الرئيسية » مقالات » هل يتعلم المستبدون من دروس من سبقهم في الاستبداد؟ السودان نموذجاً!

هل يتعلم المستبدون من دروس من سبقهم في الاستبداد؟ السودان نموذجاً!

كان العالم العربي والإسلامي على مدى قرون طويلة ولا يزال حافلاً بالمستبدين الذين تنكروا لبنات وأبناء جلدتهم ومارسوا الاستبداد وأنزلوا اشد الحيف والعذاب والمذلة بشعوبهم متخذين من الدين الإسلامي حيناً, والعروبة حيناً آخر, والدفاع عن حياض الوطن حيناً ثالثاً, حججاً من أجل تسليط أقسى أشكال الظلم والطغيان والاستغلال والموت على رقاب الناس الأبرياء من مسلمين وغير مسلمين, ومن عرب وغير عرب. فمن يلقي نظرة على الدول العربية والإسلامية في مطلع القرن الحادي والعشرين سيتيقن بأن شعوب أغلب هذه البلدان ما تزال تجرجر أقدامها في نهايات القرن التاسع عشر أو حتى نهايات القرن الثامن عشر من حيث مستوى تطور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج والمستوى البائس لحياة المعيشية للغالبية العظمى من السكان, في ما عدا بعض الدول النفطية الخليجية, رغم دخول بعض منجزات التقنيات الحديثة شكلياً إليها. وأن جميع شعوب هذه الدول لا تزال تفتقد بشكل عام إلى ممارسة حقوق الإنسان وحقوق القوميات الأخرى فيها, وأن الإنصاف والعدالة الاجتماعية مفقودة كلية دون استثناء.
وكان العراق يقدم نموذجاً بشعاً جداً في منطقة الشرق الأوسط على نحو خاص لما امتاز نظام الحكم فيه من استبداد جنوني وعنصرية بغيضة وقمع سادي السلوك تقشعر له الأبدان. وقد نجم عن تلك السياسة العدوانية التي مارسها نظام صدام حسين المقبور موت ما يقرب من مليوني إنسان بسبب الحروب والطغيان الداخلي والقتل الجماعي الذي تعرض له الكُرد والعرب والتُركمان وأتباع بقية القوميات ومختلف الأديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية, إضافة إلى هجرة ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقية وعراقي عانوا الأمرين من الشتات والغربة. وكان إصراره على البقاء في الحكم وممارسة سياساته الاستبدادية والعدوانية والحروب نحو الداخل والخارج قد فتح الطريق أمام سقوطه على أيدي القوات الأجنبية وإغراق العراق في بحر من الدماء والدموع, وهو آخر فعلة نكراء تسنى للدكتاتور أن يرتكبها بحق الشعب العراقي, حيث حوكم وحكم بالإعدام شنقاً حتى الموت. وهو ما حصل فعلاً في بغداد وفق القوانين العراقية المرعية التي مارسها صدام حسين ذاته, ولكن بدون محاكمات شرعية بحق عشرات الألوف من الناس الأبرياء.
لقد مات الدكتاتور العراقي, فهل تعلم المستبدون الآخرون من دروس العراق ومستبديه البليغة؟ كل الدلائل التي تواجهنا اليوم لا تؤكد بأن هؤلاء المستبدين, كباراً وصغاراً, قادة وأتباعاً, قد استفادوا من دروس العراق. وفي هذا المقال نورد مثالاً واحداً فقط هو السودان, في حين نترك للحديث صلة بسبب كثرة المستبدين في عالمينا العربي والإسلامي.
تشير تجربة السودان إلى أن رئيس العسكر ورئيس الدولة في السودان, عمر البشير, لم يستفد قيد أنملة واحدة من تجربة ودروس نظام حكم صدام حسين في العراق. فالرجل, الذي جاء عبر انقلاب عسكري بقيادة جبهة الإنقاذ الوطني لا يزال يتربع على كرسي الحكم في السودان, حتى بعد انشقاق الحزب الحاكم, ويمارس سياسة لا تختلف كثيراً عن سياسة صدام حسين التي مارسها ضد الشعب الكُردي, في سياسته إزاء شعب غرب السودان, شعب دار فور, بعد أن أجبر على الرضوخ للتفاوض مع قادة جيش وشعب جنوب السودان.
وفي الآونة الأخيرة كان الناس يتحدثون عن قتل 10 ألاف إنسان سوداني من نساء ورجال شعب دار فورد, ولكن خطاب البشير أنزل الرقم معترضاً وأشار إلى أن العدد لم يتجاوز ألـ 9000 إنسان فقط! وهذا الحديث يذكرني باعتراض المتهم الكبير بجرائم الأنفال والمسؤول الأول بعد صدام حسين عن استخدام السلاح الكيماوي ضد سكان حلبجة, علي حسن المجيد الملقب بالكيماوي, حين قال بأن عدد القتلى لم يصلوا إلى 182 ألف في كُردستان العراق بل إلى مئة ألف إنسان لا غير! وهو المتهم الأول بهذه الجرائم ويحاكم أمام محكمة الجنايات الكبرى الخاصة ببغداد ليلقى الجزاء العادل الذي يستحقه. وبدلاً من التعلم من درس العراق لمنع ارتكاب الجرائم يقول المتهم أحمد محمد هارون, الذي وَجدَ في صدام حسين نموذجاً له يحتذي به, قال بعد توجيه الاتهام له بارتكاب جرائم بشعة في دار فور ما يلي: “العملية الشرطية التي تمت بدار فور بنشر الألاف من رجال الشرطة تظل من أعظم العمليات التي لم تشهدها الشرطة السودانية من قبل.” وكان الهدف هو تأمين المناطق التي تقطنها قبائل الفور التي تسمى المنطقة باسمها. وأضاف “وللمفارقة أن هذه العملية كانت تهدف لتأمين معظم مناطق الفور خلافا لمزاعم المدعي العام الجنائي بأننا حرضنا ما يسمي بالجنجويد علي أهلنا الفور”. (راجع: صوت العراق. موقع إلكتروني بتاريخ 28/2/2007) وبهذا المنطق تماماً تحدث علي حسن المجيد بطل مجازر الأنفال أمام المحكمة الجنائية الخاصة في بغداد عن جرائم الأنفال! فكم هي واحدة أو متماثلة أخلاق وسلوك وظلم المستبدين في الأرض! ولا بد لنا من الإشارة الواضحة إلى أن أجهزة الأمن السودانية قد تلقت دراسات نظرية وتدريبات عملية على أيدي أجهزة الأمن الصدامية بهدف ممارسة ذات السياسات الإرهابية وأساليب التعذيب والقتل والشوفينية التي مارسها النظام العراقي في العراق.
كلنا يتابع ما يتعرض له شعب دار فور من جرائم بشعة ترتكب بحقه يومياً من قبل قادة الحكم في السودان. وأن المنفذ الفعلي لهذه الجرائم هي عصابات الجنجويد المؤتمرة بأوامر الحكومة التي تشبه في بعض أوجهها عصابات الفرسان (الجحوش) التي شكلها النظام الدكتاتوري في كُردستان العراق من أفراد من الكُرد لمحاربة القضية الكُردية التحررية, والتي فشلت في تحقيق أغراض النظام طبعاً ولكنها تسبب في إعاقة النضال الوطني لسنوات, كما تسببت في موت الكثير من الناس الأبرياء, رغم أن البعض منهم قد تعاون مع الحركة التحررية الكردية وخدم أغراضها الوطنية. ورغم القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي كالقرار 1706 المتخذ في الجلسة 5519 في 31 آب / أغسطس 2006 والقرار رقم 1714 المتخذ في الجلسة 5545 بتاريخ 6 تشرين الأول / أكتوبر 2006, فأن حكومة السودان ترفض حتى الآن الاستجابة والتعامل الإيجابي مع هذه القرارات, فهي تتعامل تماماً كما تعامل صدام حسين مع قرارات مجلس الأمن الدولي واستخف بها, وكانت النتيجة خراب العراق كله.
وفي شهر شباط/فبراير 2007 صدر قرار عن المحكمة الجنائية الدولية في هولندا يقضي بمثول وزير الدولة بالداخلية السابق ووزير الدولة للشؤون الإنسانية أحمد هارون وعلي محمد علي عبد الرحمن, باعتبار الأخير أحد قادة الجنجويد, للمساءلة عن تهم تتعلق الجرائم ضد الإنسانية, وجرائم الحرب, والاغتصاب, والقتل, والاضطهاد, والتعذيب, والتهجير القسري, وتدمير الممتلكات, والسلب والنهب, وإساءة بالغة للكرامة الشخصية, وهجمات ضد السكان المدنيين, والسجن, والحرمان المفرط من الحرية…الخ, وهي تهم موجهة من حيث المبدأ إلى نظام الحكم السوداني كله, وهي بالتالي مثول ومساءلة ومحاكمة النظام على تلك الأعمال المناهضة للإنسان والإنسانية, بل هي محاكمة لرأس النظام الذي أصدر قرارات مناهضة لمطالب شعب غرب السودان وتحريض وتسليح الجنجويد ودفعهم لضرب سكان دار فور.
إن شعب السودان يعاني من وطأة الفقر والتخلف والحرمان ومن الحروب المستمرة طوال العقود المنصرمة, سواء أكانت ضد شعب جنوب السودان أم ضد غرب السودان حالياً, وربما ستلحقها شرق السودان الذي وقع اتفاقية هشة مع النظام والتي لم تنفذ حتى الآن والتي لا تختلف كثيراً عن اتفاقيتي الجنوب والغرب, إذ أن المشكلة لا ترتبط بالسودان وحده, بل أن الهجرة الواسعة لسكان دار فور كانت ولا تزال متجهة إلى الدول المجاورة وتشكل صعوبات كبيرة لتلك الدول ومشاحنات على الحدود وتهدد بمشكلات جديدة في الدول المجاور للسودان.
والغريب بالأمر أن رجال الدولة السودانية لا يدعون عدم وجود مثل هذه الجرائم البشعة بما فيها قتل 9000 إنسان, والموت الواسع للبشر بسبب الجوع والتشرد والحرمان, في معارضتهم لقرار المحكمة الجنائية الدولية, بل يقولون: لماذا تساءلون وتحاسبون السودان وحكومة السودان فقط على ما ارتكب عندنا من جرائم؟ ألم تُرتكب جرائم في دول أخرى مثل العراق أو في غيرها من الدول؟ وهذا الحجة شبيهة تماماً بمن يكون “عذره أقبح من ذنبه”! أما وزير العدل السوداني السيد محمد علي المرضي فقد “سخر من تصريحات المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكامبو التي أدلى بها لقناة الجزيرة الفضائية .. وذكر فيها أن لديه وثيقة تثبت تورط الوزير احمد هارون والمواطن علي كوشيب في جرائم دار فور لن يقدمها إلا للمحكمة، وقال الوزير إن الحكومة موقفها واضح ولن تسلم أي سوداني للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وأضاف في رده على سؤال لـ(السوداني): (وثيقته يبلها ويشرب مويتها)، وأردف حتى ولو عنده اعترافات قضائية موقفنا ثابت ومعلن (العندو كلو يبلو ويشرب مويتو)”. هذا ما نشر في الخرطوم نقلاً عن السيد حافظ الخير. بهذا المنطق المستهجن يتحدث وزير العدل في الدولة السودانية في العشرة الأولى للقرن الحادي والعشرين, فتأملوا في كيفية التعامل مع بنات وأبناء السودان من جانب هذا الوزير ووزير الداخلية وجهاز الأمن السوداني مثلاً.
نشرت مجلة الوطن العربي في عددها رقم 1565 بتاريخ 28 شباط/فبراير 2997 خبراً جا فيه بالنص ما يلي: “احتفظ الرئيس السوداني عمر البشير بالمرتبة الأولى بين عشرة دكتاتوريين تختارهم مجلة باريد كل عام. وقالت المجلة أنه مسؤول عن قتل 200 ألف شخص في السودان وتهجير أكثر من 5 ملايين نسمة. وحل ثانياً كيم يونغ إيل رئيس كوريا الشمالية وحصل على المرتبة الثالثة علي خامنئي مرشد الثورة الإيرانية … وحل الرئيس السوري بشار الأسد في المرتبة العاشرة”. ص 7
إن الشعب السوداني والرأي العام العالمي والمجتمع الدولي يطالبون بوقف نزيف الدم فوراً وكذا الهجرة والتجاوز على حقوق الإنسان وحقوق شعب دار فور من جانب النخبة العسكرية الحاكمة في السودان ومن الحزب الحاكم, كما يطالبون بإرسال القوات الدولية لتقف بوجه القتلة من عصابات الجنجويد التي تأتمر بأمر القوى الأكثر شوفينية ودموية في الحكومة السودانية وحزبها الحاكم ورأس النظام.

إن مطالب المجتمع الدولي والرأي العام العالمي تتلخص بضرورة ممارسة ما يلي:
أولاً: الاستجابة لمطالب الشعب السوداني والشريك الأكبر في الحكم الراهن, الحركة الشعبية لجنوب السودان, بشأن الحياة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.
إيقاف القتال فوراً والبدء بدعوة جميع الأطراف للحوار ومعالجة المشكلات بالطرق السلمية وتلبية مطالب شعب دار فور العادلة والمشروعة بحضور ممثلين عن الأمم المتحدة.
ثانياً: القبول بقرار مجلس الأمن الدولي ودعوة قوات دولية لمنع تكرار الجرائم التي لا تزال ترتكب هناك.
ثالثاً: نزع سلاح عصابات الجنجويد المجرمة التي لا تزال تمارس القتل والتهجير ضد سكان دار فور فوراً وتسليم المسؤولين عن الجرائم للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمتهم محاكمة عادلة ونزيهة. والغريب أن رئيس الدولة عمر البشير قد اقسم من على منصة الخطابة أمام الجمهور بالثلاث بأنه لن يسلم أحمد هارون للمحاكمة الدولية!
رابعاً: وضع برنامج خاص لإعادة أعمار وتنمية وتطوير إقليم دار فور اقتصادياً وبشرياً وعودة المهجرين قسراً وإسكان المشردين بصورة إنسانية وتقديم التعويض الفردي المجزي للمتضررين.
خامساً: منح سكان دار فور حقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم دون وصاية وتحت أشراف الأمم المتحدة, علماً بأن سكان دار فور لم يطرحوا الانفصال عن السودان, إلا أن ممارسة السياسات العسكرية العدوانية ضدهم ربما ستدفع بهم على طرح مثل هذا الشعار. .
سادساً: مطالبة الشعوب والقوى والأحزاب في الدول العربية وحكوماتها والجامعة العربية في أن تتخذ مواقف إنسانية صارمة لتأييد نضال شعب دار فور وشجب وإدانة ممارسات الحكم العسكري في السودان, ومطالبته بالتخلي عن السلطة لصالح القوى الوطنية السودانية وإجراء انتخابات حرة وديمقراطية نزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمات المجتمع المدني الدولية والإقليمية والمحلية غير الحكومية.
وأنا على ثقة تامة بأن الشعب السوداني, الذي عانى وما زال يعاني الكثير من الآلام وينزف الكثير من الدماء ويفقد الكثير من البنات والأبناء, بكل مكوناته القومية سينتصر وستندحر السياسات الاستبدادية والعنصرية والشوفينية المقيتة التي يمارسها الحكم القائم حالياً.
آذار /مارس 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *