الرئيسية » مقالات » ما الجديد في الدبلوماسية الأمريكية حول العراق؟

ما الجديد في الدبلوماسية الأمريكية حول العراق؟

تميزت دبلوماسية الإدارة الأمريكية إلى حين فوز الديمقراطيين في الانتخابات الأخيرة بالتخشب والإصرار على تحقيق النصر العسكري الكامل في الساحة السياسية العراقية بالطرق العسكرية ورفض التفاوض مع دول الجوار ذات العلاقات التاريخية والمصالح في العراق إلا بعد تحقيق النصر, وبشكل خاص مع إيران وسوريا. كما تميزت بعلاقات معقدة ومتناقضة مع الاتحاد الأوروبي وغالبية الأعضاء بشأن الحرب أولاً ومن ثم اتجاهات تطور الوضع في العراق وسبل المعالجة ثانياً. وقد قاد هذا الوضع, إضافة إلى الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية الفادحة جداً التي مارستها هذه الإدارة ومن يمثلها في العراق وفي العلاقة الملتبسة مع مكونات المجتمع المذهبية, إلى تكريس وجود قوى الإرهاب الدموية المتنوعة على أرض العراق وإلى السماح لها بإقامة بنيتها التحتية الخاصة بها والمتشابكة مع القوات والأجهزة الحكومية العراقية ومع بعض فئات وقوى المجتمع في آن واحد.
ولم تلتفت الإدارة الأمريكية وقواتها العسكرية إلى مختلف المقترحات التي قدمت لها بشان تغيير سياساتها العسكرية واعتماد الدبلوماسية النشطة والمرنة والفعالة في معالجة الوضع في العراق, سواء أكان ذلك مع كل من سوريا وإيران, أم مع حلفائها الغربيين في الحلف الأطلسي, بل ضربتها كلها عرض الحائط. وقد كان السيد دونالد رامسفيلد, وزير الدفاع السابق, خير معبر عن هذا التخشب والتحجر القاتلين في السياسة الأمريكية .
إلا أن نتائج الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة فرضت على الإدارة الأمريكية إجراء ثلاثة تغييرات جوهرية في السياسة الأمريكية عموماً, ومنها الدبلوماسية الأمريكية, بالرغم من إصرار غالبية المحافظين واللبراليين الجدد على عدم التغيير, وهي:
1. إجراء تغيير في الحكومة الأمريكية وتغيير وزير الدفاع, على نحو خاص, وفي إدارة وكالة المخابرات الأمريكية والسفارة الأمريكية في العراق والممثل الدائم في الأمم المتحدة, بما كان يشير إلى اضطرارها على ممارسة نهج جديد في العراق وفي منطقة الخليج.
2. الموافقة على تسليم متواصل للملفات السياسية والأمنية والاقتصادية إلى الطرف العراقي, مع تغيير الموقف الذي تميز بالميل الشديد للمعالجة الطائفية في العراق دون أي اعتبار لمبدأ المواطنة, مما حمل العراق أثقالاً إضافة إلى حمله الثقيل الناجم عن سياسات النظام السابق.
3. الموافقة على المشاركة في مباحثات غير ثنائية تشارك فيها كل من إيران وسوريا في بغداد في منتصف الشهر الجاري.
ويمكن لهذه الإجراءات الجديدة أن تفتح باباً, وليس أكثر من باب, لحل الأزمة المستحكمة في العراق, إذ أن الوصول إلى مواجهة موفقة وناجحة للإرهاب في العراق وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام الأهلي يتطلب أكثر من ذلك من كل الأطراف المعنية بالواقع العراقي الراهن. أي يتطلب تغييراً في سياسة إيران وسوريا وتوقفهما عن التدخل المتواصل في الشأن العراقي, رغم تأكيد الحكومتين بأنهما يريدان إيقاف الإرهاب في العراق, ولكن هناك من الدلائل ما يؤكد استمرارهما في تغذية قوى الإرهاب. كما يتطلب تعاملاً عراقياً واضحاً في الموقف من المصالحة الوطنية والسلام الأهلي ورفض المحاصصة الطائفية وإجراء تغيير فعلي في بنية الحكومة وفي سياستها الداخلية وممارسة حزمة كاملة من الإجراءات التي لم تبد واضحة حتى الآن رغم البرنامج المطروح بهذا الصدد من جانب حكومة المالكي.
ورغم محاولة بعض المحللين السياسيين فصل ما يجري في العراق عن مشكلات الشرق الأوسط, إلا أن حقيقة الأمر غير ذلك. إذ يفترض بالسياسة الأمريكية أن لا تتوجه صوب حل مشكلة العراق وكأنها منفصلة عن حل بقية المشكلات, بل يفترض أن ترى العلاقة الجدلية القائمة مع القضية الفلسطينية ومع الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والجولان ومزارع شبعا والتخلي عن ممارسة القوة والتهديد بالحرب لمعالجة النزاعات في المنطقة. كما يفترض أن تتخذ كل من الولايات المتحدة والحكومة العراقية موقفاً واضحاً من وجود جماعات مناهضة لإيران في العراق, إذ من غير المعقول استمرار هذا الوجود لقوى مجاهدي خلق التي كانت في أحيان كثيرة أدوات طيعة بيد الدكتاتور المقبور صدام حسين لا ضد إيران فحسب, بل وضد القوى الوطنية العراقية أيضاً.
وليس في مقدور الولايات المتحدة أن تبتعد في معالجتها للوضع في العراق والمنطقة عن حلفاء لها في حلف شمال الأطلسي أو عن مصالح روسيا والصين وغيرها في هذه المنطقة الحساسة من العالم وذات الثروات الهائلة التي سال ولا يزال يسيل لها لعاب الشركات النفطية الأمريكية وبقية الشركات النفطية في سائر أرجاء العالم.
إن تحقيق نجاحات في مكافحة الإرهاب في العراق مسألة مهمة, ولكنها تبقى جزئية ومتغيرة ما لم تقترن بإجراءات سياسية واقتصادية واجتماعية داخلية أولاً, وبإجراءات على صعيد العلاقات مع دول الجوار, مع ضرورة انتباه الطرف العراقي إلى أن لا تكون هناك مساومات مع دول الجوار على حساب الاستقلال والسيادة الوطنية العراقية وعلى حساب مصالح المجتمع العراقي بكل مكوناته القومية والاجتماعية. ولكن العنصر الجوهري في القضية هو: كيف يمكن لحكومة السيد المالكي أن تمارس نهجاً ثابتاً بعيداً عن الطائفية السائدة في الدولة العراقية وفي أجهزتها المختلفة حالياً؟ وكيف تتخلص من المليشيات المسلحة لقوى مشاركة في الحكم أو على أطرافها وتمارس شتى أشكال الإرهاب حتى الآن؟
إن على الحكومة العراقية الراهنة أن تفكر بأن اللاعب الأمريكي سينتهي, بل وينبغي أن ينتهي, دوره في العراق آجلاً أم عاجلاً, وأن عليها أن تجد لغة مشتركة بثلاثة اتجاهات جوهرية, وهي:
1. السياسة المدنية الحضارية والعقلانية في العلاقة بين المكونات القومية والدينية والمذهبية في العراق, بحيث تحقق المساواة في الموقف من المواطنة المشتركة, أي الابتعاد عن أي سياسة مناهضة للقوميات المختلفة أو للأديان والمذاهب المختلفة أو العمل لحساب أحدها على حساب الأخرى.
2. رفض المشاريع الطائفية في توزيع العراق إلى فيدراليات سنية وشيعية بحجة التوزيع الجغرافي. فالعراق مكون من قسمين, القسم الكردستاني والقسم العربي. وفي هذين القسمين تنهض فيدراليتان, الأولى كردستانية وهي قائمة منذ العام 1992, والأخرى عربية يفترض أن تنهض بدلاً من فيدرالية الوسط والجنوب والغرب وما إلى ذلك, كما تطرحها بعض قوى الإسلام السياسي الشيعية على نحو خاص, وليس كلها, مع تأمين إدارة لامركزية لإدارة شؤون المحافظات وتوزيع عقلاني للموارد المالية وبرامج تنموية اقتصادية وبشرية تساهم في خلق التوازن والنمو السريع لكل المحافظات وللفيدراليتين.
3. أن تجد لغة وطنية مشتركة مع دول الجوار, وخاصة إيران وسوريا, ولكن مع تركيا والسعودية ودول الخليج أيضاً, مع الاهتمام الجاد والمسؤول بالمحيط العربي الذي يشكل امتداداً طبيعياً للسياسة العراقية. لا يمكن أن نلغي جيراننا, ولا هم قادرون على إلغاء العراق من جوارهم. وبالتالي لا بد من التعايش السلمي الديمقراطي بين الجيران دون التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة للعراق, سواء أكانت تركيا أم إيران أم الدول العربية.
إن في مقدور الحكومة العراقية أن تمارس ضغطاً مناسباً وضرورياً لتغيير أساليب عمل الإدارة الأمريكية وقواتها في العراق وإلى هذا تطمح القوى العراقية المختلفة.
آذار/مارس 2007
كاظم حبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *