الرئيسية » شخصيات كوردية » مختارات من كتاب ( المرأة العراقية ) د. نزيهة الدليمي/1952… الزواج في العراق

مختارات من كتاب ( المرأة العراقية ) د. نزيهة الدليمي/1952… الزواج في العراق

أشارة : لقد اخترنا هذه المقالة من كتاب الدكتورة نزيهة الدليمي لأنها مازالت تحتفظ بحيويتها في جملة المشاكل التي مازالت تواجه المرأة العراقية رغم مرور خمسا وخمسين عاما على مؤلفها

سيستغرب البعض من أطلاقي صفة مشكلة على الزواج قائلا : هل أن الزواج في حد ذاته مشكلة ؟ أم أنها صفة أطلقت على الزواج في شكل محدود ؟وللجواب على ذلك أقول ,بأنّ الزواج في حد ذاته شيء طبيعي عرفته المخاليق بكل أصنافها وفصائلها وعرفه الأنسان بغريزته ,ولكن بتطور الأوضاع الأجتماعية تطورت نوعية الزواج من الزواج الأجتماعي الغريزي البحت الى الزواج الفردي السائد في أكثر المجتمعات المتحضرة ,وأما أنه مشكلة فلأنه أسيء استعماله في أكثر الأحيان واستعمل كأداة للأستعباد فكيف كان ذلك ؟

انني لا أريد في بحثي هذا شرح تفاصيل قوانين الزواج وأنظمته في مختلف الأديان والتشريعات منذ نشوء الحضارة فأكثرها تتفق على أساس بنيان كيان عائلي قويم يستند على المحبة والتفاهم والحقوق المتبادلة .. وتتفق على أن الزواج معاهدة بين رجل وأمرأة على الحياة معا وبناء عائلة سعيدة ,على أنّ هذه الشرائع تتباين في تفاصيل ذلك كلّ على طريقته في أثبات ما تقدّم .
والمفهوم بأنّ المشترط في المعاهدة مبدئيا هو تكافؤ الطرفين المتعاقدين ليصبح بذلك أساسا لنجاحها أما أذا كان الطرف الآخر غير حر ّفأنها تتخذ صفة الرق والأستغلال ..فالطرف الضعيف لايستطيع أملاء شروطه كالطرف القوي …أذن فالزواج اذا كان بين طرفين متكافئين من كل الوجوه فسيكتسب صفة ناجحة ويكون مجال الأستغلال أقل .

وعلى ضوء ماتقدم دعنا ننظر الى نوعية الزواج في العراق بل دعنا نتفحصه في كل الطبقات التي وصفت أوضاعها في الفصول السابقة ولنبدأ بطبقة الفلاّحين لنر بأنّ الزواج بصورته العملية خاليا من كل ما يعهد فيه من تكافؤ وتساو وانه صك للأستعباد أو قل صك لملكية الزوج لزوجته :لأن الزواج يتم بطريقة شكلية بحتة ـأي أن الفتاة ليس لها الحق في أبداء الرأي في قبول زوجها أو رفضه بالرغم أنها شكليا عليها أن تقول نعم أمام العاقد . أنها لاتتصور بل لايدور بخلدها بأن لها الحق أن تقول كلمتها في الزواج حتى هي تتصولر ذلك عارا لأنشدادها الى التقاليد والعادات العشائرية . أن رب الأسرة له مطلق الحرية في اختيار الزوج( اللائق بملكيتها ) ,وأحيانا تتعدىسيطرة رب الأسرة الى بنيه ليختار لهم الزوجات اللائقات بهم وليس لهم حق الرفض أوالأختيارالاّبصورة
نسبية .
فماهي قياسات رب الأسرة ؟ أنّ قياساته هي قياسات السوق
أي أنها لاتختلف عن قياسات عقود البيع والشراء , عقود التجارة , انه يختار الزوج أما لثروته وأمّا وأما يزوجها
كبدل لقتيل أو بدل أهانة نتيجة غزو أو سرقة أو نزاع .

وتتدنى هذه الشروط في أكثر الأحيان فيزوج الأب أبنته( يبيعها )ليسد بمهرها أزمته الأقتصادية أو ليزوج بمهرها أحد أبنائه ..
ولرئيس العشيرة حق التدخل في زواجات جميع أبنائها وبناتها
أذن فأي زواج هذا .. أليست هذه نخاسة!نعم فمهما صبغت بالأصباغ الشكلية التقليدية فهي النخاسة بعينها ..ففي أكثر الأحيان يبيع الفلاح بناته اللائي لايزلن أطفالا بعقود شكلية للمشتري في سني المحل والضيق الأقتصادي ,وقد تصل الفتاة الى سعر رديء جدا لايتعدى الخمسة دنانير أو أن الفلاح المسكين الذي يملك عدة أطفال لايستطيع أعالتهم يوزع بناته بعقود زواج شكلية على البيوتات المختلفة لكي يخدمن فيها مدى الحياة ويجري هذا بدون ثمن في أكثر الأحيان . أنّ العامل المهم في الزواج بين الفلاحين هو العامل الأقتصادي فالزواج يجري أولا وأخيرا لضمان سد رمق الفتاة التي لاتملك سوى جسمها وطاقتها .. اذن عليها أن تتحمل من الأهانات والأهمال والأحتقار والعمل المستمر لقاء لقمتها وستر جسمها .ان عارضت بشيء انهالت عليها اللكمات والرفسات وأن أبدت رأيها في شيء أخذ كلامها موضع الهزل والسخرية
,وأ ن ملها مالكها لطول أقامتها أو لضعفها أو لأصابتها بعاهة طلقها بثلاث كلمات ليبدلها بأخرى عندئذ يكون مصيرها الموت جوعا وعريا وحينها ستحاول البحث عن مالك جديد بنفس الشروط وان لم تجد لها زوجا يعطيها ماتسد به رمقها تضطر الى المتاجرة بجسمها وهكذا تتدنى وتفقد عفتهاوعزتها كأنسان والآن لم كانت المرأة هي الجانب الضعيف ؟ ولم كان الرجل هو المسيطر ! السبب واضح وهو أن الفلاح هو الذي يكسب الدريهمات التي تسد الرمق وما دور المرأة الاّدورا سلبيا .
أما الزواج في طبقة الأقطاعيين فلا يبت فيه الآّالشيخ الكبير أي رب الأسرة أو شيخ العشيرة بأجمعها ,فهو يتصرف بزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته وجميع قريباته وقد يتعداها الى الذكور أيضا ,انه يختار الأزواج والزوجات حسب العرف الذي يدين به والذي لايختلف في شيء عن قياسات السوق في البيع والشراء ..وتكون الأفضلية لزواج القريبات ممن تربطهن صلة القرابة من أبناء طبقتهن وتعتبر خطبة الفلاح لأبنة الأقطاعيين جريمة يستحق العقاب عليها . أنّ نساء هذه الطبقة مع ما أسبغ عليهن من الغنى والرفاه فأنهن لايمتلكن الحرية الشخصية ولا الكرامة الأنسانية لكي يبحن برأيهن في الزواج ’وعليهن الرضوخ التام في ذلك .. أما الشيخ نفسه فأن حالته المادية التي تساعده على امتلاك القصور والسيارات وتعددها تبيح له أيضا امتلاك عدد غير يسير من الزوجات .
فنظرا لعدم تحرر المرأة في هذه الطبقة تحررا اقتصاديا فانها لاتختلف بحال في مركزها الأجتماعي عن مركز الفلاحة وينظر اليها دائما نظرة الأستصغار والأحتقار فمثلا يخجل الزوج من ذكر زوجته امام الناس واذا ذكرها فيسبق ذلك بكلمة ( تكرم ) أي يقول لمخاطبيه تكرم عن ذكر هذه الحقيرة . أما مايسبغ عليها من حلي وملابس فذلك لتزيينها كسلعة تسر ناظر مالكها ليس الاّ ولو نظرنا الى الحلي نفسها لوجدنا فيها تعبيرا
واضحا للأستعباد فهي قيود من الماس والذهب والفضة يضعها في عنقها وفي رسغها وفي قدمها .
أذن فلحصول المرأة في هذه الطبقةعلى كرامتها وحريتها وحريتها الشخصية كأنسان وتجعل الزواج مبنيا على تكافؤ والأحترام المتبادل يجب ان تتحرر المرأة اقتصاديا أي انها تكون قادرة على كسب وسائل عيشها بكدها ولكنها لاتستطيع مازال الأقطاع موجودا فبزوال الأقطاع وبزوال استغلاله المتعدد الأنواع تستطيع النساء
المساهمة في الأنتاج والعمل لتتحرر من ربقة من يستغل عوزهن الى وسائل عيشهن .

لننتقل الى المدينة ولنتفحص أساليب الزواج في صفاتها على نفس الطريقة التي تفحصت الزواج بها في الريف العراقي . ولنبدأ بطبقة العمال وبقية الكادحين . ان أكثرية نساء هذه الطبقة لم يتحررن تحررا اقتصاديا أي أنهن لايزلن يعتمدن في معيشتهن على الآباء أو الأزواج أو بقية رجال العائلة .ولقد تخصصن بالعمل المنزلي وتربية الأطفال .نظرا لذلك فالزواج غير متكافيء أي أنه لايزال مبنيا على العبودية .فحاجة المرأة الى سد رمقها والى ستر جسمها بالملابس وحاجتها الى بقية وسائل المعيشة تضعها في وضع واطيء جدا بالنسبة الى الرجل الذي يستطيع كسب ما يسد رمقه بعمله . فاختصاص اكثرية نساء الطبقة هذه بالأعمال المنزلية وعدم اشتراكهن في الأعمال خارج المنزل جعلهن في منزلة مايمتلك(بضم الياء ) وليس في منزلة المنتج لذلك أصبح باب الأستغلال مفتوحا أمام الزوج ليستغل زوجته يمتهنها .تشتغل له طوال ساعات النهار بتلك الأعمال المنزلية الروتينية والتي تستغرق أوقاتا طويلة لعدم توفر الآلات المنزلية الحديثة ,وتربي الأبناء وتبذل الجهد لأسعاده ولكنه على الأغلب لايعاملها الاّ كشيء تافه وتتعرض لشتى صنوف الأذى ةوالأذلال أن اعترضت أو خالفت رأيا وقد يصل الحال الى الطلاق حيث تجرد من أمومتها ومن بيتها لتعود الى قارعة الطريق أو الى أسرتها التي ستكمل عليها بالنظرة الدونية باعتبارها مطلقة وتسقيها الذل بأعالتها . أما الزوج اذاكان من النوع الذي يمنع فيه الطلاق (شرعا ) فأنها تكون معرضة للأغتيال في كل لحظة ان هي انكرت على زوجها امرا او اعترضت على عمل قام به .


أمّا الأقليّة الباقية . أما العاملات أو الكادحات المتحررات اقتصاديا فمع ضآلة موردهن يكون لهن رأي في الزواج ويكون لهن رأي مسموع في البيت لأنهن غير محتاجات اقتصاديا الى رب العائلة وتكون معاملة الرجال لهن معاملة الند للند . وهذا المثال وأن كان صغيرا يدل على أقلية .الاّ أنّه برهان ساطع على أهمية تحرر المرأة اقتصاديا لكي تتحرر شخصيا ولتكسب كرامتها كأنسان . فكيف السبيل الى ذلك ؟ السبيل أن تشترك المرأة اشتراكا فعليا في الأنتاج الأجتماعي فتدخل جميع المعامل وتطرق جميع المهن . ولكن مهلا ! ألا ترى جموع العاطلين في كل باب معمل , وعلى أبواب كل المهن ,,, نعم السبيل الوحيد لخلاص المرأة وخلاص الرجل هو أيجاد العمل وكسب الرزق بشرف .

أما طبقة الأغنياء فدعنا نرى عرفها في الزواج ,بل دعنا نتعرف ماهو دورها في الزواج .
ان الزواج في هذه الطبقة يأخذ صفة الصفقة التجارية في أكثر الأحيان . فهناك فتيات وصلن سن الزواج .ليس لهن عمل سوى التزيين والظهور بأروع منظر ممكن وهناك شباب هذه الطبقة ونقودهم .كل مارغب أحدهم الزواج استعرض هؤلاء الفتيات واحدة فواحدة ,وقياساته في ذلك :ثروتها ,مركزها الأجتماعي أي مركز رب أسرتها الأجتماعي ,جمالها …الخ وتبدامفاوضات الصفقة مع والد الفتاة أو أقرب أقربائها وليس ما يجري مع الفتاة سوى استجواب بسيط عن مدى قبولها أو رفضها ولكن قولها ليس هو القول الفصل ولرب الأسرة القول الحاسم في قبول أو رفض الخاطب أو رفقه بشروط هي شروط السوق وهي مقدار ثروة الخاطب ومركزه وماعداذلك فليكن ما يكون سوء أخلاق ,لعب قمار ,تسرّي اليس في ثروته مايكفي للقيام بكل ذلك وتجري شكليات العقد وتنتقل الدمية المدللة الى بيت زوجها بزواق يسر الناظرين وحلي وتبقى المدللة في السنين الأولى وعندئذ يبهت جمالها ويختفي بريقها وتفقد جدتها وحينذاك سينصرف الزوج الى ماكان عليه من قمار وتسر ّ وخمرة وتفرغ حياتها فراغا تاما ,فشؤون البيت وتربية الأبناء موكولة بالخدم فتنصر ف هي أيضا الى وسائل اللهو والتسلية مكانة لاتحسد علها لم ينظر اليها كأنسان بل كسلعة انفقت عليها آلاف الدنانير لتظهر بالصورة البراقة التي سرعان ما ينطفيء وهجها . الاّ أن من الجدير بالأشارة الى أن قسما من فتيات الطبقة الغنية ومن فتيات الرجوازية الصغيرة اللواتي تثقفن ثقافة عالية وتحررن اقتصاديا هؤلاء النسوة أثبتن بأن لهن الرأي الفصل في زواجهن ويتمتعن بشخصيات متكافئة مع أزواجهن فأقمن عائلات ناجحة مستقرة .

وهناك نقطة أخرى يجب ذكرها وهي القيود الأجتماعية التي تمنع اختلاط الجنسين في الماضي وفي أكثر الأحيان في الحاضر ولما كانت الفتاة حديثة العهد بالأختلاط الذي يقتصر على جماعات محدودة فقد أدّى الى وقوع الفتيات في أخطاء في أختيارأزواجهن وبعد الزواج يثبت لهن عدم أمكانية الحياة معهم فأدى ذلك الى الأنفصال , وهذا لايعني عدم نجاح الزواجات الحديثة كما يدعي البعض بل بالعكس كلما ازدادت المرأة خبرة في اختيار الزوج كلما زادت نسبة الزيجات الناجحة ,وأن بقاء المرأة في بيت زوجها تتحمل الأهمال والأحتقار ماتتحمل لايعني نجاح الزواج .فالفتيات المتحررات اقتصاديا لايرضين بمثل هذه المعاملة التي تعود عليها بعض الرجال فيعمدن الى الأنفصال وهذه ظاهرة ليست ضارة في سبيل حصول المرأة على حق أبداء الرأي في الزوج أو الزواج .

الى العمل أيتها النساء لكي تكسبن حريتكن الأقتصادية ,وبذلك تستطعن ابداء الرأي الفصل في زواجكن وعيكن أن لاتتركن أعمالكن بعد الزواج , أما مايعترضكن من مشاكل عدم التوفيق بين العمل المنزلي والعمل الخارجي فأن لذلك حلول أخرى هي أن تطالبن المسؤولين بفتح دور الرضاعة التي توظف فيها أخصائيات ورياض الأطفال والمؤسسات التي تعتني بالأطفال وهذه أنما هي مطالب آنية أما ضمان العمل لكل النساء فهو ليس باليسير في مجتمعنا الحاضر لقلة الأعمال وكثرة البطالة لضمان ذلك هو القضاء على أسباب البطالة ولا أظن بأنّ سبب ذلك بخاف على أحد ألا وهو الأستعمار , فبالقضاء على الأستعمار يتطور أنتاج البلاد ويتوسع وتنمو الصناعة الوطنية وبذلك يفتح مجال العمل لأكثرية العاطلين … فلا حريّة للمرأة أيا كانت ,ولا حرية لرجل أيا كان في مجتمع مبني على الأستغلال …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *