الرئيسية » مقالات » ملاحظات على قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام

ملاحظات على قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام

وصلتني نسخة من ” قانون الاستثمار الخاص في تصفية النفط الخام” عن طريق أحد الأعضاء في مجلس النواب خلال الشهر الجاري، حيث قدم هذا القانون للمجلس من أجل المصادقة عليه دون عرضه على الشعب قبل إقراره من قبل الحكومة وعرضه على البرلمان، وها هي الحكومة للمرة الثانية تحاول تجاوز رأي ذووا اٌختصاص والحقوقيين وتحيل قانون خطير إلى مجلس النواب لإقراره.
في الواقع إن أعضاء المجلس الموقرين يمثلون رأي الشعب ولا ريب، ولا خلاف على هذه النقطة إطلاقا، فهم ذووا الحل والعقد في البلد، ولكن في المجتمع المدني الديمقراطي هناك قواعد وقيم على الحكومة أن تحرص على التمسك بها قبل غيرها، وهي أن يكون للمختصين وذووا الرأي كلمة في أي تشريع مهم يهم حياة المواطن، وما يزيد تمسكنا بهذا المبدأ هو أن القوانين التي قدمت للمجلس لحد الآن لم ترقى أبدا لتكون قوانين في بلد متحضر، ولا حتى بلد متخلف، وفيها من النواقص ما يطال حتى مبادئ السيادة الوطنية ويخل بها في الصميم.
القانون لم يحقق للعراق شيء سوى أنه يبيع هذه المصافي التي تقوم على أساس من هذا التشريع النفط الخام بالأسعار العالمية، ولم يطالب المشرع أو القانون بأية فوائد للعراق من هذا الاستثمار سوى تقديم العمالة وفق ما يشتهي المستثمر العالمي ليعملوا وفق قوانين الرق كما سنرى من خلال السياق، فالقانون لم يلزم الشركات بتقديم ضرائب ولا ريع ولا نهاية لعقودهم ولا أي شروط أساسية أخرى!
المادة الثالثة من المسودة تلزم الشركات الاستثمارية بتشغيل ملاكات عراقية بما لا يقل عن75% من مجموع العاملين، لكن لم يحدد القانون المستويات التي تعمل بها هذه الملاكات، قد لا تسمح لهم الشركة بإشغال جميع مستويات العمل ولم تحدد تزايد هذه النسبة وقت اقتراب نهاية العقد، إذ لم يحدد القانون أيضا نهاية للعقد وهناك ما يشير ضمنا أن العقد لا نهاية له من خلال قراءة المادة12 ثانيا، كما ولا يلزم الشركة بتجديد وتحديث منشآتها تبعا لتطور التكنولوجيا، وهذا الأمر له آثاره الكبيرة على البيئة وكفاءة التصفية للنفط الخام مستقبلا. المهم في هذه المادة ترك العاملين العراقيين الذي يعملون في هذه المصافي بلا قانون ينظم عملهم وحياتهم، فلا الشركات ملزمة بأن تعطيهم حقوق واضحة وصريحة ولا يوجد قانون في المناطق الحرة يحدد حقوقهم لأن هذه المصافي وأينما وجدت في البلد تسري عليها قوانين المناطق الحرة التي لم يسمع بها أحد ولا يعرف عنها عراقي شيء، كونها عبارة عن قرار، وليس قانون، لصدام حسين في العام98 وضعه لغرض الخروج من حالة الحصار الذي أحكم سيطرته على العراق، وهذا ما ورد تحديدا في المادة التاسعة من المسودة، فلم يحقق القرار أغراضه من خلال إغراء الشركات العالمية للعمل في العراق من أجل كسر الحصار وذلك بتحقيق أرباح خيالية لم تحلم بها في بلدانها، لكن المحاولة وكما يعلم الجميع لم تؤتي أكلها لأن لم تتقدم شركة عالمية أو محلية للعمل وفق هذا القرار وبقي الحصار على ما كان عليه. هذا القرار أريد له أن يكون القانون الذي ينظم عمل الملاكات العراقية التي سوف تعمل في هذه المصافي، وحسب علمي إن المحاكم العراقية لا علاقة لها بما يجري في المناطق الحرة، والتي لا وجود لها في الواقع الموضوعي لا سابقا ولحد الآن لم تحدث، وإن أغلب بلدان العالم لا تشمل العاملين في الشركات التي تعود ملكيتها لمواطنيهم بقوانين بلدهم فيما إذا كانت خارج التراب الوطني، بالتالي سيكون جميع العاملين من العراقيين الذين يعملون في هذه المصافي، يعملون وفق قوانين الرق أو اللا قانون، في حين يحددهم القانون بنسبة75% من مجموع العاملين في هذا القطاع الذي سوف يكون واسعا جدا في حال استقرار الأوضاع في البلد. كما ولم يحدد القانون المرجعية القضائية في حال حصول نزاع بين الحكومة وهذه الشركات، حيث من الضروري أن تكون المحاكم العراقية المرجعية من أجل تحقيق أبسط وأهم شرط من شروط السيادة الوطنية.
المادة4 التي تشترط على الشركة المستثمرة مستوى تكنولوجي متقدم بحيث لا تزيد نسبة المشتقات الثقيلة فيها على20% من النفط الخام، لكن لم يحدد القانون حدود هذه المشتقات الثقيلة، فربما تكون السلاسل الهيدروكربونية المغلقة التي تحتوي على ثمانية أو تسعة ذرات كربون تعتبر من النوع الثقيل نسبيا، هذه النقطة بالذات بحاجة إلى توصيف واضح ودقيق.
والمادة السادسة تلزم المستثمر بإنشاء أنبوب النفط الناقل للنفط الخام من نقطة التجهيز ونصب أجهزة القياس التي يجب أن تكون من النوع الدقيق دون تحديد لنوع وتكنولوجيا هذه الأجهزة، حيث يوجد هناك أنواع متعددة وتكنولوجيا قياس متباينة ومتنوعة، بحيث يكون الفرق كبيرا بين واحدة وأخرى، فمثلا أجهزة القياس بالترباين تكون مقبولة في أماكن أخرى غير نقاط التجهيز التي يجب أن تنصب بها أجهزة من النوع الذي يعمل على مبدأ الإزاحة الموجبةPositive Displacement Meters الدقيقة جدا والتي تستعمل في قياسات من هذا النوع، حيث تسمى بالفسكل ميترز، أي أجهزة العائد المالي والذي يجب أن لا تزيد نسبة الخطأ بها على الواحد بالعشرة آلاف. ولم يحدد القانون مكان نصب هذه الأجهزة، فلو كانت في مكان نقطة التسليم فإنه يعني إن النفط الذي يضيع في حال وجود رشح أو كسر للأنبوب ستكون من مسؤولية المستثمر، أما إذا كانت هذه العدادات موجودة في موقع المصفى، فإن أي ضياع يعتبر على حساب المجهز وهو الوزارة، في حين الوزارة ليست المسؤول عن الصيانة وحماية الأنبوب الكاثودية أو الحماية بالوسائل الكيميائية باستعمال مانعات الصد، حيث هذه الاعتبارات ذات أهمية كبيرة بين المتعاقدين ويجب أن تظهر في القانون.
كما ولم يحدد القانون مصير الأراضي التي يمر من خلالها الأنبوب والتي في أغلب الأحيان ملكا لأفراد وإن الأنبوب في العادة يأخذ مساحة واسعة مع الطريق الموازي له، ففي العادة يأخذ الأنبوب مساحة قد تصل إلى هكتار لكل كيلومتر من الأنبوب، وهذه المساحات من الأراضي تعتبر كبيرة.
أما المادة السابعة التي تهتم بمعايرة ومراقبة هذه الأجهزة لم تحدد دور الوزارة أو الجانب العراقي الحكومي في مراقبة هذه الأجهزة كما ولم تحدد لهيئات الرقابة المالية والنزاهة أدوارا بمراجعة هذه الأجهزة والتأكد من صلاحيتها، ولا دور لها كشاهد على اختبار الصلاحية وقت معايرتها في الموقع من قبل الطرف الثالث الذي حدده القانون من دون ضوابط أيضا.
المادة التاسعة تمنح صاحب المشروع امتيازات المناطق الحرة وفق أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المنحل لعام98 المرقم170، كما أسلفنا، وذلك دون تحديد لمكان المصفى سواء كان في مناطق حرة أم في مناطق تقع بداخل التراب العراقي، كما وأن القرار لا يمكن الاستناد عليه من الناحية القانونية حسب فهمي المتواضع للقانون لأن قرارات مجلس قيادة الثورة سيء الصيت قد ألغيت، ربما ما بقي منها ساري المفعول هو القوانين فقط، ولا ندري أين هو القرار وما هو مضمونه، لأن قرارات هذا المجلس كانت قرارات ارتجالية لصدام فقط، فكيف يستند العراق الجديد على قرار من هذا النوع؟
المادة11 هي الوحيدة التي تلزم الشركة تقديم تقارير دورية مالية وفنية إلى وزارة النفط لكن الوزارة لم تحدد أي نوع آخر من الرقابة المباشرة على الشركة سوى هذه التقارير، ولا يمنح القانون للوزارة الحق بمراجعة أي شيء على أرض الواقع في المصفى وكأنه في مكان غير العراق! ذلك أن القدرة التشغيلية لمنشأة النفط تتآكل تدريجيا مع الزمن، وينبغي متابعتها وتحديد صلاحية أي جزء منا للاستمرار بالعمل أو ينبغي على الشركة إبداله بآخر جديد وهو ما يسمى بالِAssists Integrity Managementِ، لأن هذا الأمر له علاقة مباشرة بالسلامة العامة للعاملين والناس والبيئة وما تتأثر به الحياة الاجتماعية من ضرر في حال وقوع حوادث انفجارا أو ما أشبه ربما تتسبب بكارثة إنسانية وبيئية كبرى.
المادة12 من المسودة تبيح للشركة إيجار الأراضي لمشروعها لمدة40 سنة قابلة للتجديد دون وضع سقف زمني لبقاء المستثمر في البلد، كما ولا يحدد القانون مصير الأراضي للأنبوب المجهز للنفط الخام أو الأنبوب الجديد في حال نفاذ النفط من مصدر التجهيز أو تغيير مسار الأنبوب المجهز مستقبلا. أما رابعا من هذه المادة فإن صياغتها ضعيفة ويجب أن يعاد النظر بكتابتها بشكل قانوني جيد وواضح.
المادة15 التي تهتم بالجانب البيئي فإنها لم تحدد الضوابط البيئية وتركتها سائبة في حين تعتبر هذه الصناعة من أكبر الملوثات للبيئة، ولم يحدد القانون أي معيار عالمي معروف يراعي البيئة ويحافظ عليها، فهناك الأيزو14000 وهناك معايير أخرى غيره، كالمعيار الأوربي والأمريكي وفي كل دولة متقدمة يوجد معيار بيئي متبع، لذا من الواجب تحديد القانون الواجب إتباعه. كما ولم تحدد المسودة مسائل أخرى غاية بالأهمية أهمها مسألة السيادة الوطنية، حيث إن مفهوم السيادة الوطنية يتجلى باحترام قوانين البلد وصيانة مقدراته ومصالحه العليا وصيانة حقوق الأفراد والجماعات ومنها حماية البيئة والحفاظ على ممتلكات الدولة والناس والجماعات والمحافظة على ثرواته من قبل أي كيان يعيش على أرض الوطن، أضف إلى ذلك أن السيادة الوطنية تعني التقليل من الاعتماد على الغير من خلال تطوير القوى العاملة والوصول بها إلى المستويات العالمية، وكذلك توفير الخدمات لجميع القطاعات الاقتصادية في البلد، ولابد لهذه السيادة أن تتجلى بجميع العقود التي تبرم مع الشركات الأجنبية التي تعمل في العراق، وكذلك العمل داخليا على تحقيق باقي شروط السيادة الوطنية التي تحدثنا عنها.
خلاصة القول إن القانون يجب أن يعطي حيز لقوانين البلد ومدى تمسك المستثمر بها، وهي التي تعني بالنهاية احترام المستثمر الأجنبي للسيادة الوطنية، مثال على ذلك ضرورة التزام المستثمر بقانون العمل وتطبيقه على هذه الشركات، وقانون حماية البيئة كما أسلفنا، أو تعديلاته أو الإضافة عليه مستقبلا، وقوانين السلامة العامة والصناعية التي لا ذكر لها على الإطلاق في مسودة القانون، ويجب أن ينظم القانون ضوابط وشروط استخدام البنى التحتية للبلد من قبل المستثمر ومسؤولياته اتجاه هذه البنى، لا مجرد المرور عليها مرور الكرام عند قراءة المسودة، ويجب أن يتضمن القانون تطوير القوى البشرية العراقية والارتقاء بها، ونسبة المشاركة من قبل العراقيين في هذه الشركات في المستويات المختلفة من العمل، وينظم استقدام عمالة أجنبية تعمل في مشاريع المستثمر الأجنبي، ومسؤوليات هذه الشركات أمام القانون بالحفاظ على حقوق الأفراد وأنظمة التعويض، ويجب أن ينظم العلاقة مع المحاكم في حال نشوب نزاعات بين الحكومة الاتحادية أو الإقليم أو الشركات الوطنية أو الأفراد سواء من أبناء الشعب أو الجماعات أو الأفراد العاملين لدى الشركة، والكثير من الاعتبارات التي يجب أن يتضمنها القانون والتي لم نرها في المسودة. كما وينبغي الأخذ بمبدأ توزيع الثروة العادل الذي يقتضي بأن تكون هذه المصافي موزعة في مناطق العراق المختلفة لا أن تقتصر على المناطق المنتجة للنفط، لأنها غير منصفة للأقاليم التي لا تنتج النفط حاليا، لذا من الضروري أن تتحكم الوزارة بتوزيع هذه المصافي في العراق بالكامل بحيث يستطيع أبناء المناطق المختلفة الاستفادة من فرص العمل التي تطرحها هذه الشركات وبالتالي يكون توزيع الثروة في البلد أكثر عدالة.
للقارئ أن يعرف حقيقة واحدة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أن أي شركة أمريكية ترغب اليوم بالحصول على تصريح لإقامة مصفى للنفط في أمريكا فإن الإجراءات على بساطتها لعدم وجود البيروقراطية التي نعرفها في بلداننا، فإن الشركة عليها أن تناضل لمدة لا تقل عن خمسة سنوات لكي تحصل على التصريح، وفي النهاية تجد أن الشروط التي وضعت عليها لم تبقي لها شيئا من الأرباح التي تنتظرها.
وأخيرا أود التذكير بأن القانون لم يلزم وزارة النفط بأن تضع نموذج لعقد بين هذه الشركات والحكومة يكون محكم من الناحية القانونية بحيث يلزم الشركات بشروط التعاقد ولا يسمح لها بالتلاعب بحق العراق والعراقيين بأي حال، خصوصا وإن الشركات التي تستطيع أن تقيم مصافي نفطية لابد أن تكون تابعة لدول غنية جدا مثل أمريكا وبريطانيا لأن هذه الصناعة مكلفة جدا ولا يقبل عليها أي مستثمر مهما كانت درجة الغنى التي يتمتع بها، لأنها أيضا تطلب دعم دولها القوية في العادة كونها تعمل خارج حدود البلد.