد تدميرها ودحرها..
فالتحدث مع العدو هو جزء من السياسة العالمية المعاصرة، لذا وبكثير من التمنع والتردد، جرجر الرئيس الأميركي بوش قدميه باتجاه القبول بشراكة سياسية جديدة مع تلك الدول التي كان إلى وقت قريب، يوصفها بأنها “محور الشر”. والفكرة كما نعلم هي كانت إشراك المجتمع الدولي، والدول الإقليمية المجاورة في حل الأزمة العراقية، وفتح الطريق أمام بسط الأمن فيه، واستقراره، وإعادة بنائه. ولكن لايعرف إلى أي مدى ستنجح هذه الشراكة؟ وكيف لها أن تتجاوز المواجهات والتصعيد الجاري بين واشنطن وطهران من جهة، وواشنطن ودمشق من جهة أخرى؟ بعد ان بات العراق ساحة لتصفية حساباتهم السياسية. وهذا ما دفع بالرئيس الوزراء العراقي “نوري المالكي” إلى التخدير و! التحذير – قبل انعقاد الاجتماع – من مغبة أن تصبح بلاده ميدانا لتصفية ح سابات دول أجنبية. في إشارة منه على عمق الخلافات بين واشنطن من جهة ومن الأخرى بين دمشق وطهران، وتضارب أهدافهما !! لهذا لم يطلب من الاجتماع الشحيح من حيث النتائج، أن تحقق شيئاً أكثر من خلافهم حتى على مكان الاجتماع المقبل المزمع عقده في أبريل المقبل.
-2-
وباعتقادنا ليست لدى القيادة الايرانية من موضوع أكثر أهمية من محاولاتها لعرقلة المشاريع الأمريكية في المنطقة، ما أمكن. فالمرشد الأعلى في الايران “آية الله خامنئي” هو الذي قرر مشاركة بلاده في مؤتمر بغداد، ووهو الذي حدد قواعد اللعبة بـ:
• لا مفاوضات مباشرة مع أمريكا، وإن كان هناك مجرد نقاش يشاركهم فيه الآخرون حول العراق.
• ولا من حملة تنازلات في مشروعها النووي، وإن كان ثمة استعراضاً على سبيل تقديم جميل للغرب والعرب وللعراق.
ايران تمتلك علاقة جيدة مع الرئيس العراقي “جلال طالباني”، ومع الحزب السياسي الأكبر المجلس الأعلي للثورة الاسلامية في العراق. فضلاً عن علاقاتها القوية مع حزب الدعوة، حزب نوري المالكي، وإن كان المالكي قد اتهم ايران مؤخراً بتشجيع الأعمال الارهابية في العراق. لكن مثل هذه العبارات لا تبعث إلا السخرية! ، وهي التي تعبر عن مدى تعقد العلاقات القائمة بين المالكي والايرانيين. ذلك لأن المالكي ليس قادراً حتى على اصدار أوامره لوزارات حكومته بالتوقف عن استخدام الميليشيات الخاصة بها.
لذا فمن الصعب تقدير الجدوى والمنفعة التي سيحصل عليها العراق من المؤتمرات اللاحقة، في الوقت الذي تسوده الصراعات السياسية الداخلية البعيدة عن الحل، هذه الصراعات ليست قائمة بين السنة والشيعة فقط، حيث أن من الممكن تقريب الطائفتين الى نقطة الاتفاق، وانما بين التنظيمات والعصابات غير الخاضعة للسيطرة التامة من قبل الحركات السياسية وخصوصا تهديد تنظيمات الجهاد “السنية” التي توسع من بقعة سيطرتها في وسط العراق، وتفعل كل ما في وسعها لعرقلة عمل الحكومة الشيعية. لهذا حتى وإن توصلت الأطراف “المعنية” التي شاركت في المؤتمر 1032007 إلى اتفاق كامل حول كل ما يتعلق بالعراق، فمن الصعوبة بمكان وزمان رؤية الخطة السياسية والعسكرية القادرة على طرح هذا الاتفاق، ما لم يتم إشراك كافة الأطراف العراقية المتقاتلة فيه، كما علق النائب والسياسي الكردي “محمود عثمان”.
-3-
وعراقياً تبدو أنّ هناك اعتراف ضمني من قبل “قيادتنا العراق! ية” بوجود مصالح الدول المجاورة في البلاد، لهذا فقد أختارت أقصر الطرق ا لملتوية ذات عديمة المنفعة للتعبير عن عدم ارتياحهم من تكالب سياسات الدول التي شاركت في المؤتمر. وربما هي فعلت ذلك من باب إدراكها بهوانها، سيما وتداركها بعدم استطاعتها بايقاف الحرب الأهلية في البلاد. لذا فقد أرتأت لتنوب الآخرين عن نفسها في مهمتها هذه. وهذا بحد ذاته اعتراف صارخ من قبلها، بأنها لم تتعلم شيئا عن ما مضى عمرها.
وأخيراً.. نتساءل هنا هل يمكن لايران وسوريا أن تغيّرا سياستهما واستراتيجيتهما بمؤتمر كهذا، أو ما سيتولد عنه؟ أم هي استثمار للمواقف، فحسب؟!!