الرئيسية » مقالات » الاشكالية المزمنة بين الدين والسياسة/ 3

الاشكالية المزمنة بين الدين والسياسة/ 3

دولة الفتوى ام دولة القانون.

المنطق الارسطي وكما هو معروف أداة البحث الوحيدة في العصور القديمة , والذي لايزال يدرس في اغلب الحوزات العلمية, مع انه تعرض للنقد الشديد مع بداية القرن الخامس عشر من قبل مفكرين أوربيين تنوريين, وكما تعلمون ان المنطق الارسطي منهج جدلي استقصائي قائم علىالقياس ,يستننتج من الحقائق المعروفة اكثر من البحث عن حقائق جديدة. وكان فرنسيس بيكون من اوائل الذين اكتشفوا عقم وعدم جدوى هذا المنطق بعد اتصاله بالعلم العربي التجريبي عن طريق الترجمات في بلاد الاندلس , وكان هدف العلم عند بيكون إخضاع الطبيعة لخدمة الانسان من اجل رفاهية الانسانية وتطورها,وبعد بيكون رينيه ديكارت وثم المنهج النيوتوني هذا المنهج الذي يقوم على تحليل الحقائق المشاهدة بغية التوصل منها الى مبدأ أساسي , ثم استخراج النتائج الرياضية لهذا المبدأ والتحقيق منها تجريبيا, وبعد ذلك جاء باركلي وهيوم ثم بنتام وجون ستيوارت ميل وجون لوك الذي كان وراء فكرة مؤسسات المجتمع المدني والذي اقام نظرية الجديدة في الدولة التي تدحض الحق الالهي للملوك وتدعوا الى مبدا فصل السلطات,وبعد كل هذا جاء فلاسفة عصر التنوير الذين اكدوا على قيمة العلم وفضيلة الحرية ومحاربتهم الى الاتجاهات الميتافزيقية , ونشر الفكر الواقعي, وهذا أدى الى ظهور فكرة التقدم اي التطور من البسيط الى المعقد ومن الادنى الى الارقى , وكان لهذه الفكرة دورا ً هاما ً في العلم والثقافة, ومن ثم توالت الاكتشافات والنظريات مما ادى الى خطوات كبيرة باتجاه الفصل التام بين الدولة والكنيسة, وكان البرلمان الفرنسي سباقا ًفي هذا المجال عندما صادق في عام 1905 على قانون الفصل بين الدولة والكنيسة , ومع بداية القرن العشرين اخترعت السيارة والطائرة والكهرباء الى نهاية وبداية القرن الواحد والعشرين اصبح العالم قرية كونية بفضل غزو الفضاء . وهنا لابد من ذكرالشعب الياباني الذي شارك بفعالية في هذه المنجزات والتحولات دون ان تقف تقاليده العريقة ومعتقداته الدينية حائلا بينه وبين التطور العلمي . هذه كانت بأختصار العوامل التى ادت الى ولادة المجتمع الجديد الذي تبنى دولة القانون, ودولة القانون تلك التي تقوم على اساس المؤسسات والتي تحتكم الى دستور البلاد,الذي يضمن فصل السلطات الثلاث ويحترم حقوق الانسان , وتوفر بشكل فعلي ظروف المشاركة في ادارة المجتمع والدولة.


أما دولة الفتوى . ويقصد بها من الناحية السياسية الامامة ” والامامة العظمى وامارة المسلمين هي رياسة الحكومة الاسلامية الجامعة لمصالح الدين والدنيا ” . وهنا لابد من مرور تأريخي سريع على بعض محطات الخلافة فحين سعى المسلمون الاوائل الي نشر العدل الاجتماعي والمساوة والتحرر من نير الفقر والعبودية , وكان هذا كله قد شكل رؤية جديدة للعالم في شتى جوانب الحياة , ولكن بعد وفاة النبي الاكرم تصدعت وحدة المسلمين وتوزعوا الى فرق ومذاهب مختلفة منذ بدأت مسالة الخلافة تتفاعل فيما بينهم بالعنف وتتحول الى صراع دام ٍ , حتى وصل الامر بالمسلمين ان تفككت وحدتهم السياسية وتفرقوا الى دويلات متناحرة متقاتلة فيما بينها واصبحت السلطة السياسية بيد الامراء الذين ابتعدوا عن فكرة التشريع الجامع الموحد وبهذا الامر فارقت السياسة الاسلام …؟

أمكانية الحل مع بداية القرن الواحد والعشرين ؟

قد يغلب الظن على البعض ان في كثيرمن هذه التساؤلات التي وردة في طيات هذا البحث قد تجد لها أجابات في البحوث التي قـُدمت ولاتزال تـُقدم في حلقات الدرس و البحث, لكنني أقول أجوبة لا تصل بنا الىعمق مستويات المشكلة ولا تـُعّد أجوبة شافية ووافية لانها بعيدة كل البعد عن الواقع الراهن في مجتمعاتنا العربية والاسلامية , بل أقول و بصيغة اخرى ان المشكلة المزمنة التي نعاني من مضاعفاتها في مجتمعاتنا, اساسها الاشتباك الحاصل بين الديني والسياسي ,و تبقى تلك الاجابات معلقة ومفتوحة, لان اغلب هذه الاجابات تمثل ردود فعل لاترتقي ان تكون حلا ً للمشكلة القائمة بين الدين والسياسة في واقعنا الراهن بالرغم مما حملته من عناوين براقة كانت على شكل لوائح وحقوق ومن امثلتها حقوق الانسان, وحقوق المرآة, وحقوق العامل, .. وحقوق.. وحقوق….الخ


ونحن الان في بداية القرن الواحد والعشرين , والمجتمع العربي والاسلامي مازال يراوح ويترنح في مكانه, والارباك والتخبط باديا ً عليه من خلال عناوين بارزة في صفحات ازماته واحباطاته المريرة على كافة الصعد. ومع ذلك مازال هذا المجتمع يسعى لدولته الوطنية التي تحقق له الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والرفاهية الاقتصادية والاستقلال ولكنها لم تتحقق بعد , في الوقت الذي مازال فيه تفكير هذا المجتمع اسيرا ً لطروحات واسئلة منذ بداية عصر النهضة والى يومنا هذا ولم يفلح في ان يجد أجوبة حاسمة عليها ولاسيما في اشكالية العلاقة بين الدين والسياسة ولايزال الانسان العربي والمسلم يعيش وضعاً شاذا ً وغريبا من بين كل ابناء شعوب هذه المعمورة.

كيف نتخطى المحضور…؟؟

لان هذا الانسان مازال محضور عليه التفكير الحر في الدين والدنيا رغم مانعيشه الان من تحولات كبيرة و ثورة عارمة في العلوم المستقبلية. ولو استحضرنا التأريخ ليكون شاهدا ًعلى شدة ذلك الصراع بين تياريين كبيرين سعى كل منها للانتصار على الاخر, فكانت نتجية ذلك الصراع محنة ابن رشد في اتهامه بالزندقة وحرق كتبه في الساحات العامة, والقائمة تطول في مثل هذا الباب للاتهام بالزندقة مفتوح على مصراعيه لحد الان , لكنني اقول , اتجه بنظرك نحو المغرب العربي وبالتحديد الى الجزائر ستشاهد مثالا مؤلما ًوحيا ً على مانقوله في تجسيد ذلك الصراع المرير بسيل من الدماء سببه المباشر وغير المباشرصراع المؤسسة الدينية مع المؤسسة المدنية, اللتان لا تعترفان ببعضهما البعض,لانهما لم يحددا سلطة كل منهما مع الاخر منذ البداية, وهذا يدل على ان هناك خلل بنيوي في الفكرالذي صاغ المؤسستين, ونكتفي بهذه الاشارة وسأحاول التفصيل عنهما بالتحليل الاجتماعي والتأريخي في طيات هذه البحث, عندما أستعرض بعض الاراء والتصورات الدينية و السياسة للمشكلة.

العلمانيون اللبراليون وأكثر من مئة عام في الحكم والسلطة ….
…ماذا كانت النتيجة ؟

هذا الموجز القصير والسريع الذي قدّمته لحركة الصراع بين الجانبين الديني والعلماني في امثلته القديمة الجديدة يدلنا على ان العلمانيين اللبراليين أتيحت لهم ايضا فرصة الحكم والسلطة طيلة قرن كامل من الزمان , ولم يستطيعوا ان يـّـكون مرجعية ثابتة تؤصّـل للانسان العربي والمسلم نظرته الى الدولة والمجتمع والحياة والمستقبل, والامثلة عديدة على ذلك, وبالامكان ملاحظتها بعدة بلدان عربية واسلامية ولانريد الدخول في تفاصيل تلك الانظمة الحاكمة وفشل تجاربها والتي حاولت في اغلبها ان يكون حل الاشكالية من خلال تثوير الفكر الديني ووضعه في خدمة الانسان وقضايا المجتمع السياسية والاجتماعية , لكن سقوط هذه التجارب لأسباب عدة وعلى رأس قائمة هذه الاسباب استغلال الدين والمتاجرة به من طرفي المعادله بشكل كبير, مما أدى الى خلل في فهم الذات و فهم الاخر, وكذلك أدى هذا الخلل لتكون هناك قطيعة بين تراثنا الابداعي من جهة وبين منجزات الحداثة والنهضة من جهة اخرى, ونتائج هذه القطيعة أدت بنا الى فقداننا اية بنية تحتية على مستوى العصر. وحتى نبدء بتلمس اطراف الحل للمشكلة لابد من المرور السريع على بعض التعريفات المهمة التي نحتاجها في البحث.

بعض الرؤى في ظيفة كل من الدين والسياسة

..و حتى تكون بعض الرؤى واضحة لابد من تعريف الدين والسياسة, الدين هوالتزام كامل وتام با لتعاليم السماوية لتكامل الحياةالانسانية للانسان. أما تعريف السياسة فهي فن الممكن,او تعريف اخر للسياسة في المفهوم الغربي، يرتبط بمفاهيم الشعب والقانون والسلطة والمصلحة العامة والدولة، ويستبطن قيم الصراع والتكييف والحلول الوسط وتحكيم الواقع.

من خلال هذه التعريفات يرى اصحاب فكرة الفصل بين الدين والسياسة بأن الدين والسياسة ينفصلان عن بعضهما البعض ولكل منهما وظيفته الخاصة ولاتستطيع السياسة اداء وظيفة الدين ولايستطيع الدين القيام بوظيفة السياسة, لان الدين في رأي هؤلاء يدعوا الانسان الى الارتباط بالله, وان هذه العلاقة وحيدة من حيث ان الانسان فيها ينمو ويترعرع ويموت وحيدا ً , اما السياسة فانها تدعو الى الجمع فلا وحدة فيها,والدين سلوك وصراط فردي , بينما السياسة سعي على صراط جماعي , ويقول هؤلاء ايضا ان ازدواجية الدين والسياسة تستدعي ازدواجية القانون , وفي هذه الحالة نكون امام قانون ديني يريد للانسان السمو والتكامل في شخصيته الانسانية, وقانون مدني يريد سعادة ورفاه المجتمع , ويقولون ايضا يجب ان لاتكون القوانيين
الدينية مهما كانت عظيمة اساس القوانيين المدنية ,ومونتسكيو في كتابه روح القوانيين يقول
“القوانيين الوضعية لاتحتاج الى النصيحة والموعظة,وانما تحتاج الى المقررات لانها وضعت للافراد .اما القوانيين الدينية التي وضعت لقلوب الناس فأنها يجب ان تركز اهتمامها على الموعظة والنصيحة وتأتي المقررات في المرتبة الثانية” , وحسب مقارنة هؤلاء فالدين يعني عندهم حبل ممدود من السماء لأنقاذ المؤمنين من عبادة الالهة وعبادة الاصنام ,أما السياسة فانها حبل يمثل طرف منه كثرة من المنتخـِبين المحكومين والطرف الاخر منه قلة من المنتخـَبين الحاكمين, وبهذه الطريقة يتعلم الطرفان الحاكم والمحكوم بأن الاخذ من الافكار والرؤى المختلفة ومداراة اصحاب الرؤى الجديدة تؤدي كلها الىتحسين ظروف الحياة. ولكن الدين حسب ما يقول هؤلاء يرفض ويقف حاجز في وجه كل هذه التصورات , وعليه فأن الافكار المتناقضة والعلاقات الاجتماعية المتداخلة وضرورةالتسامح مع النظريات الجديدة ونبذ التعصب الفكري, وهذا كله يمنع الدين من التدخل في كثير من شؤون الحياة .هذه اذن الاراء التي طرحها اصحاب الفصل بين الدين والسياسة ومبررات الحاجة لهذه الفصل.

اراء فريق ثان ٍ

نأتي هنا الى ما قاله فريق اخر على ان الدين استخدمه السياسيون لخداع الشعوب وتبرير المظالم وغصب الحقوق, بحيث اصبح الدين في خدمة السياسة والسياسيين من خلال دعوة الناس لقبول الظلم والصبروالهدوء والسكينه بناءا على امل في تحسن الاوضاع والتخفيف عن الالام والمحن, وفي زعم هؤلاء ان الدين في ذلك يفتح نافدة نحو عالم الخيال بعد الموت ويمنع الناس من السعي لتحسين اوضاعهم الحياتية من خلال الجنة التي بها يوعدون .

أراء الفريق الثالث
يعتقد هذا الفريق ان السياسة تقوم على مبادئ واصول انسانية محورها الدين, وان السياسة التي تخضع لارادة الدين لايكون الحكم هدفا بعينه وانما وسيلة لتحقيق غايات كبرى وسامية لانها تسعى لمجتمع متكامل , كما ان الحكم فيه يقوم على اساس تكريم الانسان , ويتعامل الناس ضمن هذه السياسة على اساس المعايير الانسانية.
والان طرحنا بعض من هذه الاراء التي تفصل الدين عن السياسة وتلك التي تقبل الدين وتـُخضع السياسة له,
وهذا كله سيوصلنا الى الدراسة المهمة للجوانب المختلفة للتيارين, وكيف ان التيارين مقبولان ومنطقيان في جوانب ومرفوضان وغير منطقيين في جوانب اخرى ,هذا ما سنتواصل به معكم في عملية نقدية منهجية في حلقة قادمة انشاء الله تعالى…….. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *