الرئيسية » مقالات » المتنبي والشطري يتناغمان

المتنبي والشطري يتناغمان

السويد أذار2007

(( بغداد وكالات 5 /3 / 2007: وقال نعيم الشطري, مسؤول مزاد الكتب في سوق الجمعة إن “هذا العمل جرى فقط في زمن هولاكو واليوم يحدث مجددا من قبل المجرمين القتلة الذين استرخصوا حياة الأبرياء
وأضاف الشطري الستيني وهو يبكي أن “قتل الكتاب أخطر من قتل الإنسان لأن الإنسان له عمر أما الكتاب فيبقى خالدا وقد حرقوه”. وأكد أن “الإرهابيين يحاولون قتل المعرفة في هذا البلد وهم يقتلون الطلبة في الجامعات واليوم يقتلون الكتاب في اعرق شوارع بغداد التاريخية”. ))


نبكي لبكائك أيها الشطري العزيز !
شلت أيادي قتلة الإنسانية والحضارة !
لم يتركوا لنا غير الأحزان والدموع والآهات !
يرعبهم النور والضياء، يرعبهم الحب والوئام والسلام!
من أي كهوف خرجوا لنا ؟
من أي جحور ظهروا ؟
من زرع بهم كل هذا الحقد والبغضاء والكراهية و الخبث و القتل والوحشية ؟
أي قلوب سود و مبادئ يحملون !
ها هي نار الحقد تلتهم مداد القلب والفؤاد، ماذا يريدون منك يا قلب بغداد، لم يكفيهم ظلمة الكهرباء وما نشروا من موت وخراب ، يعرفون الأوغاد أن ضياء المعرفة مسطر في الكتاب فصبوا حقدهم بحرقه وتفجيره وتحويله إلى دخان ورماد … آه يا وجع القلب والفؤاد … أي حقد أسود يضمرون لك يا قلب بغداد !
لكن هيهات أن تموت بغداد أو تموت المعرفة وحب الكتاب وسيخرج من جديد مليار فوق مليار كتاب.

إلى الشطري العزيز ( بلال المتنبي) والى كل أحبتي في شارعي الحبيب ،إلى ضحايا الشارع الجميل، شارع المتنبي، شارع المعرفة والثقافة، أعيد نشر مقالتي التي نشرتها منذ عامين.

المتنبي والشطري يتناغمان

يحيى غازي الأميري
السويد شباط 2005


بلال المتنبي يقرع أجراسه… يؤذن فينا … منشدا ً أبياته… مبتدأ بتمجيد الكتاب… ناصحا ًبقراءته…
وحامدا ً لمقتنيه… ومتشفعا ً على تاركه.
عند سماع أسم شارع المتنبي يتبادر إلى الذهن منذ الوهلة الأولى الشعر والأدب وكيف لا فالمتنبي رمز الشعراء والأدباء !!
ملء الدنيا وشغل الناس في حياته ومماته إلى يومنا هذا !!

قرأت ذات مرة أن أحد الخلفاء في الفترة العباسية أمر بقتل (أحد الشخصيات البارزة من العاملين بديوانه ) وكان أديبا ً جليلا ً وعالما ً فاضلا ً!
وكان قد أمر بأن يصلب ويترك مشنوقا ً معلقا ًفي إحدى الساحات العامة !! أراد بعمله هذا إرهاب الناس والتشنيع بالقتيل و التقليل من منزلته .
فوقف أحد الشعراء مع جمع الناس المتجمهرة أمام القتيل المعلق !! في إحدى ساحات بغداد آنذاك وقال بيت من الشعر في القتيل لمعرفته بصفاته وعلمه !!!
علوا ً في الحياة و الممات لحق أنت إحدى المعجزات

فلما وصل الخبر للخليفة أمر بإنزال الجثة ودفنها بسرعة !!! حقا ً أيها المتنبي أنت أيضا ً إحدى المعجزات…. مر أكثر من 1000 عام على مقتلك وأسمك كالشمس لا تحجب و لا يستغني عنها .
ينهل من نبعك كل ذي حاجة ، كل نفس وما تشتهي !!!
هذا الشارع لكل معارف الدنيا جمع… زرت العديد من البلدان لم أجد شارعا ً متخصصا ً بالأدب والثقافة والعلوم المعرفية بمثل هذه السعة والشعبية كشارع المتنبي .
احتل الشارع مكان جميلا ً في قلب بغداد وكأنه القلب في البدن يضخ الدم بعد استلامه من جديد لديمومة الحياة ! كم كنت أفرح وأنا أرى هذا النشاط اليومي في الشارع وخصوصا ً في كرنفال الجمعة فرغم الفقر والعوز والظلم والاضطهاد الفكري والسياسي وانتشار رجا ل الأمن ووكلائهم كان الشارع مزدحم بالمثقفين الذين كان باديا ً على سحنات معظمهم التعب الجسدي والمادي !!!!
شارع المتنبي أحد الشوارع الفرعية العديدة المرتبطة بالشارع الرئيسي (شارع الرشيد) في المنطقة الواقعة في (محلة جديد حسن باشا ) بين ساحة الرصافي ومقهى الزهاوي مقابل لجامع الحيدرخانة .
أن أردت الدخول إليه من جهة شارع الرشيد فقرب مدخل المتنبي على بعد عدة أمتار يقف تمثال شاعر العراق (أمير شعراء عصره) الرصافي الذي انشد اجمل أشعاره للشعب والوطن ، منتصب بقامته البدينة وهو يرتدي بدلته العصرية، سترتها بلا أزرار ظاهرة عليها تركها الفنان الكبير المبدع المرحوم ( إسماعيل الترك ) .
يقال الآن يلتف حول ناصيته للاستراحة أثناء النهار جمع من الكسبة و من الحمالين ودافعي العربات التي تنقل البضائع وتجوب المكان لم لا فهو نصيرهم انشد لهم اجل أشعاره ، ويقال أيضا ما أن يحل المساء حتى يتحول المكان لمرتع للعصابات وقطاع الطرق والشقاوات !!
ومن الجهة الثانية لمدخل شارع المتنبي وكأنك قادم من ساحة الميدان تطل عليك مقهى الزهاوي الشاعر الفيلسوف الشاعر الجريء نصير المرأة وصاحب( ثورة الجحيم ) !! وبموقعه في هذا المكان كأنه لا يريد أن يفارق غريمه وصديقه الرصافي !!…. ( اردد مع نفسي اجل خير حارسين يقفان على مدخل بوابة المتنبي هذان الشاعران الكبيران ).

اجمل ما يعجبني …. ويشنف أذاني ويزيد بي ّ البهجة ويقربني الى محتويات الشارع صوت( نعيم الشطري) وهو يردد بشكل مستمر بين فينة وأخرى وبنغمات وصوت رخيم جميل قول المتنبي :

خير صديق في كل زمان كتاب

هكذا يبدأ مؤذن المتنبي عمله يوم الجمعة حيث للشارع نكهة خاصة بهذا اليوم … كل جمعة للشارع كرنفال يبدأ مع الصباح إذ يمنع دخول المركبات فيه ويكون فقط للسابلة الذين يكتظ بهم الشارع !!!
آلاف من الكتب والمجلدات والصحف والمجلات القديمة والحديثة وبمختلف اللغات ،رغم أن المطبوعات الحديثة في تلك الفترة كانت شحيحة ،إذ معلوم انه لا يدخل البلد الصحف والمجلات والكتب الحديثة ألا الشيء القليل !! الذي لا يشبع من جوع ولا يقي من برد !
لكن لبعض الكتب والمجلات والجرائد الممنوعة القديمة منها أو الحديثة رغم منع تداولها أو بيعها في العراق كان لها سوقها وناسها الخاصين في هذا الشارع !!! يعرفها ويأخذ منها حاجته بحذر وخوف يصل حد الهلع !!من المترددين على السوق وعشاق المعرفة والحرية والأخبار الجديدة ، رغم قلتها كما أشرنا .
ويوجد سعران لمثل هذه الكتب والمجلات فتباع النسخ الأصلية بسعر والمستنسخة بسعر أخر.. حتى تأجير الصحف والمجلات وبمختلف اتجاهاتها الفكرية السياسية لها أماكنها وناسها .
رغم كل المخاطر الجسيمة التي تصيب من يعثر لديه على شيء من هذه الكتب والمجلات والصحف (يا للهول كتب تتحدث بالسياسة والفكر ) لكن الطلب عليها ليس بقليل.
فمثلا كتب هادي العلوي ، صادق جلال العظم ، كاظم حبيب ، حسين مروّة ، السيد القمني ، كمال صليبي، إبراهيم محمود، وحيدر حيدر، وحنا بطاطا، وسعد البزا، وحسن العلوي، ومذكرات طالب شبيب، وكتاب كنت ابنا ً للرئيس …… وتطول القائمة .
وأما الصحف والمجلات فحتى الصحف التي ترتبط دولها بعلاقات جيدة مع السلطة فلا مكان لوجودها إلا التي يكون الحصول عليها بالطرق الأنفة الذكر وهذه الصحف والمجلات مثل الدستور ، الرأي ، الأخبار،الأهرام ، الأسبوع العربي وغيرها ، حتى المجلات المتخصصة في المرأة ، أما الصحف الأخرى مثل الحياة فكانت صعبة المنال كثيرا ً …. وبالمناسبة لا توجد لدينا أية علاقة أو معرفة بصحف الانترنيت !!! فهذه كانت في عالم أخر ليس له علاقة بعالمنا إذ كنا نعيش في كوكب أخر .
الشارع ليس بالطويل فهو ينحصر من مدخله من جهة شارع الرشيد حتى مقهى الأدباء ( الشابندر) ومدخل سوق السراي( المتخصص بالقرطاسية ) من الجهة الخلفية .
كان الشارع في السابق متخصصا ً بالمكتبات و المطبوعات بمختلف أنواعها أما ألان فهو السوق المركزي أو( الرئيسي لبيع الجملة ) للقرطاسية ومستلزماتها أيضا ً.
ترتبط بالشارع مجموعة من الدرابين والأزقة و قد تحولت جميع البيوت والمحلات في هذه المنطقة إلى أماكن وورش عمل لمهنة المطابع والقرطاسية ولوازمها.
توجد في الشارع بنايات قديمة وحديثة البناء تحتوي عدة طوابق كل طابق يشتمل على العديد من الغرف وقد استغل معظمها كمخازن لبائعي الكتب الذين يفترشون الشارع كل يوم ببضاعتهم ! واتخذت قسم منها كمكاتب تجارية أو مخازن لبائعي القرطاسية أيضا َ.
فتشاهد على امتداد جانبي شارع المتنبي في الأيام العادية يفترش الرصيف بالكتب والمجلات وقد رتبت بأشكال عديدة فقسم منها وضع على بسطات بشكل مدرج أنيق لطيف في طريقة عرضه ، وقسم افترش الأرض بها ! أما الرخيصة الثمن فقد وضعت بشكل أكوام .
ويوجد قسم من هؤلاء الباعة متخصص في مجال أو اكثر في مثل هذا النوع من البضاعة فترى قسم قد تخصص بكتب الفن مثل الصديق العزيز محمد وأخر في كتب التأريخ كأستاذ صباح ( كنت كلما مررت من جانبه أراه وبيده كتاب منكب على مطالعته) أو الكتب الدينية أو الكتب العلمية كل فرد من هؤلاء قد ألم ببضاعته ( بمعروضاته)وعرف ببواطنها ، وأي سؤال له يجيبك بمنتهى الدقة ! !
فالعديد منهم مراجع ثقافية متخصصة !
يحتوي الشارع على العديد من المكتبات ذات التأريخ العريق والتي ساهم العاملين فيها في نشر الثقافة والعلوم في المجتمع ، ومن أهم مكتباتها مكتبة المثنى ( لصاحبها المرحوم الحاج قاسم الرجب ) الذي ساهم بشكل فعال في النهضة الثقافية في العراق من خلال دار المثنى !
وكم آلمنا و أحزننا عندما جئنا ذات صباح إلي محلاتنا وسمعنا خبر مشؤوم ( احتراق المكتبة ) . وبعد أن أخمدت نيران الحرائق بساعات ذهبت برفقة صديقي( أبو آوس) وزهير(أبو سارة )، وكم كانت المأساة وأنت تشاهد آلاف الكتب والمخطوطات والدورات وقد التهمتها ألسنة النيران وحولتها إلى أكوام من الرماد ومن نجى من هذه المأساة قد غمرته مياه الإطفاء ! هذه المكتبة التي زارها على مدى عمرها الطويل آلاف من طلاب المعرفة والثقافة والمهتمين بالكتاب ! سمعت أن ابنه قد صرح للصحافة أن الحريق كان بفعل فاعل وان قيمة هذه المكتبة بما تحتويه من كتب ومخطوطات نادرة ونفيسة لا تقدر بثمن !
وكان أيضا ً من معالم الشارع الجميلة ( مطعم كص الإخلاص ) وقد سمعت ان مالك البناية قد اجبر صاحب المطعم على الانتقال وقد انتقل إلي قرب ساحة الرصافي، مطعم ذو أكل لذيذ لا ينساه من تذوقه
تربطني علاقة حميمة مع هذا الشارع فأول كتاب لي اشتريته كان من شارع المتنبي عام 1968 كان أحد
مؤلفات نجيب محفوظ ( همس الجنون ) . وقد زادت علاقتي به عند انتقال محل عملي بجواره في سوق الصاغة في خان الشابندر عام1991 ، وفي الفترة الأخيرة كنت اقضي ساعات عديدة في ربوعه !! كنت كلما انقطع التيار الكهربائي وهو في برنامجه اليومي الذي أنعمت به علينا حكومتنا الرشيدة !! وكانت في أحيان كثيرة تضبطه بالدقائق !! اذهب إلى شارعي المفضل بمفردي أوبصحبة أحد الأصدقاء من الصاغة ومنهم الأعزاء فاروق عبد الجبار ، وأستاذي ( أبو آوس المدمن على شارع المتنبي ومكتباته )، أبو داليا (صبحي مبارك )، صباح علي ما هود، رعد جبار معيلو، وزهير غصاب المهناوي وغيرهم من الأحبة ،كنت أعتبرها نوع من المطالعة الإجبارية الجميلة….. وكلما زارني صديقي العزيز زهير رضوان في زياراته الأسبوعية كنا نستكمل حديثنا الثقافي في أحــــد مقاهي شارع المتنبي أو عنــد ( الصديق العزيز محمد) أحد المتخصصين في بيع الكتب الفنية بعد أن أكون قد أغلقت محلي بشكل مؤقت أعود بعدها لمزاولة عملي .
ليصدح صوتك أيها الشطري العزيز فالحياة بدأت تدب من جديد في عراقنا وعروقنا وتحتاج لصوتك ليوقظ العقول التي نامت … والقلوب التي ماتت .
ذكرياتي عن الشارع لغاية منتصف عام 2001

السويد/ شباط 2005

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *