الرئيسية » مقالات » ذاك زرعكم وهذا حصادكم… فهل ستتعضون؟

ذاك زرعكم وهذا حصادكم… فهل ستتعضون؟

منذ البداية كان هذا حرثك وهذا زرعك يا بعث، فلنتذكر معا من أين ابتدأت وكيف زرعت وأي أرض حرثت، لنتذكر ساعاتك الأول حينما كنت تصفق للزعيم بينما تغرز أنصالك المسمومة في جسد نظامه وعراقه الجديد.
يتذكر العراقيون جيدا كيف دخلتم بمظاهراتكم ومسيراتكم المؤيدة للزعيم حول وزارة الدفاع وانقظيتم عليه في أول درس من دروس الخيانة والغدر حينما سرقتم السلطة وانتهكتم عذرية الثورة وأطحتم برجلٍ ونظام ٍ وأسقطتم جمهورية كان بالامكان أن تكون ذا شأن عظيم خلا ل سنوات قليلة.
منذ اللحظة الأولى زرعتم مفاهيم الكراهية والحقد الأسود والعداوة الغرائزية مع كل من يختلف معكم في العرق أو التفكير أو الرأي أو السلوك، بل أصدرتم سلفا أحكامكم بإعدامه وضرورة إنهائه وبأنه أقل شأنا منكم ومن كل البشر.
في حكمكم الأول؛ منذ فجر الثامن من شباط عام 1963 استيقظ العراقيون على طبول الحرب والموت وأنغام الشعارات التي سحقت تحت صيحاتها الآلاف من الشباب نساءً ورجالا في بغداد والموصل وكركوك والسليمانية، وانطلقت مجاميع من مهووسيكم في ميليشيا الحرس القومي في أول دروس الانتهاك لحرمات البيوت ليلا وفجرا واختطاف واعتقال المئات والآلاف ممن يعتقد بأنهم يختلفون معكم في الرأي أو التفكير أو الانتماء.
ولكم شرف ابتداع ( حكم الشعب الفوري ) وتنفيذه المباشر ميدانيا وأحيانا كثيرة أثناء التحقيق ومن جرائه دونما الرجوع إلى مسميات ( سخيفة ) كالقاضي وهيئة الدفاع والادعاء العام باسم الجماهير المناضلة للأمة العربية المجيدة !

لقد كان هذا الحرث وذاك الزرع وانتم في أيامكم الأولى وتجلياتكم في مملكة العروبة والجماهير والوحدة الكبرى للوطن الأكبر على أنغام ( لملوم ) أفكار من دكاكين الأيدلوجيات وبقاليها عبر التاريخين الغابر منه والحاضر، ممن أدمنوا إنتاج فلسفات الأعراق المتفوقة والرسالات التاريخية وحقن الرعاع من الشعوب المتخلفة والجائعة في بطونها وعقولها وغرائزها بجرعات من الشعارات الفارغة والمثيرة ذات الإيقاع البدائي والغرائزي وتهييجها باستخدام مثيرات العواطف الدينية تارة والقبلية تارة أخرى، المفعمة بالبداوة وثقافة القرية، حتى تحول واحد من أعرق شعوب الأرض وأقدمها حضارة إلى مجاميع من القبائل والأفخاذ والعشائر والمذاهب، بل تدنى في مستوى تكوينه وسلوكه إلى ثقافة القرية وسلوكياتها. وعقلية البداوة وأنماط تحليلاتها ومفاهيمها الأحادية ونظرتها الغرائزية لكل النشاطات الإنسانية والحيوية القائمة على مبدأ( يا قاتل يا مقتول )!
لقد أشيعَ هذا النمط من الثقافة والكراهية بين طبقات الشعب وفئاته ومذاهبه وقومياته واستخدمت أكثر الأساليب عنفا وخرقا لقوانين الألفة الإنسانية في تعاملاتكم وسلوكياتكم اليومية وانتم تتحكمون في رقاب الناس ومصائرهم، حتى ضن الجميع بأنهم قطعان في دولة لا قانون فيها ولا دستور إلا توجيهات القائد الأوحد أو الحزب القائد.
ورغم كل المآسي التي تولدت نتيجة تهميش المكونات الأساسية للدولة العراقية الحديثة خلال النصف الأول من القرن الماضي، إلا انه لم تصل حدة الصراعات القومية أو المذهبية أو العشائرية إلى الشكل الذي أنتجته دوائر النظام السياسي الذي حكم العراق منذ مطلع ستينات القرن المنصرم.
فلم تكن هناك عمليات ترحيل قسرية للسكان بغية التغيير الديموغرافي للمنطقة الكوردية كما حصل في كركوك والموصل وديالى وشريط الحدود الدولية مع كل من إيران وتركيا وسوريا، ولم تمنع كليات معينة قبول الطلبة على أسس قومية أو مذهبية أو مناطقية إلا في هذه الفترة المظلمة من تاريخ العراق.
لقد كانت بحق البذور الأولى لإشاعة الكراهية والبغضاء والأحقاد بين مكونات المجتمع القومية والدينية والمذهبية حتى وصلت إلى ذروتها في الابادة الجماعية للسكان كما حصل في مناطق حلبجة وكرميان وبهدينان من كوردستان العراق والاهوار والفرات الأوسط من جنوبي العراق، إضافة إلى حمامات الدماء التي كان يقيمها النظام على تركيبات من داخل مؤسسة حزبه أو نظامه لمجرد الاختلاف في الرأي أو معارضة فكرة أو أسلوب للرئيس وحاشيته، كما حصل للعشرات من قيادات الحزب في أواخر السبعينات من القرن الماضي والمئات من كوادره وقياداته العسكرية في الجيش والمؤسسات الأخرى ذات الطابع العسكري تحت ذرائع ( المؤامرة على الحزب والثورة ).
ولم تنجو دول الجوار أيضا من هذه الثقافة البائسة، فحينما أنهى النظام صراعاته الداخلية بسحق المعارضة الوطنية العراقية من الأحزاب في الساحة الداخلية قام بسحق المجموعات المعتدلة في تنظيمات حزب البعث في مؤامرته المعروفة عام 1979، ونجاحه بالتآمر مع بعض الإطراف الدولية في إفشال المشروع المتحضر لعراق الكورد والعرب على خلفية اتفاقية آذار 1970، شن حربه التي عُرفت ( بقادسية صدام ) التي التهمت الأخضر واليابس في كلتا الدولتين، وأشاعت الكراهية والبغضاء وبحور من الدماء والدموع والخراب بين شعوب الدولتين.
وفي أكثر الشعارات التي كان يتشدق بها النظام وهي القومية العنصرية وما أنتجه من مجاميع للأفكار المتخلفة للعرق والمذهبية، كان كاذبا حينما اكتسح دولة الكويت بأسلوب همجي متخلف لا يقل عن ما فعله هولاكو والهكسوس والطورانيون وغيرهم من همجيات التاريخ، بشعب يفترض أن يكون من عرقه ومذهبه كما يدعي.
حقا كان ذلك هو الزرع الأول للكراهية والبغضاء والتناحر ومن ثم القسوة والانحراف عن أساسيات الروح الإنسانية الخالصة، إن ما يحصل اليوم هو نتاج ثقافة وسلوك مارسه الذين تشبثوا بحكم العراق منذ مطلع الستينات وقادوا هذا البلد إلى كل هذه الكوارث:
فهل سيتعض أولئك الذين ما زالوا يتغنون بتلك الثقافة البائسة، ويصرون على القتل والتقتيل أسلوبا للحياة؟
وهل سيدركون بأنهم هم ولا غيرهم من أتى بالأمريكان وعرض العراق للاحتلال، وأباح لكل قتلة ومجرمي دول الجوار وغيرها باحتلال العراق وإبادة سكانه وإباحة كل المحرمات على أرضه؟
وإن كل ما يحصل اليوم من قتل وابادة واغتصاب وترحيل، بما فيه الأسلوب البائس في إخراج عملية إعدام رئيسهم كان واحدا من ابرز تطبيقات ثقافتهم وسلوكياتهم طيلة أربعة عقود من الكراهية والحقد الأسود.
فهل سيقتنعون بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، لتحمل ثانية ثقافتهم البائسة للتحكم بالزمن والمكان، وإن أغرقوا العراق ببحور من دماءٍ ودموع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *