الرئيسية » التاريخ » ( تركيا) ….. الى أين؟ (5)

( تركيا) ….. الى أين؟ (5)

مصطفى كمال أتاتورك و الكمالية

قبل التطرق الى أفكار أتاتورك و شعاراته، أرى أنه من المفيد تناول شخصية أتاتورك و الإطلاع على جانب من حياته الشخصية لتكوين صورة واضحة عن هذه الشخصية التركية التي أسست (تركيا) الحالية بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى و إنهيار هذه الإمبراطورية.

تذكر المصادر، بأنه من المرجح أن كمال أتاتورك كان إبناً غير شرعي و لم يكن من أصل تركي. يُقال بأن أمه “زبيدة” كانت متزوجة من “علي رضا أفندي” الذي كان كاتباً في في دائرة الأوقاف في مدينة “سلانيك” اليونانية. تقول الروايات بأن “زبيدة” في “لانكيا” الواقعة في أطراف “سلانيك”، حملتْ من أحد العمال الذي كان يعمل في مزرعة قريبها “حسين آغا” و أنجبت منه “كمال مصطفى أتاتورك” في سنة 1881 الميلادية. كان ذلك العامل “الأب الحقيقي لأتاتورك”، أشقراً و ذا عينين زرقاوين و أن جنسيته كانت مجهولة، إلا الروايات تذكر بأنه كان بلغارياً أو صربياً أو رومانيا. المُسنون من أهل “تساليا”، يذكرون رواية ثانية مختلفة عن والد أتاتورك. هذه الرواية تقول بأن “زبيدة” كانت تعمل في إحدى المواخير في “سلانيك” و هناك إلتقت بشاب مشهور، إسمه “أبدوش آغا” من مدينة “بني شهر”، فرافقته الى مدينته و هناك ولد أتاتورك منه. عندما بلغ مصطفى كمال الخامسة من عمره، مات والده، فرجعت “زبيدة” مع إبنها الى “سلانيك” و تزوجت هناك من حارس الكمرك، علي رضا “أصبح فيما بعد كاتباً في في دائرة الأوقاف، كما تم ذكره “. علي رضا لم يأنس للطفل غير الشرعي “كما أتاتورك” و كان لا يطيقه و أخيراً قام بمراجعة دوائر الأحوال المدنية في سلانيك و أسقط قيد الأبوة عن أتاتورك (راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 36 – 51). في إلتجائي الى المصادر (وهي مصادر تركية) التي تروي الحياة الشخصية لأتاتورك و أصله، لا أهدف الى الإساءة إليه أو النيل من سمعته، بل أريد تعريف القارئ بحياة أتاتورك لنتمكن من تحليل شخصيته و سلوكه و ممارساته بعد توليه الحكم بشكل صائب، حيث أن البيئة و الظروف التي يعيش خلالها الطفل لها دور رئيس في تكوين شخصية الإنسان و أفكاره و سلوكه طيلة فترة حياته.

نتيجة الحياة السيئة التى عاشها أتاتورك في طفولته، بعد أن أصبح بالغاً، بدأ بالإدمان على الكحول و أصبح سكيراً معربداً في حياته، و الذي إستمر معه هذا الإدمان الى أن قتله، حيث مات بمرض تصلب الكبد الناتج من الإدمان على الكحول وهو كان يبلغ من العمر سبعة و خمسين عاماً. تزوج أتاتورك مرة واحدة في حياته و دام زواجه لمدة سنة واحدة فقط. قضى عمره فاسقاً ملتهياً بملذاته و لاهثاً وراء النساء، حيث إغتصب نساء كثيرات. كان يزور مدارس البنات بإستمرار و يختار الفتيات الجميلات من الطالبات و يأخذهن عنوة من مدارسهن و يقضي معهن عدة ليالي، يقوم خلالها بإغتصابهن جنسياً، ثم يخلي سبيلهن. تبنّى عدة فتيات كبنات له، حيث لم ينجب في حياته أطفالاً، و في نفس الوقت كان يقوم بمضاجعتهن كما يعمل الأزواج مع زوجاتهم (راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 385 الى 406).

كان أتاتورك يبالغ كثيراً في عبادته لنفسه و كان شهوته للحكم شديدة و دكتاتوراً فرض على الشعب التركي تألي نفسه بحيث أن هناك قانون تركي ساري المفعول يُعاقب بموجبه كل شخص يتجرأ على إنتقاد أتاتورك و الفكر الكمالي . أوجد أتاتورك نظرية تدّعي أن أصل جميع الحضارات نابع من منبع تركي و أن الزمان و المكان بدءا مع ظهور الأتراك، حيث أنه لا توجد حياة أو مجتمع خارج الأتراك ((راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 343). “الكمالية” هي مصطلح ينتسب الى فكر و أرث و سياسات و ممارسات “مصطفى كمال أتاتورك” بعد إستلامه الحكم في (تركيا) بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى. منذ تسلم أتاتورك الحكم في (تركيا)، أصبحت الكمالية شعاراً و نهجاً و سلوكاً للمؤسسة التركية العسكرية و التي من أهم مبادئها هي العلمانية و تغريب المجتمع التركي و سيادة العنصر التركي و إلغاء القوميات الأخرى في البلاد.

في محاولته إبعاد الأتراك عن التقاليد الإسلامية و قطع صلتهم بها و تقليد الثفافات الغربية، ألغى أتاتورك الخلافة الإسلامية و السلطنة ليكون نهاية للخلافة الإسلامية و منع التدريس الديني في المدارس و أغلق التكايا التي كانت تحتل مكانة بارزة في حياة الأتراك في العهد العثماني. في إحدى المرات، عندما كان أتاتورك في فندق “بارك” و كان المؤذن يقرأ الأذان في المسجد الصغير الكائن أمام الفندق، إلتفت أتاتورك لمَن حوله قائلاً : مَن قال بأننا مشهورون؟ و ما شهرتنا نحن؟ إنظروا الى هذا الرجل (يقصد النبي محمد) كيف أنه وضع إسماً و شهرة بحيث أن إسمه يتكرر في كل لحظة و في جميع أنحاء العالم إذا أخذنا فرق الساعات بنظر الإعتبار… ليهدموا هذه المنارة!”. هكذا تم هدم المسجد المذكور بأمر من أتاتورك (راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 465 ). كما أنه إختار النظام العلماني للدولة، حيث قام بفصل الدين عن السياسة.

قام أتاتورك بتغيير الحروف العربية الى اللاتينية و الزي الشرقي الى الغربي، حيث منع لبس الطربوش في تركيا و عوّض عنه بالقبعة الغربية و كذلك منع الحجاب. كما أنه ألغى أعياد الفطر و الأضحى لعدة سنوات، إلا أن حكومة عصمت إينونو، الذي إستلم الحكم بعد وفاة أتاتورك، تراجعت عن هذا القرار نتيجة الضغوط الشعبية التي تعرضت لها. كما أن أتاتورك جعل يوم الأحد ليكون العطلة الرسمية الأسبوعية بدلاً من يوم الجمعة. منع إذاعة الموسيقى و الأغاني التركية و الشرقية و أصدر أوامره بأن تتم إذاعة الموسيقى و الأغاني الغربية فقط، إلا أنه بعد مرور سنوات على هذا المنع، سمح بإذاعة الموسيقى و الأغاني التركية في لحظة سُكرٍ، حيث كان ثملاً في مجلس شرابٍ في فندق “بارك”، فشعر بالحنين الى سماع الأغاني التركية القديمة، فإستدعى المطرب التركي المعروف “نورالدين سلجوق”، حيث طرب لأغانيه و يُقال أنه بدأ يجهش بالبكاء. أثناء جلسة السمر هذه أصدر أمره بالسماح للموسيقى و الأغاني التركية أن تُذاع من الإذاعات التركية من جديد.

اللغة التركية هي لغة ضيقة، تخلو من المفاهيم المجردة و أكثر مفرداتها مؤلفة من مقطع واحد قصير توازي و تعكس حياة البداوة التي كانت تعيشها و أزالت النقص الموجود في لغتها بالإستفادة من اللغة العربية و الفارسية (راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 342). المؤلف يتجاهل تأثير اللغة الكوردية على اللغة التركية، حيث هاجرت القبائل التركية من آسيا الوسطى و إستقرت في كوردستان و أرمينيا، لذلك نرى أن اللغة التركية تحوي الآلاف من الكلمات الكوردية). لهذا السبب، كان أتاتورك يجمع حوله لغويين و يعمل على تنقية اللغة التركية من المفردات الأجنبية، إلا أنه يبدو أنه أخفق في مسعاه، حيث أن المفردات الأجنبية، و خاصة العربية و الكوردية و الفارسية، لا تزال ُشكل نسبة كبيرة من مفردات اللغة التركية. أجريتُ تجربة بسيطة لتحديد نسب المفردات الأجنبية في اللغة التركية و ذلك بإختيار مائة كلمة تركية عشوائياً من قاموس تركي – إنجليزي. توصلتُ من خلال هذه الإحصائية أن الكلمات العربية تُشكل 26% من مفردات اللغة التركية و الكلمات الكوردية تؤلف 15% من المفردات التركية و أن 11% من الكلمات التركية هي من أصل إنجليزي (من اللغات التي تنتمي الى العائلة الألمانية “الجرمنية”) و أن 3% من المفردات التركية هي من أصل فارسي. هذا يعني أن المفردات الأجنبية تؤلف 55% من اللغة التركية و أن اللغة التركية تحوي على 45% من الكلمات التركية. بكل تأكيد أن نسبة المفردات الأجنبية في اللغة التركية هي أعلى من النسبة المذكورة في هذه الإحصائية، فيما لو يقوم بمثل هذه الدراسة باحثون لغويون، حيث بإمكانهم تحديد كلمات تركية أخرى التي هي من أصول أجنبية و التي لم أستطع تشخيص مثل تلك الكلمات لعدم تخصصي في الموضوع و لحاجتها لكثير من الوقت لإجراء بحث متكامل للحصول على نتائج أكثر دقة من النتائج التي حصلتً عليها. لو نمعن في النتائج، نرى أن اللغة العربية تأتي في المرتبة الأولى في تأثيرها على اللغة التركية، و هذا التأثير ناتج بدون شك من الدين الإسلامي (حيث القرآن مكتوب باللغة العربية)، و أن غالبية الأتراك هم مسلمون.


كمال أتاتورك يُرشح السفير البريطاني في أنقره ليُخلّفه في رئاسة الجمهورية التركية

يشير عرض أتاتورك على السفير البريطاني في (تركيا) ليُخلفه في الحكم، كرئيس للجمهورية بأن أتاتورك كان لا يجد من بين معاونيه الأتراك منَ كان يثق في قدرته على الإستمرار في نهجه الذي تبعه للمحافظة على النظام العلماني و مواصلة العمل على إلغاء الثقافة و العقيدة الإسلامية في (تركيا). وجد السيد “بيرز ديكسون”، من بين أوراق والده “السير بيرسون ديكسون” برقية كان قد بعث بها “بيرسي لورين” السفير البريطاني في “تركيا” في عهد أتاتورك الى اللورد “هاليناكس” وزير خارجية بريطانيا آنذاك، يروي لورين فيها تفاصيل مقابلته لأتاتورك أثناء إحتضاره. هذه البرقية نشرتها جريدة “TheSundayTimes” البريطانية على صفحاتها بعنوان “كيف رفض رجُلُنا أن يحكم تركيا”، الذي جاء فيه “أنه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، بينما كان أتاتورك يرقد في فراش الموت. كان لا يجد شخصاً مناسباً يُخلّفه، يكون قادراً على الإستمرار في مواصلة نهجه و سياسته، فإستدعى السفير البريطاني المعتمد في تركيا آنذاك السير “بيرسي لورين” الى قصر الرئاسة في إستانبول. يشرح السفير البريطاني مقابلته مع أتاتورك الذي كان يحتضر قائلاً “عندما وصلتُ، وجدتُ صاحب الفخامة يجلس في فراشه تسنده بعض الوسائد و يحيط به طبيب و ممرضتان. ما أن دخلتُ حتى قام الرئيس بصرف الطبيب و الممرضتين قائلاً لهم أنه سيدّق الجرس لمناداتهم إذا إحتاج إليهم. عندئذ بدأ فخامته يتحدث ببطء ولكن بعناية شديدة و قال لي أنه أرسل في طلبي لأنه يريد أن يطلب مني طلباً عاجلاً، راجياً أن أعطيه جوابي بشكل قاطع. كان من سلطات الرئيس إختيار خلف له قبل وفاته. إستطرد في كلامه قائلاً بأن أخلص رغبة له هو أن أُخلّفه في منصب الرئيس و من ثم أنه كان يريد أن يعرف رد فعلى لمثل هذا الإقتراح. بعد بضع دقائق من التفكير، قلت لفخامته أن جوابي هو أنني عاجز عن أن أجد الكلمات التي تُعّبر عن مشاعري بصدق أو بما فيه الكفاية…. فبهذا الإقتراح أسبغ فخامته لوناً فريداً من الثناء و المديح لا على شخصي أنا فحسب، و إنما على السياسة الخارجية لحكومة صاحب الجلالة…. و لكني أشك تماماً فيما إذا كانت مؤهلاتي تتركز في المقدرة الإدارية. كما أن مسئوليات رئيس الجمهورية التركية تختلف تماماً عن مسئولية السفير البريطاني و أضفتُ بأنني أشعر بأن قدراتي و تجربتي تليق أكثر ما تليق بإستمراري في صفتي الثانية…. و على ذلك فأنني لا أجد سوى أن أعتذر آسفاً، و لكن بحزم. عندما إنتهيتُ من حديثي، ظهرت على الرئيس علامات التأثر الشديد و مال بظهره ال الوسائد و دق الجرس للممرضات اللواتي أعطينه الدواء. عندما إستعاد فخامته مقدرته على الكلام قال لي بأنه يفهم تماماً الأسباب التي دعتني الى إتخاذ هذا القرار. كان رقيقاً كعادته عندما أضاف أنه بالرغم من خيبة أمله الشديدة، فقد كان هذا هو الجواب الذي كان ينتظره مني و لهذا فقد قرر أن يُعيّن عصمت إينونو بدلاً مني. تساند أتاتورك و رفع جسمه عن منكبيه و شدّ على يدي و شكرني على ما فعلته في سبيل تدعيم الروابط و الصداقة الأنكلو – التركية، ثم غطس مرة أخرى بين وسائده مغشياً عليه و عندئذ أحسستُ بأن الأفضل أن أنصرف” بعث السفير البريطاني في “تركيا” النص المذكور على شكل برقية الى وزير الخارجية البريطانية، حيث يختتم “بيرس لورين” برقيته لوزير خارجيته قائلاً : “أكون شاكراً لكم لو تلقيتُ منكم يا سيادة اللورد رسالة تتضمن موافقتكم على الموقف الذي إتخذته و رجائي إبلاغ جلالة الملك” (راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك لمؤلفه ضابط تركي سابق، صفحة 11 – 15”).


أسباب نجاح أتاتورك في تأسيس (تركيا)

إن نجاح أتاتورك في تأسيس (تركيا) و بمساحتها الحالية يعود الى عاملين إثنين مهميّن. العامل الأول هو أن أتاتورك كان على إرتباط مع البريطانيين و من المؤكد أنه كان قد أبرم إتفاقاً معهم و الذي يقضي بأن يتبنى أتاتورك النظام العلماني و يتعهد بإنهاء الخلافة العثمانية و القضاء على الطقوس و التقاليد الإسلامية مقابل سماح البريطانيين له بتأسيس دولة تركية على جزء من أراضي الدولة العثمانية. هذه الفرضية تدعمها دلائل عديدة، منها أنه لولا الإتفاق المسبق بين البريطانيين و أتاتورك، كانت القوات البريطانية التي كانت تحتل إستانبول، تستطيع إلقاء القبض على أتاتورك أثناء وجوده في إستانبول قبل توجهه الى الأناضول. كما أنه لولا وجود إتفاقية مبرمة بين الجانبين، لقامت البريطانيون بإحتلال أنقرة و القضاء على ثورة أتاتورك و كانت بإستطاعة البريطانيين القيام بذلك بسهولة و بإستعمال قوات بريطانية قليلة. دليل ثالث على إبرام مثل تلك الإتفاقية هو أن البريطانيين لم يقوموا بمساعدة اليونانيين الذين كانوا يخوضون حرباً ضروساً ضد الأتراك و حتى أنهم في حروبهم قد فازوا في معارك عديدة مع الأتراك و في إحداها كانت أنقرة مهددة بالسقوط في أيديهم، و شرع الأتراك بإخلائها و مع ذلك فأن القوات البريطانية التي كانت تتعسكر في إستانبول، لم يتدخلوا لصالح اليونانيين.

العامل الثاني هو قيام الثورة البلشفية في روسيا و إنسحاب القوات الروسية من أراضي الدولة العثمانية و بذلك تهيأت الظروف لأتاتورك لخوض حروبه مع اليونانيين و الأرمن. لولا حدوث الثورة الروسية لَكنّا بدون شك نرى خريطة سياسية مختلفة للمنطقة عما نراها اليوم. كما أن ظهور الدولة الروسية الشيوعية في المنطقة و إنتهاجها آيديولوجية و سياسة معادية للغرب، ساعدت تركيا على إلغاء معاهدة سيفر و إحلال معاهدة لوزان محلها. أرفق هنا خارطة لتقسيم دولة (تركيا) الحالية بموجب معاهدة سيفر و التي على أثرها كان الشعبان الكوردي و الأرمني يقيمان دولتهما، كوردستان و أرمنيا الغربية، بينما (تركيا) كانت تشتمل على مدينة أنقرة و محيطها حسب المعاهدة المذكورة.


للتأكيد على صحة فرضية إبرام إتفاقية بين البريطانين و أتاتورك، نورد التصريح الذي أدلى به رفعت باشا، قبل وفاته، لجريدة “الجمهورية” الذي يقول فيه “إن مصطفى كمال باشا ذهب الى الأناضول بإذن من الإنجليز، بينما ذهبتُ أنا إليه بركوبي الباخرة مع 18 فارساً، حيث قمتُ بإدارة فرقة الجيش في “سامسون”. و قد قام وفد إنجليزي مؤلف من ثلاثة أشخاص بتوديع “مصطفى كمال باشا” عند مغادرته إستانبول. و قد حدثت مشادات عنيفة في المجلس (يقصد مجلس النواب التركي) مع “جولاق صلاح الدين باشا”حول هذا الموضوع. و قد سمعتُ من أحد أهالي قونيه بأن “هارنجتون” القائد العام لجيش الإحتلال الإنجليزي في إستانبول هو الذي أرسل مصطفى كمال الى سامسون” ((راجع كتاب “الرجل الصنم كمال أتاتورك”، صفحة 475).


فشل الكمالية في (تركيا)

كانت خطوة صائبة و جريئة من أتاتورك بتبني النظام العلماني، بفصل الدين عن السياسة و إدارة الدولة، إلا أنه لم يقم بتبني نظام ديمقراطي على غرار الأنظمة الغربية، بإشاعة الحريات العامة و الإعتراف بحقوق الشعوب الأخرى، مثل الشعب الكوردي على سبيل المثال و قبول الآخر و إحترام الرأي المختلف. بدلاً من إنتهاجه سياسة مبنية على الديمقراطية و التعددية و المساواة و العدالة، جعل من نفسه دكتاتوراً يعمل لتألية نفسه و بدء بإضطهاد الشعبين الكوردي و التركي بمنعهم بقوة القانون من ممارسة طقوسهم الدينية و الإحتفاظ بتقاليدهم الشرقية و حتى قام بفرض الأزياء الغربية على الشعبين و التدخل في الحياة الخاصة للناس و تقييد حرياتهم الشخصية. كما رفع شعار صهر و إذابة الشعب الكوردي بتتريكه و تهجيره.

لتبيان عنصرية الكمالية تجاه القوميات غير التركية نورد مقتطف من خطاب أحد وزراء أتاتورك. يقول وزير العدل التركي، محمود عزت بك الذي كان وزيراً في الثلاثينات من القرن الماضي، خلال فترة حكم أتاتورك، أثناء خطاب له في مدينة “ديميش” مايلي: “نحن نعيش في تركيا، أكثر دول العالم حرية. إن نائبكم الذي يتحدث إليكم بكل صراحة عن آرائه، لم يستطع أن يجد جمهوراً أفضل، ولهذا لن أخفي مشاعري. التركي هو السيد والمالك الوحيد في هذه البلاد ،و للأتراك غير الأنقياء من حيث الأصل حق واحد هو أن يكونوا عبيداً وخدماً. ليتذكر هذه الحقيقة الصديق والعدو، ولتعرفها حتى الجبال.

الذين جاءوا بعد مصطفى كمال أتاتورك، أصدروا قانوناً يعاقب بموجبه أي مواطن تركي ينتقد أتاتورك و هذا القانون لا زال ساري المفعول حتى يومنا هذا. إنه قانون غريب في بلد يدّعي الديمقراطية و في نفس الوقت يناقض نفسه حين يسّن مثل هذه القوانين الشمولية لخنق الحريات و إلغاء الرأي الآخر. لا تزال روح أتاتوك حاضرة في الحياة اسلياسية و الإجتماعية في “تركيا”، حيث أن توجيه أي نقد لأتاتورك حسب القانون التركي يُعتبر خيانة كبيرة و جريمة ينال صاحبها عقوبة عليها. إذن لا زال الفكر الأتاتوركي يحكم البلاد. هكذا لم تستطع الكمالية التي أصبحت شعاراً و نهجاً للمؤسسة العسكرية التركية، من خلق أجيال مؤمنة بالعلمانية و و لم تصبح قادرة على ممارسة الديمراطية. لولا المؤسسة العسكرية، لتصدعت الكمالية منذ وقت بعيد. الكمالية العنصرية و الطائفية أخفقت في تحقيق الإزدهار و التقدم الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي في البلاد. المساحة الجغرافية التي يزدهر الفكر الكمالي فيها في الوقت الحاضر تقتصر على مدينة أنقرة و بعض المدن الأخرى، بينما لا يزال القرويون و الريفيون يحتفظون بثقافاتهم الإسلامية. الدليل على فشل الكمالية هو الفوز الساحق للإسلاميين في الإنتخابات النيابية المتلاحقة. هكذا فشلت الكمالية في إنجاح النهج العلماني في الحكم و ترسيخه و أخفقت في خلق شعب متجانس يلتف حول مصالح مشتركة و أهداف واحدة وقادت البلاد الى الحروب و الخراب و الدمار و الفقر.


المصادر


ضابط تركي سابق (1978). الرجل الصنم كمال أتاتورك. ترجمة عبدالله عبد الرحمن. الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 544 صفحة. (مؤلف الكتاب هو ضابط تركي سابق لم يكشف عن إسمه لأسباب أمنية).

نور الدين، محمد (1997). تركيا في الزمن المتحول – قلق الهوية و صراع الخيارات. الطبعة الأولى، رياض الريس للكتب و النشر، لندن – بيروت.

Akdikmen, Resuhi (1986). Standard Turkish Dictionary – English Turkish, Turkish English, Langenscheidt Publishers, New York.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *