الرئيسية » شخصيات كوردية » الزعيم الخالد مصطفى البارزاني.. كلمات وفاء لذكرى رحيله

الزعيم الخالد مصطفى البارزاني.. كلمات وفاء لذكرى رحيله

في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم كان ثمة صحفيين اجانب من اوروبا واميركا يغامرون للوصول الى جبال كوردستان للاتصال بقوات البيشمركة وقائدهم مصطفى البارزاني للتعرف منهم على هوية الكورد ومطالبهم وتفاصيل الثورة التي كانت كل الدول الاقليمية والدولية الاخرى تحاول خنقها بكل الاساليب القذرة من اجل مصالح خاصة بها ، ولو على حساب شعب كان يذبح بأسلحتهم . ومرة التقى التقى احد هؤلاء الصحفيين احد افراد البيشمركة وسأله : لماذا تحمل السلاح وتقاتل الحكومة العراقية ؟ فرد عليه: انني احمل السلاح دفاعا عن شعبي وعن وطني ومن اجل حرية كوردستان واستقلالها. وبعد ان التقى الصحفي بالمرحوم البارزاني قال له ان رجالك يدعون الى استقلال كوردستان ما رأيك ؟

فأجابه البارزاني الخالد ان الذي قال لك ذلك الكلام يحس بثقل الظلم الكبير الذي يعاني منه ، الا ترى ان له الحق ان يتحررمن هذا الظلم؟

ومن هنا ايضا يمكن ان نفهم ان البارزاني لم يكن يركض نحو تبوأ مركز القيادة ..او بمفهوم اوضح .. نحو السلطة ، بل ان واجب القيادة في الليل الكوردي هو الذي كان يأتيه مفوضا من فقراء الكورد ، من الفلاحين والكسبة والعمال والطلبة نساء ورجالا الذين كانوا يرفضون الظلم ورأوا فى البارزاني ذلك الشخص الذي يمكن ان يقود شعب كوردستان نحو الحرية والديمقراطية والحياة الافضل ، فكان الكورد يعرفونه ويثقون به فكان زعيم شعب وليس زعيم حزب فحسب . اما اعداء البارزاني من حكام العراق انذاك وحكام الانظمة المجاورة التي حاربت الكورد وما زالت تمارس سياسات التهيد والوعيد ، فهم استولوا على مراكزهم بألف حيلة وخديعة ، بعد ان اذاقوا ابناء شعوبهم مر العذاب ، ويصبغوا قلاع سلطانهم باللون الديمقراطي المزيف ، كتركيا التي حتى دول الغرب تعتبرها( لاسباب غير نظيفة) دولة ديمقراطية ، وتلك الدول تعلم جيدا ان هذه ال(تركيا) هي وريثة الامبراطورية العثمانية المريضة المسؤولة عن قتل ما يقارب المليوني ارمني وحوالي المليون كوردي ، وهي تتنكر لوجود الامة الكوردية التي قوامها 40 مليون انسان…. هؤلاء كانوا وما زالوا اعداء مصطفى البارزاني ونهجه الوطني والديمقراطي ، ذلك الثائر الذي كان اهم ما يعتز به هو رضا شعبه عنه وتطوع الالاف من شباب كوردستان تحت قيادته دون ان يسألوه حتى عن توفير ثمن قرصة خبز لهم وهم سائرون الى محاربة اكثر انظمة العصر وحشية وعنصرية تحت قيادته . والتاريخ يعيد نفسه!

كان البارزاني الخالد طويل البال صبورا ومستعدا للحوار والتفاوض دائما ، مؤكدا من ان بندقيته ليست موجهة الى صدر الشعب العراقي او العربي بل موجهة الى من يقمع شعبه الكوردي ، ولذلك لم يأمر ابدا بتنفيذ اية عملية مسلحة يكون المدنيين ضحيتها ، وكان يستطيع ان يفعل الكثير لو اراد ، ولكن اخلاقيته الثورية الاصيلة و النظيفة ، وتربيته الوطنية الكوردية المتأصلة في ذاته وسلوكه لم تسمح حتى ان يفكر بتلك النوعية من الفعل العنيف ، واستمر النهج السليم نفسه فيما بعد وتحت قيادة الرئيس مسعود البارزاني .

وفي المجال العسكري كان القائد البارزاني قد ارسى مدرسة قتالية خاصة بالبيشمركة الكوردستانية تعتمد ( حسب خبراء عسكريين) على البقاء في حالة الدفاع مع هجمات سريعة باستعمال تكتيكات حرب العصابات خارج المدن ، لانهاك العدو والحاق اكبر اذى به مع محاولة عدم اعطاء ضحايا في المواجهات ، والرد على هجمات العدو بكتائب صغيرة ، واتخاذ التدابير العسكرية لمنع القوات المعادية من الوصول الى المواقع الستراتيجية (قمم الجبال ، المضائق ، الجسور وغيرها) والقرى الامنة والمواقع الخاصة بالبيشمركة ، وقلما اعطى الاوامر لخوض حرب الجبهات الكبيرة عدا معركة هندرين وفيما بعد معارك سه ري حسن بك(1974-1975) التي كانت ايضا من احد جوانبها معارك دفاعية ولكن بحشد اعداد غفيرة من قوات البيشمركة لخوضها. وقد تخرج الكثير من القادة الكورد من مدرسة البارزاني القتالية وهم الان يحملون روحية تلك المدرسة العظيمة وقد تشربوا بالعلوم العسكرية الحديثة ايضا ، وهم ذخر الدفاع عن كوردستان عندما تحاول بؤر العنصرية والتخلف في المنطقة من اطلاق ثعابينها على فسحة الحياة والحرية والتقدم على ارض جنوب كوردستان.

لم يكن الراحل البارزاني يفوت اي فرصة سلام تلوح له من اجل حقن الدماء و الوصول الى حل مع الحكومات العراقية ، ولكن في الوقت نفسه كان حازما وحاسما عندما كان الموقف القومي يتطلب المواجهة ويرى ان الجانب الاخر يحاول الخداع واستثمار الوقت لصالحه ، لم يتهيب البارزاني ما تسميه القوى المعادية للكورد بالعقدة الكوردية غير القابلة للحل للسبب الجيوبوليتيكي الملعون ، ولم يتهيب من قوة وعدد وعدة خصوم شعبه ، كان واثقا من انه يقود شعبا مناضلا وطموحا وعنيدا وصابرا لا تهابه التضحيات الكبيرة ، ومعتدا بثبات ابنائه البيشمركة الاتين من الريف ومن المدارس والجامعات ومن اوساط العمال والكسبة في مواصلة مسيرة الدفاع عن شعبهم وتحقيق طموحاته القومية والديمقراطية ، ففي مسألة كركوك وفي الساعات الاخيرة من المفاوضات التي كانت تجري في بغداد في اذار عام 1974والاتفاق على الكثير من التفاصيل ، وافق الجانب العراقي على نظام للادارة المشتركة لمدينة كركوك ، وعند عرض الامر على القائد البارزاني رفض التوقيع على اية وثيقة توحي الى اي شك في كوردستانية كركوك او اي تنازل عن اية بقعة من ارض كوردستان . وكان الراحل الخالد يعرف جيدا ان ذلك الموقف سيؤدي به الى مواجهة النظام الدكتاتوري وكل الالة العسكرية الهائلة التي كان يملكها والمدعوم من الشرق والغرب ، كما لم يكن يجهل الكثير من المؤامرات الدولية التي كانت تدور حواليه في ايران وتركيا والعراق والدول الكبرى ، لكن البارزاني قرر خوض غمار النضال المسلح الثوري من جديد ، وكان يعطي بذلك درسا للاجيال الكوردية اللاحقة بأن لا مساومة على الثوابت الكوردستانية مهما كلف ذلك من ثمن ، والموقف الذي تقفه القيادة السياسية الكوردستانية اليوم بكل فصائلها وقواها هو امتداد لنهج البارزاني الخالد في التعاطي مع متطلبات النضال .

لم يدخر اعداء الشعب الكوردي سلاحا او سلوكا مشينا الا واستعملوه ضد الحركة الوطنية التحررية الكوردية ، وكانوا يحاولون ان ينفذوا فعلتهم هذه من خلال الاساءة الى شخص الزعيم الراحل مصطفى البارزاني ، لآنهم كانوا يدركون معنى الرمز مصطفى البارزاني في الضمير الكوردي ، فقد كان النظام البائد ومعه الرهط العنصري العروبي والحكومة التركيةالتي تشترك مع اسرائيل في العديد من المواثيق العسكرية والامنية ، اقول كان هؤلاء كلهم يثيرون مسألة( العلاقات الكوردية الاسرائيلية!) ، يقول حازم صاغية في كتابه (قصة البعث في العراق) ما يلي وهو يفترض وجود تلك العلاقة:

“وبإفراط استخدم “الذئاب في بغداد”، كما كان يسميهم البارزاني، علاقة الأكراد بإسرائيل التي ما كانت لتنشأ أصلاً لولا رداءة علاقتهم بالعراق، وهي ما توارثه حكامه إدارةً عن أخرى”
www.iraqcenter.net/
فاذا كان هناك فهم حقيقي لمطالب الشعب الكوردي من لدن حكام العراق او الحكام في باقي الوطن الكوردستاني الواقع تحت احتلالات متنوعة لما كان الكورد يبحثون عن علاقات مع الدول الاخرى ..وافتراضا حتى مع اسرائيل ، واذا كان البارزاني بحث عن طريقة لبناء علاقة مع اسرائيل فهو بالتأكيد كان لديه اسبابه ، وهي معروفة لدى كل عاقل ، و بالطبع ان الاهم بالنسبة لشعب كوردستان هو مصلحته ، وهو يحترم مصالح الاخرين بقدر ما يحترم هؤلاء مصلحته ، والكل يتعامل وفق هذا المنطق فلماذا يكون من العيب ان يتعامل البارزاني بنفس المنطق مع اسرائيل ، ويرى شعبه الكوردي يتعرض الى ابشع سياسات القهر والمحو والتطهير العرقي من النظامين العربي الاسلامي برمته وهما ساكتا عن كل ما كان يجري للكورد من مذابح ، نطق الصخر ولم ينطق الاعراب والمسلمون ، البارزاني كان يدرك عقد العلاقات الدولية والجيوبوليتيكا الملعونة التي كانت تحيط بكوردستان ، وكان من حقه ان يفعل كل ما يفيد شعبه ويتعاطى مع كل الاوراق المطروحة امامه ، فأذا كان بعضهم لم يعجبها طريقة البارزاني في التحرك وسط الحصارالظالم والغادر والمشين الذي فرضه النظام العربي والاسلامي عليه وعلى شعبه ، عليه ان يقدم اليوم تفسيرا مقنعا لمعنى ان يكون صحيحا وصائبا اليوم هرولة النظام العربي كله ودون استثناء الى احضان الدولة العبرية. بينما يكون عيبا ان يقوم الكورد بعشر معشار ما هم يفعلونه سرا وعلنا مع اسرائيل.

حاول بعض مزوري التاريخ ان يصوروا البارزاني بأنه لم يكن الا ورقة على طاولة السياسات الغربية والايرانية والاسرائيلية ، لكن كل منصف يعرف ان هدف ترويج هذا الطرح هو اساسا لتشويه صورة الحركة التحررية الكوردية عبر محاولة بائسة لتشويه صورة قائد الحركة ، فالبارزاني في كل مراحل نضاله كان له اجندته وتصوره وفهمه وبالتالي كان لاعدائه واصدقائه ايضا تصوراتهم واجندتهم ، والبارزاني كان يفحص مكامن الولوج الى تلك الشبكة المعقدة من المصالح والتكتيكات واللعب السياسية التي كانت اميركا وحلفائها في المنطقة يديرونها ، يقول جوناثان راندل في كتابه (امة في شقاق -ترجمةفادي حمود -دار النهار 1977 -صفحة199) وهو يتحدث عن رغبة الشاه في دفع الكورد الى القتال عام 1974 ما يلي :
(..لكن الشاه كان يدرك ان البارزاني لا يثق به، سيما وانهما يعرفان بعضهما منذ زمن بعيد) ويتحدث عن سبب عدم الثقة هذا فيعيده الى التاريخ الاسود لنظام الشاه ضد جهورية كوردستان الديمقراطية في مهاباد 1946 ومواقف النظام نفسه ضد البارزانيين بعد سقوط الجمهورية الكوردية. ان هذه الاشارة تدلل على ان البارزاني كان يتحسب كثيرا لعلاقاته ولخطواته ، ولكن يبقى ان نقول ان وعد كيسنجر للبارزاني وتراجعه عنه في وقته 1975 كان مراة للسياسة الاميركية في عهد نيكسون ، ولكن مع عظم المصيبة التي المت بالشعب الكوردي اثر مؤامرة الجزائر القذرة ، وانسحاب البارزاني وقواته الى ايران وعودة الكثيرين الى العراق ، الا ان البارزاني ومنذ تلك اللحظة لم يغب عن باله ان يهيئ للثورة من جديد ، اذ كان يرى ان مرحلة انتهت لكن الكورد ما زالوا موجودين فقضيتهم اذن موجودة ولابد من المواصلة حتى ولو بعد حين.

مصطفى البارزاني سيبقى ذلك الرمز الخالد الذي ايقظ كوردستان من غفوتها ، وقاد نضالات شعبها في امر الظروف واحلكها ، والذي دعا وبأستمرار الى وحدة قوى كوردستان السياسية ، والتاخي بين كل تكويناتها القومية من كورد و تركمان وكلدواشوريين وارمن وعرب ، هو ذلك الرمز القومي الكبيرالذي وحد الهم الكوردي من اسوار دياربكر وديرسيم الى عيلام وكرمنشاه ومهاباد والقامشلي والسليمانية واربيل ودهوك وكركوكه التي كانت تمثل جرحه القومي ، فخط طقسا وميثاقا لا يمكن تجاوزه بأن لا تنازل عنها ابدا.
انه ذلك الصقر الجبلي الذي يفرد جناحيه على جنبات وقمم جبال زاكروس رمزا شامخا للماضي وعناد الثوار ، ورمزا يقتدى لمرحلة الانتفاضة وتأسيس الادارة الحكومية الكوردستانية ، ونهجا للمستقبل الذي يحلم الكوردستانيون به جميعا …المستقبل الذي يرونه شعلة لم تخب يوما وظلت متوهجة في عيني البارزاني وقلبه وقلقه و تمرده وطيبة معشره وهو استقلال كوردستان وتأسيس الدولة الكوردية.

KRG 

تعليق واحد

  1. مجاهد البرزنجي

    لم يدع لي استاذي العزيز عبدالوهاب الطالباني سطرآ كي اعبر من زعيم الأمه البارزاني الخالد ولكن كل ما يتحقق اليوم هو ماخطط البارزاني وعائلتة فالتنم روحك يا أبا الشعب الكردي هادئآ. اشكر وأهنيء استاذي الطالباني بكتابته القيمة . زميلك وصديقك من ايام بغداد مجاهد البرزنجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *