الرئيسية » مقالات » واذا حكمتم فاعدلوا بالتوازن بين الانتماءين

واذا حكمتم فاعدلوا بالتوازن بين الانتماءين

نشرت صحيفة الشرق الأوسط في عددها الصادر بتاريخ 6 – 3 – 2007 البيان المذاع عن جلسة مجلس الوزراء السعودي وجاء فيه التأكيد التالي على لسان خادم الحرمين الشريفين الذي ترأس الجلسة : ” العمل من أجل ترابط الوطن العربي وترسيخ الهوية العربية لجميع أبنائه بصرف النظر عن العرق والدين والمذهب ” .
قبل الشروع في مناقشة الجوانب الجوهرية من موضوع عائم مازال قيد البحث منذ عقود يهم جميع سكان البلدان العربية وأقوامها في المشرق والمغرب بما في ذلك العلاقة بين الوطني العام والقومي الخاص وما تستتبع ذلك من حقوق وواجبات أود الاشارة الى أن مناقشة ما نسب الى جلالة الملك عبدالله بن عبد العزيز من جانبنا نابعة من تقديرنا لدور الرجل العربي والاقليمي ومواقفه المعلنة المعروفة بالواقعية والاعتدال ودعواته المتواصلة الى تحقيق الأمن والاستقرار في بلدان المنطقة , ويهمنا هنا كمواطنين كرد ارتضينا العيش مع العرب نحمل رأيا آخر حول الموضوع المثار نرغب في اسماعه لجلالته عبر وسائل الاعلام عسى أن نحقق من ذلك الفائدة المرجوة نحو المزيد من التفاهم وتعزيز أواصر الصداقة والتعايش الأخوي بين شعوبنا .
لم يمنع كفاح حركة التحرر القومي العربية من أجل الاستقلال والوحدة منذ القرن التاسع عشر الاستعمار الأجنبي من تنفيذ خططه المرسومة للمنطقة حسب مصالحه الاستراتيجية والتي تناقضت كليا مع مطامح وتطلعات العرب والمثال الأبرز استيطان فلسطين وسلخ لواء الاسكندرون واجراء التقسيمات العشوائية أو الملغومة عند رسم الحدود وضم المناطق أو اقتطاعها ليس ذلك فحسب بل اقتضت الارادة الاستعمارية بترك الكثير من الأمور عالقة وقابلة للاشتعال في كل وقت والمثال الأبرز طرق التعاطي مع الأقوام غير العربية وخاصة الكرد وترك مصائرها للأقدار منذ أن قسمت اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 أوصال كردستان التاريخية أو موطن الكرد ووزعت الشعب الكردي المغلوب على أمره على أربعة كيانات قومية غير كردية دون وضع أية ضمانات دستورية وقانونية لوجوده وحقوقه ومستقبله .
ومن المفارقة وقوع فصائل قومية عربية في مراحل لاحقة بفخ الخطط الاستعمارية خاصة بعد استلام بعضها للسلطة غالبا عن طريق الانقلابات العسكرية ففي حين كانت تنادي برفض التقسيمات والنتائج التي خلفها المستعمر وترفع شعارات الوحدة وتقرير المصير كانت ومازالت تجسد عمليا نهجه وسلوكه في كل ما يتعلق بالكرد والأقوام الأخرى أي المضي في تجاهل الحقيقة الكردية بجوانبها التاريخية والجغرافية والبشرية والحقوقية والتعامي عن رؤية المعاناة الانسانية لهذا الشعب من تجزئة وقمع وتنكيل وقبول ما رسمه المستعمر قبل حوالي قرن لمصير هذا الشعب والأنكى بل الأخطر في هذا المجال هو البحث عن أقصر الطرق للتخلص من الوجود الكردي عبر وسائل عسكرية وأسلحة محرمة دوليا كما حصل في حلبجة وعمليات الأنفال بالعراق أو بواسطة التهجير القسري وتغيير التركيب الديموغرافي والحرمان من حق المواطنة والتعريب كما يحصل في سورية .
كما تورطت أغلبية تلك الفصائل من موقع التعبير عن القومية العربية السائدة بتبني شعارات غير واقعية وانتهاج سلوك شوفيني اقصائي تجاه الأقوام غير العربية فقد اعتبر منظر حزب البعث العربي الاشتراكي الراحل ميشيل عفلق أن ” كل من يسكن الوطن العربي فهو عربي ” ” وكل من يتكلم العربية فهو عربي ” وقد اتخذت أقواله مداها في العديد من البلدان العربية وترسخت في عقول الملايين وتسببت في ظهور خطاب شوفيني استعلائي مازال يرن في الآذان ويلعلع في المنابر والفضائيات ويثير الفتن والانقسامات , والغريب أن من أطلق هذه النظرية المتأثرة بالمدرسة القومية النازية الألمانية كان يعلم علم اليقين أن هناك شعوب وقوميات بالملايين ومن السكان الأصليين في المنطقة شاءت أقدارهم أن يعيشوا مع العرب أو يتوزعوا بين بعض البلدان الحديثة وهم ليسوا بعرب لا تاريخا ولا لغة ولا ثقافة ولا تقاليد ولهم حضارتهم الخاصة في بعض البلدان القائمة الآن قبل الفتوحات الاسلامية – العربية , فهل غاب عن هؤلاء وجود حوالي سبعة ملايين كردي في العراق يقيمون في اقليم كردستان العراق الفدرالي وأكثر من مليونين ونصف مليون كردي في سورية يقيمون على أرض الآباء والأجداد قبل قيام الدولة السورية المعاصرة بقرون هذا ما عدا مئات آلاف الأكراد الموزعين في عدد من البلدان العربية مثل لبنان والأردن وفي مدن عربية مثل دمشق وبغداد وحلب ؟
قد يطيب لأي امرىء من أية قومية كان أن يكون عربيا وان اعتز الكردي والأمازيغي والجنوبي في السودان باصولهم وتاريخهم وقومياتهم فذلك لا ينتقص من مكانة أحد ولا يسيء للعرب اذا تكلم لغة الأم حتى لو لم يتكلم العربية .
يشارك ملايين الكرد العرب السوريين والعراقيين في شرف الانتماء الوطني وهكذا الحال بالنسبة لأمازيغ شمال افريقيا في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا والجنوبيين في السودان وهم في الوقت ذاته ينتمون الى قومياتهم الخاصة تاريخا ولغة وعرقا وحضارة وتعدد الانتماء القومي لا يتعارض مع وحدانية الانتماء الوطني والعلاقة يجب أن تكون متوازنة بين الجانبين في أطر فدرالية أو اوتونومية أو ادارية قومية تتفق عليها الأطراف بالتوافق والتراضي وتضمن في الدساتير والقوانين .
ينتظر الكرد من حكماء العرب وقادتهم ومفكريهم تفهم قضيتهم وازالة الغبن عن كاهلهم والاعتراف بهم وجودا وحقوقا وتهيئة الأرضية السليمة لاعادة اسس علاقات الصداقة بين الشعبين العربي والكردي وتعزيز قاعدة العيش المشترك وتمتين الانتماء الوطني عبر قبول الانتماء القومي لكل عناصر الوطن وما يترتب عليه من استحقاقات وطموحات مشروعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *