الرئيسية » مقالات » وحدة موقف أهل الدار أولاً أم وحدة موقف دول الجوار ؟!

وحدة موقف أهل الدار أولاً أم وحدة موقف دول الجوار ؟!

تعود بنا الأحداث في ايامنا الحالية إلى تلك الطروحات التي سبقت التغيير في 9 نيسان / ابريل 2007، ولم يتخلص منها الكثيير من السياسين العراقيين للأسف الشديد، رغم عدم نجاعتها عملياً، فبعد أربعة سنوات من تبديل سلطة القمع والقتل والإستبداد والتهجير المنظم، نعيش في ظل سلطة الفوضى الخلاّقة التي أسست لها ونشرتها الولايات المتحدة الأمريكية بالإرتباط والإنطلاق من مشروعها في المنطقة بشكل عام، وهي المقصودة كانت بالعامل الدولي الذي دعى إليه البعض الكثير وليس البعض القليل، ذلك المشروع الذي غابت خطورته عن الكثير من القوى التي ركزت على ضرورة إزاحة نظام صدام أو مجرد صدام من دون الحديث بشكل جدي وفي إطار برنامجي وبآليات عمل محددة ماذا ستعمل هي وما هو دورها و… و… ؟!!! وتتوالى الأسئلة بهذا الإتجاه ….
وكأن الهّمْ العراقي هو إزاحة ذلك النظام المقيت والحصول على موقع بعد التغيير وليس الخلاص منه ومن آلياته وإجراءاته وبالتالي بناء دولة تحترم إرادة الشعب وتلبي حاجاته وخصوصاً حاجته للأمن والخدمات الأساسية التي توفرها أفقر بلدان العالم، وفي ذات الوقت جري الحديث ولا يزال يجري عن رفض المشروع الأمريكي من منطلق الحفاظ على النظام الدكتاتوري دون النظر إلى حجم مأساة أبناء الشعب جراء سياساته الخرقاء وعظمة ما أنزله بالوطن من البلاء.
وفي ضوء ذلك يجري وصف السجال العسكري بما فيه من إرهاب وأعمال دموية ومداهمات عشوائية وقصف وإعتقالات وتهجير قسري بأنه صراع طائفي وتدخل أٌقليمي، من دون النظر لحقيقة الهّم وطبيعة هذا الهّم الذي تضاعف ويتضاعف جراء الإبتعاد عن مصالح الشعب والوطن، وما يدلل على ذلك هو إستمرار عملية غياب وتغيب المشروع الوطني الذي يتجسد في تحقيق الخلاص النهائي من الدكتاتورية وتوفير الإمكانية لإعادة بناء البلد عن طريق مشاركة جماعية لكل الرافضين للدكتاتورية والجادين في تصفية أثارها من حروب وإعدامات وسجون وتعذيب ومنع الحريات وحرمان من الحقوق وأبعاد للكفاءات وتمييز طائفي أو قومي أو حزبي أو مناطقي .
وفي هذا السياق نحن لا نشك في توفر الإمكانيات المالية، ولا نريد أن نخلق سجالاً حول موضوع الوطنية وتوزيع صكوكها، ولكن نقول، إن ما يجري بالعراق اليوم هو نتاج لطبيعة المشروع الأمريكي البعيد عن مصالح شعب العراق أولاً وأخيراً، علماً إن إزاحة النظام السابق كانت مدخل المشروع، بدليل معاناة شعبنا مضت عليها أكثر من ثلاث عقود والولايات المتحدة الأمريكية لم تحرك ساكناً، وبمشروعها الجاري لم تعتمد على القوى العراقية بل وضعتها خلفها في التخطيط والتنفيذ ولا تزال تعمل في أكثر من المجالات بهذه الطريقة .
كما إن هذه النتائج التي نحن نعيشها الآن، هي نتاج لتجاوز عملية عقد المؤتمر الوطني العام في بادئ الأمر، لا بل جرى تجاهل مثل تلك الدعوات والإجرار وراء الغطرسة الأمريكية، علماً أن عامل الزمن له أهمية قصوى في العلاج، بدليل لم تنفع محاولات لجنة الـ 99 وعقد مؤتمر الـ 1000 عضو، لآنها متأخرة من جهة وغير شاملة ولم تبدأ من القواعد الشعبية، ولم ينفع الحديث عن نقل السيادة آنذاك حيث كان الأمر شكليا، ولا الذهاب حد تشكيل حكومة إنتقالية، كما ولم تنفع حتى الإنتخابات بدليل خرجت عن نتائجها القوى الفائزة وغير الفائزة بالمقاعد ولم تعمل في ضوئها، وفي أخر المطاف جرى طرح موضوع ” المصالحة الوطنية ” وعقدت مؤتمرات لذلك الغرض وليس مؤتمر واحد، ونقول بأن كل ذلك لم يف بالغرض، وبذات لم يكن هو العلاج المطلوب.
إننا إذ نركز على ضرورة المؤتمر الوطني العام أولاً، إنما نتوخى تحقيق موقف الحد الأدنى، الجامع للطاقات والفاعل بإتجاه إعادة سيادة البلاد وحفظ كرامة العباد، وبذات الوقت ضمان مصالح أبناء العراق على وجه الخصوص قبل تطمين مصالح دول الجوار أو الدول الأخرى، كما ندرك كامل الإدراك إهمية المؤتمرات الدولية والإقليمية، ولكنها ليست قبل المؤتمر الوطني، ليست قبل برنامج عمل وطني يضع كل القوى أمام المسؤولية التأريخية بكل وضوح، ويتم الفرز ويتحقق الإصطفاف الذي في ضوء ذلك بين القوى التي تستخدم العنف من أجل العنف وتمارس الإعمال الدموية وبين القوى التي تعمل على تحقيق ما تم الإتفاق عليه بوسائل متعددة بدأ بالسلمية وإنتهاء بالمسلحة.
وفي ذات الوقت ننطلق من حقيقة عملية بأن الشعوب وقواها الموحدة هي أساس عملية بناء أوطانها وحمايتها، والدعم الدولي هو مساعد وغير مقرر، وفي حالة حصول العكس فالعلة في ضعف القوى الوطنية وبالتالي ضعف موقفها، فهذا لا يبح للعامل الدولي أن يكون مقرراً للأمور كبديل عن العامل الوطني، وبذلك لن تبنى الأوطان أو تتم حمايتها بل تعيش حالة من السجالات العسكرية او السياسية من دون جدوى.
وهنا نتسائل حول الإرهاب والأعمال الدموية التي يجري رمي تبعاتها على دول الجوار، إليست لها قواعد داخل العراق وعناصر عراقية فاعلة وأساسية؟! أم إن الوافد يعرف كل شيء ويلبس طاقية إخفاء وبالتالي يعفل ما يشاء؟! جواب الأول بنعم والثاني بلا، وعكس ذلك كما نعتقد هو محض هراء.
فبسبب عدم الوصول إلى برنامج عمل جدي ويقوم على تحديد آليات العمل وطبيعة المسؤوليات، تغدو المؤتمرات الدولية والإقليمية، في أحسن الأحوال، عبارة عن مضيعة للجهد والوقت والمال، إذا لم نقول تعقيد الأوضاع من خلال خلق مشكلات جديد وعدم حل المشكلة التي إنعقد المؤتمر من أجلها، حيث لدينا كم هائل من أوراق المؤتمرات واللقاءات التي عقدت في واشنطن وعمان والقاهرة وشرم الشيخ، وكان مؤتمر مكة المكرمة أخر المؤتمرات.
وبعد غداً في بغداد وسوف لن يكون الحال أفضل مما كان بسبب إستمرار نزعة البحث عن الحل الدولي على حساب الحل الوطني، نعم نحن بحاجة ماسة للدعم الدولي مهما كان ولكن ليس كيف ما كان، وهذا الكيف يتطلب جهد مثابر يصل إلى موقف موحد للعراقيين يتعامل مع دول الجوار وقوات الإحتلال ولا يكون أداة يبد أي طرف منها، وهناك فرق شاسع بين تلاقي المصالح وبين إن تكون أداة للتعبير عن مصالح الغير.
فقبل تلك المؤتمرات، وفي سنوات المعارضة، جرى الترويج بكل الطاقات بأن القضية العراقية أصبحت دولية، وان الشعب العراقي لا يتمكن من تحقيق الخلاص من نظام صدام، وهناك قرارات دولية بحق العراق منها القرار 688 الصادر في 5 نيسان / أبريل 1991، الذي حاول الكثيرين أفراد وأحزاب أضفاء القوة الإلزامية عليه من دون جدوى، وحصل التغيير في 9 نيسان / ابريل 2003 بقوة عسكرية من دون قرار دولي كما هو معروف، حيث أجاب الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة كوفي عنان، عن سؤال حول مشروعية تلك الحرب في 3 نيسان / أبرايل 2003 بالقول ( واضح أن هذه الحرب لم تقرها الأمم المتحدة. ولم يؤيد المجلس هذه الحرب، وأعتقد أن ذلك أمر واضح) .
ورغم خيّبت الأمل لا بل الخيّبات المتكررة، لم يتجاوز السياسيين العراقيين من مختلف الأطراف حالة الإعتماد على العامل الدولي إلى درجة تسويغ التدخل العسكري الأمريكي البريطاني، الذي كان واضح لنا قبل بدأ العمليات بأن القادم هو إحتلال من دون شك في ضوء ميثاق الأمم ومبادئ القانون الدولي، ولذلك فإن الأمنيات الطيبة والأمال العريضة التي يطلقها العديد من السياسيين من مختلف الأطياف حول المؤتمر الدولي لن يخفف من قسوة وإستمرار أسباب المأساة، ولا بد من التأكيد على ضرورة إن يتحلى الأطراف المشاركة في مؤتمر بغداد بالشجاعة الكافية بإعتماد لغة الجوار وأخلاقيات الجوار التي تستلزم إحترام مصالح شعب العراق، الذي يعتبر من أحوج شعوب الأرض قاطبة للسلام والأمان بعد عدة حروب وحصار وتسلط قسري وإستبداد وإحتلال.
إن تداعيات الأوضاع وإستمرار عقد المؤتمرات الدولية والإقليمية، ومنها مؤتمر بغداد، يجعلنا ندعو بكل إخلاص، إلى ضرورة عقد مؤتمر وطني عام، يعالج كل المشكلات من خلال عقد مؤتمرات المحافظات وقبلها مؤتمرات الأقضية وقبلها مؤتمرات النواحي، بالتتابع ومحافظة بعد أخرى، للإستفادة من التجربة العملية وتطويرها، والقيام بعملية إنتخاب الهيئات المحلية، في ظل حكومة وحدة وطنية تضم الكفاءات وليس ممثلي الأحزاب، تعمل من أجل سبيل حقوق الشعب في حياة حرة كريمة، لأن وحدة موقف أهل الدار تسبق موقف الجارفي كل الأحوال .

الحقوقي محمد عنوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *