الرئيسية » مقالات » 8 آذار ولغز حقوق المرأة !

8 آذار ولغز حقوق المرأة !

فيما يجري الصراع مريراً وتذهب دونه ارواح ومصائر، يتساءل كثيرون، ماذا تعني حقوق المرأة ؟ ولماذا تؤدي الى كل هذه الصراعات الحادة، ولماذا تجيش فيها جيوش معلنة واخرى سرية، وطوابير لايمكن حصرها ولاتعرف حدوداً، وفي خضم صراع شائك مستمر وجهود محمومة لحرف وجعل الأسئلة تتركّز على : اي جنس افضل وايهما اقوى ؟ ومن يعود لمن ؟ في زمان اثبت ويثبت ان لا الرجل لوحده قادر على مواجهة الحياة والمجتمع والطبيعة، ديمومة البشر، والفكر والعاطفة . . ولا المرأة لوحدها قادرة على مواجهة تلك المهام والتحديات . انهما طرفان في كيان واحد، كلٌّ منهما يحمل جوانب من القوة وجوانب من الضعف، وكلٌّ منهما يجد ضالّته ومكمله في الآخر .
في وقت اثبتت فيه عصور طويلة من الصراع الأبدي بين الخير والشر وبين الأستبداد والحرية، ان لاحرية ولاتقدماً ولا ثورة اجتماعية تحققت، دون ان تكون المرأة احد ابرز طلائعها، ودون ان تكون قضية تحررها وحقوقها احدى اهم جبهاتها . من ثورة عبيد روما وظهور الأنبياء والرسل . . الى الثورة الفرنسية وكومونة باريس والثورة الصناعية وثورة اكتوبر وحتى اليوم .
وفيما يصف علماء التأريخ الرسالة المحمدية بكونها كانت ثورة ضد الرق والعبودية ( او استطاعت ان تحقق جزءاً منها )، وانها اعادت بناء مجتمع الجزيرة العربية العبودي البدوي، فأنهم يصفوها بسعيها الى محاولة تحرير المرأة هناك ككائن مستعبد وكجزء من نظام الرق العبودي البدوي الذي اعتبرها حاجة من حاجات الرجل تباع وتشترى وتورث. الأمر الذي ادى الى مشاركة النساء بحماس في تلك الدعوة من جهة . .
ومن جهة اخرى ادىّ ذلك الى اهتزاز المجتمع بعنف هناك حين شعر القسم الأغنى من المسلمين الأوائل ومن ذوي النفوذ بينهم بانهم خسروا امتيازات هامة لهم . فبعد ان خسروا امتيازاتهم على النساء التي كانت (اي الأمتيازات) تعني خسارة اموالٍ من الأموال الموروثة لهم، التي خسروا منها اكثر حين صارت النساء هناك شريكات لهم ايضاً بما تبقى من الأموال الموروثة، ثم خسروا مرة ثالثة حين وضع الدين الجديد مفاهيم وقيماً جديدة اعتبرت فيها المرأة متحررة (معتوقة) من الرق والأسر . . بعد ان كان العتق غير ممكن بدون دفع اموال لمالكي الرقيق ـ الذين صار قسم منهم مسلمين ذوي نفوذ ـ .
وفيما اغاظ ذلك الكثير من اغنياء مكة ومحافظي الرجال رغم اسلامهم، واضاف قلقاً جديداً لهم وخوفاً من ان يمتد ذلك الى مطالبتهن بالأشتراك في الغزوات الذي سيمكنهن من اكتساب حقوق مشروعة في الغنائم، الأمر الذي ان حصل لن يسهل الألتفاف عليه وفق اعراف ذلك الزمان. فأنه اسس لصراعات اخذت تستمر وتتسع حدة ومساحة وتعقيداً الى يومنا . . ظاهرها ديني (اخلاقي) حماسي، وباطنها سلطوي ، مالي، مصلحي، إثني، عرقي وقومي . .
وبما ان قضية المرأة ـ أماً، اختاً، زوجة، ابنة . . ـ تمس (تعني) جميع الرجال وبالتالي تمس الخلية الأساسية في المجتمع اي العائلة، فقد حيكت لها صياغات وممتنعات في العالم الأسلامي، من مرجعيات متنوعة دينية ولادينية، تدرجت من تفاسير متنوعة لمفاهيم (الطهارة) ولـ (السفيه والسفاهة) وغيرها واخذت تبتعد بها عن المبادئ الأساسية الأولى للأسلام بصفته فلسفة انسانية ورؤية حضارية متفتحة . . وتسعى سعياً لايعرف الرحمة الى تحويلها الى مؤسسة مغلقة صماء لاتذكّر الاّ بمحاكم التفتيش المسيحية المستبدة في اسبانيا في القرون الوسيطة .
وفيما تدور نقاشات حامية ونشاطات واعمال واعمال مضادة، وريادات تواجه بالعنف والبتر والطغيان والتحريم، حول حرية المرأة ومفاهيم ومحتوى وماهية مساواة الجنسين، وجد غلاة المستغلين والمحافظين والتكفيريين وقوى الأسلام السياسي والطائفي ومؤسساتهم الأقتصادية، القانونية، العسكرية والعنفية الميليشياتية، المدرسية والثقافية . . وجدوا في قضية المرأة التي تهم كل خلية من خلايا المجتمع وكل رجل فيه وبالتالي كلّ المجتمع، وجدوا فيها ضالّة فريدة لتحريك السيوف والحقد والفتن واشعال الأرهاب وبالتالي سكّ الطريق الى الصراعات والحروب بمفاهيم وقيم ورايات ماضية تتباهى بعظمة الماضي وتردده شعراً واغاني ومقامات، قتلاً وفتكاً وانتهاك اعراض . . في محاولة يائسة للعودة بالمجتمع الى ماضٍ لن يعود.
محاولة تدمّر باسم القداسة و(الشرف) ما تحقق ومايوعد بالتحقق، وتدمّر كل جهد لتحرر وتقدم المجتمع وكل جهد للتنوير سواء كان حركة، حزباً، فعالية، اجتماعاً، اشخاصاً، جريدة، كتاباً، فناً، موقعاً الكترونياًً واذاعة . . وتصرف الأنظار وتحشّد وتشوش باسم المقدّس لتمنع تفتّح حياتنا وتفاعلها مع مسيرة البشر الحية وتوسع وتعمق مفاهيمها الأنسانية، من اجل تحقيق ذاتنا وكياننا الحديث، بمفاهيمنا وتراثنا الحضاري الثري، محاولة منع مواكبتنا لتطورات العصر الضرورية لتحقيق مواجهة فاعلة لتحدياته ولمواجهة آليات القهر والأستغلال الأجتماعي الجديدة .
من ناحية اخرى، وفيما ينطلق القسم في قضية حقوق المرأة من منطلق العطف من فوق والأحسان، او من منطلق ابوي او عاطفي وجمالي . . تنبه اعداد متزايدة من المفكرين، السياسيين، العلماء والأقتصاديين وعموم المبدعين رجالاً ونساءاً اضافة الى عديد من الهيئات والمنظمات الدولية والأقليمية والوطنية الى . .
اننا ومع مطلع الألفية الثالثة وتزايد تعقّد الحياة ومفاهيمها وحاجاتها وتعاظم دور النساء في المجتمعات، وفي ظروف نسب كبيرة للأمية والتخلف ـ بمقاييس هيئات الأمم المتحدة ـ في مناطق العالم النامي والفقير ومناطق الأزمات والحروب، التي تؤدي الى تزايد محافظة اوساط نسائية واسعة بسبب الأنتهاك، الخوف الأجتماعي، الأرهاب والقمع والسجون والأختطاف والتعذيب، الفقر والعوز المؤديان الى الدعارة والتحلل، ومخاطر عصابات ومافيات الرقيق الأبيض والجنس * والمخدرات . . علينا التأكيد على ان حقوق المرأة وبعيدا عن الضياع والتشوش تتلخص بـ : التساوي مع الرجل كأنسان، في الحقوق الأقتصادية، السياسية، الثقافية، الأجتماعية وامام القانون .
وتنبه الى ان اللغز يتلخص في ان ” حقوق المرأة ” والصراع حولها، بمداها وحجم تأثيرها وشموليتها الأجتماعية، جعلها قضية سياسية مصيرية ووطنية كبرى لابد وان تكون في صلب نشاطات قوى التحرر والديمقراطية، حيث لم تعد قضية اجتماعية عامة او اسيرة رغبة او هوى . . بعد ان صارت الحصن المقدّس و(المعصوم) لأنطلاق انواع الفضاعات التي تستهدف قوى التمدن والتحضّر والديمقراطية والتقدم، تفاعلت فيه وحدة وصراعات قوى الرأسمال العالمي، في ظروف العولمة وتساقط العديد من الحدود القانونية، وصارت وسيلة للقوى المحافظة المتنوعة التي تعمل على منع التقدم او تشويهه، سواءاً بمواجهته او بالمراوحة امامه من جهة، حاملة مواقفها المتحجرة فيها، راية لمنطلق خطير لتجميع قوى الردة في عالمنا وفي منطقتنا بالذات لتكريس تخلفها، من جهة اخرى .


9 / 3 / 2007 ، مهند البراك

* تشير تقارير الأمم المتحدة والصحة العالمية والدوريات الأقتصادية ودوريات الجريمة . . ان حجم مردودات اسواق الجنس والرقيق الأبيض ينافس حجم وادوار اسواق النفط في النشاط الأقتصادي الدولي الأسود والأبيض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *