الرئيسية » مقالات » يجب أن يبقى النفط بعيدا عن الصراعات السياسية والأطماع

يجب أن يبقى النفط بعيدا عن الصراعات السياسية والأطماع

أركز في هذا المقال على مسألتين فقد يتعلقان بهذا القانون الأولى هي وجوب توظيف السياسة من أجل النفط وليس النفط من أجل السياسة، أما الثانية هي أني أقاتل من أجل عدم منح عقود التطوير والإنتاج أو المشاركة بالإنتاج أو أي عقد كان للقطاع الخاص أو الأجنبي عدا عقود الخدمة أو عقود البناء مقابل مبالغ مالية محددة، بهذا أتجاوز على الضعف العام في بنود القانون والتي تكرس الفساد بأبعاده الكاملة وتجعل منه شرعة في العهد الجديد وتجعل من ثروة العراق نهبا لكل طامع. على سبيل المثال وليس الحصر أخذ مثالا واحدا فقط يوضح ما أرمي إليه، لنقرأ معا الفقرة ت من المادة37 في المسودة، “أي شخص يخرق قوانين جمهورية العراق الخاصة بمكافحة الفساد قد يحاكم حسب القانون الجنائي النافذ في العراق”، تصور عزيزي القارئ أن الشخص الذي يخرق القانون “”قد”” يحاكم حسب القانون! وقد لا يحاكم! ولم تحدد الفقرة من القانون وفق أي قانون يجب أن يحاكم المفسد أو الذي يخرق القانون!! ربما لا يحاكم قط!! ولم تحدد الفقرة أي نوع من الخرق وفي أي مجال من مجالات الحياة أو أي جانب من جوانب النشاطات في مجال النفط! أليس هذا هو المضحك المبكي!؟ أليس هذا هو العجب العجاب؟!
انتقد أحد التكنوقراط العراقيين سلسلة المقالات التي نشرتها حول القانون الجديد بقوله إن كتاباتك ذات طابع سياسي أكثر منها فني يتعلق بهذه الصناعة. في الحقيقة كان الرجل دقيقا بالتشخيص، لكنه يختلف معي حول حقيقة تمثل أمامي كلما كتبت في السياسة أو النفط وهي إن السياسة في العراق تفوح منها رائحة النفط وأي حديث عنه في جوانبه الفنية والاقتصادية دون الدخول في الملابسات السياسية يكون ناقصا، وحتى الحديث في السياسة، وفي أي جانب منها، إذا لم يكن النفط حاضرا، فإن الحديث يبقى ناقصا ولا معنى له في كثير من الأحيان.
هذا شأن العراق دائما، منذ أن اكتشف النفط فيه وحتى الساعة، حتى أن البعض يذهب بعيدا ليستنتج أن سبب مآسي العراقيين هو النفط، فلو لم يكن موجودا لكان العراقي سعيدا، لكنه على أي حال قدرنا المحتوم وعلينا التعامل معه لا الهروب من المآسي التي يتسبب بها، فهو أيضا مصدر سعادة وثراء، وفي الحالة العراقية نستطيع القول إن الثراء سيكون فاحشا فيما لو تعاملنا معه بثوابت وطنية يتفق عليها الجميع، لأنه ليس كباقي الأمور، فإما أن نتفق ونسعد به، أو نبقى تعساء إلى يوم يبعثون.
بمعنى يجب أن تكون السياسة في خدمة النفط……. ومن الأخطاء القاتلة هو أن يكون النفط في خدمة السياسة أو الأغراض والأطماع الشخصية أو الأطماع للكيانات الاجتماعية أو الكتل السياسية العراقية.
من الواضح جدا أن هناك خلافات شديدة بين الأطراف السياسية في العراق حول قانون النفط، ولم يخفي الساسة العراقيون هذه الخلافات، لأنها طفت على السطح بقوة، تتمحور هذه الخلافات حول عقود المشاركة بالإنتاج، والتي سميت في القانون بعقود التطوير الإنتاج تحاشيا لذكر المشاركة سيئة الصيت من قبل معدي القانون، وهذا يفضح حقيقة النوايا المبيتة من وراء هذه الصياغة لقانون النفط، أي أن التعتيم كان الغرض منه تحاشي إثارة ضجة حول القانون لأنهم يعرفون تماما أن هناك ما هو تجاوز على حقوق الشعب العراقي بكل أطيافه. ولو لم يكن الأمر كذلك لتم طرح القانون على الشعب قبل إقراره من قبل البرلمان لمناقشته وإبداء الرأي وفي النهاية سيكون هناك تصويت من ممثلي الشعب في البرلمان وهم الذين سيقررون قبوله كلا أو جزءا. ليس هنا ما أردت أن أقول، إن هذه الصراعات تفضح حقيقة واحدة ظاهرة للعيان أن هناك جهات في العملية السياسية تريد الحصول على حقوق من هذا النفط أكثر من الآخرين، وفي حال رفضت مطالبهم الغير مشروعة فإن التهديد كان واضحا بهدف الابتزاز.
كل هذه الأمور تعني إدخال السياسة والنزعات الطائفية والعرقية وكل أنواع الخبث الذي يطفوا على السطح في العراق بموضوع النفط، الثروة الوحيدة التي بقيت للعراقيين، فلو تصارعت القوى السياسية تقودها النزعات الشخصية والقومية والطائفية، فإننا سننتهي بكارثة عظمى أول ضحاياها هو النفط ومن ثم الوحدة الوطنية وأخيرا سوف لن يبقى هناك عراق، ولا حتى دويلات ولا تقسيم، بل كل شيء سوف يصبح هباء منثورا، لأن الأطماع الخارجية بالنفط العراقي أكبر من أن يكبح جماحها أحد.
الخلاف كبير حول التشريع الجديد الذي يمنح عقود للتطوير والإنتاج، والتي يسميها البعض عقود المشاركة بالإنتاج، وهي متنوعة لكن القاسم المشترك فيما بينها هو أنها تعني خصخصة مؤقتة للنفط تدوم فترات لا تقل عن عشين عام، وقد تصل إلى خمسين. كما وإنها تعطي الحق للمستثمر سواء كان أجنبي أو محلي الحق باسترجاع كلف التطوير في الفترة الأولى للإنتاج، بحيث يستقطع من قيمة النفط المستخرج لنفسه نسبة عالية جدا تتراوح ما بين70 و90% تسمى نفط الكلفة، يجب أن تنتهي هذه الفترة باسترجاع كامل المبالغ المصروفة على التطوير، ومن ثم يستأثر المستثمر بنسبة من النفط المستخرج قيل أنها تمثل20% في العقود العراقية الجديدة التي تنوي الدولة منحها للمستثمر، طبعا بعد أن تستقطع كلف الإنتاج سوف يأخذ المستثمر هذه النسبة، وهناك من يقول أن النسبة أكثر من ذلك بكثير، لكن لم يصرح أيا من المسؤولين عن هذه النسب وعلى أي أساس يتم منحها، وقد ترك موضوع تحديدها للمفاوض العراقي، لكن في الواقع إن أي نسبة يسمح بها المفاوض الجهبذ ستكون من صالح الشركة التي سوف تملك الامتياز، وهذا واضح من خلال ما أسلفنا.
التنوع في هذه العقود يشمل نسب نفط الكلفة ونسب ما بعد استرجاعها، وفترة استيفاء نفط الكلفة، حيث أنها يجب أن تكون محسوبة على أساس ما تم صرفه من مبالغ لتطوير الحقل، لكن الشركات أحيانا تطالب بفترات زمنية محددة تعتبرها نفط من بدء الإنتاج بغض النظر عن كلفة المشروع، قد تصل إلى سنتين، في حين في العراق يمكن استرجاعها خلال بضعة أشهر، ربما أقل من ثلاثة، وهناك أنواع منها لا تأخذ الشركات المنتجة نسبة من النفط المنتج بعد استرجاع نفط التكلفة، بل تأخذ فقط كلف الإنتاج، لكنها تحتكر شراء النفط المنتج، تأخذه بأسعار السوق أو بأسعار تفاضلية كما هو الحال في بعض العقود التي منحتها إيران خلال العقدين الأخيرين، صحيح أنها تعتبر أقل إجحافا لصاحب الحقل النفطي، لكنها ترهن النفط لفترات طويلة نسبيا بحيث لا تستطيع الدولة التصرف به، فضلا عن اعتبارات السيادة الوطنية، لأن الفكرة الأساسية من هذه العقود هي ضمان تدفق النفط إلى الدولة صاحبة العقد بأسعار السوق مهما كانت الظروف. التنوع بهذه العقود لا حصر له، فهناك نوع آخر من هذه العقود، حيث يتم تصنيع النفط والغاز المنتج حصريا من قبل الشركة المنتجة لفترة طويلة من الزمن، وتأخذ تلك الشركة المنتج على شكل مشتقات نفطية أو منتجات بتروكيمياوية مصنعة من الغاز. إن تنوع هذه العقود لا حصر له، كما أسلفت، لذا لا أجد ضرورة لمزيد من التوضيح لأن الموضوع سيكون مملا.
العديد من الدول منحت هذه العقود، منها ماليزيا، حيث يعتبر مهاتير محمد هو أول من تعامل بهذه العقود، والعراق سابقا عندما منحها للفرنسيين، وإيران وليبيا ومصر وسوريا، لكن ما يميز هذه العقود أنها تمنح لعدة أسباب، أهمها سياسية لغرض الحصول على دعم الدول الكبرى التي تعود لها الشركات المستثمرة، أو لأسباب فنية كأن تكون الحقول بحرية وصغيرة كما هو الحال في مصر، أو لعدم توفر الكادر النفطي وقت منحها كما هو الحال في ليبيا، أو أن تكون هذه الحقول معقدة جدا من الناحية الجيولوجية، أو لأسباب سياسية من نوع ثاني على شكل مقايضة مقابل الحصول على تكنولوجيا متطورة في مجال حيوي أو خرق عقوبات دولية كما هو الحال في العقود الإيرانية والعراق سابقا، وهكذا فإن منح هذه العقود له مبرراته الموضوعية لدى الدولة التي تمنح هذه العقود، لكن لم نسمع أيا من هذه الدول، ولا غيرها، قد منحت أفراد أو شركات لا شأن لها سوى أنها مرتبطة بكيان أو أفراد لهم نفوذ سياسي قوي في البلد، أي بلد كان، ذلك أن النفط شأنه كبير على الاقتصاد العالمي وله شأن أكبر على المستوى الداخلي، فهو سيكون مصدر صراعات داخلية غاية بالخطورة لو تم منحها بهذه الطريقة، لأن الصراع سوف يكون مدعوما بأموال بترولية طائلة وأطماع لا حدود لها. كذلك لم نسمع عن دولة منحت عقدا من هذا النوع لدولة مجاورة لغرض سياسي، فلو فتح المجال سيطالب كل من هب ودب بعقد للتطوير والإنتاج، لأن الأمر لا يحتاج إلا لعقد بسيط مع شركة ربما عالمية ومن ثم المطالبة بعقد أسوة بالسياسي المتنفذ، وهكذا سوف تطالب دول الجوار بعقود وحتى البنكلاديشي الوافد سوف يطالب بعقد لتطوير حقل صغير على قدر حجمه.
أما إذا اقتصر الأمر على نخبة من السياسيين وشركاتهم التي تعاقدوا معها بالباطن خارج العراق، فإن ذلك يعني إن المعارضة سوف تكون أوسع، وربما مسلحة، لعل السياسي المتنفذ يعتقد اليوم جازما أن هذا الأمر لن يحدث، لأن الآخرين يخشون التطاول عليه أو الوقوف بوجهه لأسباب يعرفها وحده، أنا من ناحيتي أستطيع الجزم أيضا أن جميع عائدات النفط التي سوف يحصل عليها، قد لا تكفي لشراء سلاح يصد به هجمات المعتدين الغاصبين لحقوقه المشروعة، وربما سوف يطلق أيضا على المعتدين صفة الإرهابيين والأوغاد وكل ما في القاموس العربي من أسماء مرادفة للرذيلة، وفي النتيجة سوف نخرج بمآسي لا حصر لها ولا يوجد من يسيطر عليها، ربما يحدث ذلك بانقلاب عسكري، حيث هو الأسلوب الوحيد الذي يبقى متاحا آن ذاك، وسوف يلقى الانقلاب العسكري تأييدا شعبيا منقطع النظير، ونعود في دوامة الانقلابات العسكرية والبيانات الأولى للثورات، وكلها تدعي العمل لصالح الشعب، في حين يسحق الشعب تحت أحذية الجنود الأشاوس حماة الثورة، أو الثورات، وسوف نحتاج إلى مزيد من السجون المتطورة جدا وفق أعلى المقاييس العالمية للسجون، بحيث لو دخلها متمرد إرهابي من عامة الشعب، الرعاع، سوف لن يجد طريقا للخروج إلا نحو القبر، وربما يكون القبر جماعيا.
أما لو اتفق الجميع على مفردات وطنية ثابتة حول النفط لا يتجاوزها أحد، بلا أدنى شك سيكون الأمر مختلفا تماما، أهمها وضع السياسة بعيد عن النفط تماما، وبظل نظام ديمقراطي تعددي وشفافية عالية، يستطيع العراق إنتاج بسهولة تامة عشرة ملايين برميل من النفط، ربما لا يبيع منها سوى ثلاثة أو أربعة ملايين على شكل نفط خام، والباقي يصنع بداخل البلد، وهكذا يستطيع العرق أن يحصل على عائدات مالية من العملة الصعبة قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات. وربما يكون العائد للفرد الواحد هو أعلى في العالم. نعم يمكن أن يصل العراقي لهذه الحالة، لكن لو أتفق الجميع على ثوابت وطنية حول الصناعة النفطية وأبعدناه عن النوازع السياسية والأطماع الشخصية وأن لا يكون سلاحا بالمعركة أو أن يكون ملكا للأمة العربية المجيدة أو سلاحا لتحقيق أهداف قومية أخرى ذات طابع سياسي.
بالرغم من علمانيتي المعروفة للجميع، أتذكر دائما الآية الكريمة “إنا أهديناك النجدين فإما شاكرا وإما كفورا” وأعتقد أنها من أجمل آيات القرآن الكريم وأبلغها بما يتعلق بالحالة العراقية، يكفي أن لنا بصدام حسين عبرة، فقد استأثر بالسلطة والنفط وملأ الخزائن بالأموال لكنه ملئ الأرض أيضا بالسجون، وجعل على كل عراقي ألف رقيب وصنع ما يقرب من مليوني طن سلاح وعتاد تضاهي الاحتياطي الأمريكي من السلاح التقليدي وتفوق بعدة مرات مخوزنات السلاح التقليدي لعدة دول عظمى، كفرنسا أو بريطانيا، واشترى جميع مرتزقة الإعلام العربي والعالمي بأموال طائلة، ولا أدري ما الذي لا تعرفوه عن صدام حسين! لكن في النتيجة انتهى به الأمر كما تعرفون أيضا، وانتهى معه العراقي إلى هذه الحالة المزرية. في حين يعيش الياباني على جزر خاوية من أية ثروة، ليس فيها إلا الأمطار والزلازل والبراكين، نراه يجلس على كنوز قارون من الثروة والرفاهية لأنه يملك سلاح واحد فقط، وهو أن نظامه الذي يحترمه الجميع “ديمقراطي”. أما بدو الجزيرة العربية فإنهم يتطاولن اليوم بالبنيان مع العالم المتحضر ويسكنون القصور الفخمة ويركبون أفخم السيارات ويكنزون الملايين في البنوك، ويدرسون بأحسن الجامعات العالمية ويتطببون بأرقى المستشفيات في العالم، ومضمونين اجتماعيا لعدة أجيال قادمة، أقصد بحديثي هنا العامة من الناس، وليس علية القوم، كل ذلك وأكثر لأنهم لم يدخلوا النفط بالسياسة واتفق الجميع على أنه الثروة الوطنية التي منحها لهم الله وما عليهم إلا أن يشكروا نعمته ولا يكفرا بها، بعيدا عنه يستطيعون أن يفعلوا ما شاء لهم أن يفعلون، حتى الموبقات، أي إن السياسة في بلدانهم لا تفوح منه رائحة النفط كما هو الحال في العراق، لذا فهم سعداء، بل في منتهى السعادة. هذه تجربتي الشخصية بعد أن عشت بينهم حوالي ربع قرن.
لذا من الضروري جدا إبعاد الصراعات السياسية ومناوراتها والأطماع الشخصية أو النزاعات العرقية أو الطائفية عن موضوع النفط، بالرغم من إني أتحدث سياسة وأحلل على أسس سياسية. بمعنى يجب أن تكون السياسة في خدمة النفط، ولسي النفط في خدمة السياسة.
ولنا في الحلقة القادمة من المقال حديث عن إشكاليات عقود التطوير والإنتاج كما يسميها التشريع الجديد، لأن اسمها الحقيقي هو عقود المشاركة بالإنتاج التي تحدثنا باختصار شديد في هذه الحلقة.

2007-03-05

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *