الرئيسية » مدن كوردية » کرکوك داخل دائرة الطباشير القوقازية

کرکوك داخل دائرة الطباشير القوقازية

04/03/2007 

عندما يقرع الآخرون طبول الحرب و ينفخوا في أبواق العنصرية المقيتة، ننشد نحن أهل کرکوك أناشيد السلام و نغني للأرض و الإنسانية. عندما يؤجج الآخرون نار الفتنة و الطائفية البغضاء، نهيئ نحن أصحاب القضية وسائل و سبل إطفائها، و لأن الجرح لا يؤلم إلا صاحبه فلن يهتم بکرکوك إلا أهلها، فهل هناك من عانا من الظلم و الطغيان سنوات عجاف من أجل کرکوك غير ساکنيها؟ هل هناك من آلمته جراحات ذاکرتنا المشترکة غيرنا نحن أهل کرکوك؟ أنتم الذين لم تروا کرکوك إلا علی الخارطة، کيف تسول لکم أنفسکم أن تدقوا أسفين الفرقة بين أهلها؟ أنتم الذين تعيشون بعيدا عن کرکوك بمئات بل بآلاف الأميال، کيف تعطون لأنفسکم الحق في نبش جروحنا بعد أن نبش النظام قبورنا؟ هل تعرفون بأن سلطة الطغاة لم تدع حتی موتانا ترقد بسلام و جعلت من شوارعها تمر في قلب مقابرنا لکي تمحو تاريخ وجودنا في هذه المدينة؟

عجبي لمن يکتب عن تجربة لم يعشها! نحن نروي لکم ما عشناه و لن نکتب لکم ما نتخيله. لقد جردت السلطة أهل کرکوك من کل حقوقها، حتی حق العمل داخل الحدود الإدارية للمحافظة، تصور نفسك و أنت تولد و تدرس و تترعرع في مدينة ما ثم لا يحق لك العمل فيها. فيهاجم الوافدين مدينتك من أجل المال و الملك و المکتسبات و الرفاهية علی حساب أهلك. يزعجونك في السوق و الشارع و حتی في البيت، يدقون عليك الباب و يدخلون بيتك شئت أم أبيت لکي يطلبوا منك الإنتماء إلی حزبهم أو تحمل النتائج الوخيمة و العقاب العسير. يعملون في دوائر المخابرات و الأجهزة الأمنية فيراقبونك إينما شئت و ذهبت، يراقبونك في عقر دارك. هؤلاء لم تکن لهم رسالة يعملون من أجلها، کان همهم المال، لقد تاجروا بإنتمائهم القومي فحصلوا علی المال و الأرض منفذين سياسة التعريب، سياسة تغيير الواقع السکاني للسلطة الشوفينية. شخصيا لن أبرر مجيئهم قط، فهم لم يکونوا مجبرين أبدا، لقد أتوا بمحض إرادتهم و شارکوا في تنفيد قسم کبير من جرائم السلطة، لم يضروا طائفة معينة بعينها بل أساؤوا إلی الجميع، أساؤوا لأهل کرکوك جميعها، لا بل إنهم اساؤوا للعلاقات التاريخية بين العرب ومكونات كركوك من الاثنيات، الكوردية والتركمانية و الآشورية و الكلدانية و الأرمنية ، حتی أنهم أساؤوا وأضروا بالعرب الاصليين في المدينة. أما السلطة فبوجود هؤلاء هجرت من هجرت و رحلت من رحلت من أهل المدينة و وهبت بيوتهم و أملاكهم و أراضيهم إلی البعض من هؤلاء الوافدين.

کنا نتصور بأن هؤلاء الوافدين سوف يعودون إلی ديارهم الأصلية بعد سقوط النظام بمحض إرادتهم و بمبادرة ذاتية دون أن يُطلب منهم، لکن هذا لم يحدث فقسم منهم إلتجؤوا إلی لغة العنف و التهديد و في أحسن الأحوال فهناك القسم الکبير منهم ممن ينتهز الفرصة مرة أخری لکي يحصل علی مبلغ آخر من المال شرط رجوعه، بل حتی أن البعض بدأ يساوم ليحصل علی المزيد. أما السکان الأصليين ممن هجروا من ديارهم فهناك القسم الکبير منهم ممن لم تسنح له الفرصة للرجوع إلی کرکوك بعد، و من رجع منهم تراهم يعيشون في الخرائب و الخيام و الأکواخ في ضروف صحية صعبة جدا دون أن يتمکنوا من إسترجاع بيوتهم و أراضيهم بعد.

إن ما يحز في النفس هو أن قسما من أهل کرکوك ممن تضرروا من جراء السياسات التعسفية للنظام السابق يعملون کل ما في وسعهم لتخريب عملية عودة هؤلاء الوافدين بحجة أن هناك سياسة مماثلة للتعريب تنفذ حاليا في کرکوك ألا و هي سياسة التکريد، فهم يقولون بأن الکورد جلبوا ستمائة ألف کوردي و نيف من خارج العراق و أسکنوهم في کرکوك، إن هذه و ربي لهي کذبة القرن الجديد، إنني أقولها و بصراحة أنا أقف بالضد من جلب أي کوردي حتی لو کان من المحافظات الکوردية الأخری إلی کرکوك، ما أريده هو التطبيع فقط، حتی أنني أقف ضد الأستفتاء فکرکوك تاريخيا تابعة لولاية الموصل و کل الوثائق تؤيد بأن أکثرية سکان هذه الولاية هم من الکورد. ثم ما هذه الضجة علی کرکوك أليست کرکوك محافظة حالها حال السليمانية و هولير و دهوك؟ أم أن هذه المحافظات الثلاث ليست عراقية؟

إذا کنا بصدد التطبيع، فهل نستطيع أن نتفق علی إعادة الأمور إلی سابق أوانها؟ فالحکومة السابقة إستقطعت بعض الوحدات الإدارية من کرکوك و ألحقتها بالمحافظات الأخری إليس من الإنصاف إن تعاد هذه الوحدات الإدارية إلی محافظة کرکوك؟ الحکومة جلبت العوائل من الوسط والجنوب إلی کرکوك بغية تعريبها، أليس من الإنصاف أن تعاد هذه العوائل إلی أماکنها الأصلية؟ الحکومة هجرت و رحلت العوائل من کرکوك، أليس من حق هذه العوائل أن تعود إلی أرض آباءها و أجدادها؟ هذا هو کل ما في الأمر و لم نطلب المزيد.

إنني أری مدينتي کرکوك داخل دائرة طباشير قوقازية، يقف حولها الکثيرون، الکثيرون ممن لهم الحق و الکثيرون ممن لا حق لهم فيها. أری علی طرف من الدائرة الناس الطيبين من أهل کرکوك، من الکورد و الترکمان و العرب و الآشوريين و الکلدان و الأرمن، من ذوي الجراحات و الأماني و الآمال المشترکة، من الذين تهمهم کرکوك و يهتمون بها اليوم کما غدا، من الذين يستعملون لغة العقل و لغة السلم و القانون. أما علی الطرف الآخر فيقف کلم من لا حق له فيها، کل من لا يريد أن يترك کرکوك في حالها، کل من يقف بالضد من العرف و القانون، کل من يلتجئ إلی لغة العنف و التهديد و الوعيد حتی و إن أدت إلی تقطيع أوصال کرکوك.

کرکوك اليوم داخل دائرة طباشير، فتعالوا بإسم الإنسانية:
نحتکم إلی التاريخ و الجغرافيا لکي نکشف الأم الحقيقية لهذه المدينة،
الأم التي لا تريد أن تؤذي ضناها.
السويد 

* دائرة الطباشير القوقازية، مسرحية للکاتب الألماني برتولد بريخت

KRG

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *