الرئيسية » مقالات » صرع قيم الاستبداد وقيم الديمقراطية

صرع قيم الاستبداد وقيم الديمقراطية

 
صامويل هنتنغتون البروفيسور والاستاذ في جامعة هارفرد وقع في خطأ كبير , حينما شخص طبيعة الصراع القائم حالياً والذي قد يتصاعد مستقبلاً بصراع الحضارات , وحدد طبيعة العلاقة بين الحضارات المختلفة بالصدام والتنافر على اساس الثقافة والهوية , الاستنتاجات التي توصل اليها هنتنغتون جاءت منسجمة ومتناغمة مع فقه واراء منظري الجماعات الاسلامية المتطرفة , فالحضارة الاسلامية هي الافضل والارقى , وحربهم المقدسة على الغرب ضرورة ملحة من اجل حماية ثقافة الامة ونشر قيمها ضد الاطماع اليهودية وحلفائهم »الصليبيين من ابناء القردة والخنازير والكفرة الملحدين« .
يمثل هنتنغتون موقف جزء من التيار الغربي المسيحي, ويعبر فقهاء الارهاب الاسلامي كذلك عن جزء بسيط جداً من الشرق الاسلامي, هذا من حيث الكم اما من حيث الكيف فالغالبية العظمى من المسلمين يختلفون مع القلة المتطرفة ولا يشاركونهم نزاعهم الفكري ضد العالم الحر, كما تؤمن هذه الغالبية بان العقيدة الاسلامية عقيدة تسامح وتصالح وسلام تنسجم مع الديانات الاخرى وتتقبل العيش المشترك مع الآخر, والحقيقة ان الحضارات المختلفة في زمن الحداثة والعولمة تتجه الى المقاربة والانسجام لا الانفصال, والهوية الانسانية للحضارات المختلفة تبقى هي الاقوى من الهوية الاقليمية والقومية وحتى الدينية في زمن اصبح العالم فيه كقرية صغيرة بفضل الثورة التكنولوجية الهائلة .
الصراع المحتدم بين الغرب الليبرالي الديمقراطي من جهة وبين الجماعات الاسلامية المتطرفة من جهة اخرى , اصبح محل جدل واسع من قبل كبار المفكرين والساسة والباحثين بعد عمليات 11 سبتمبر الارهابية , ومقال توني بلير رئيس الوزراء البريطاني على صفحات مجلة فورين افيرز لشهر فبراير الحالي , لايتعدى كونه تبيان موقف اكثر منه خوضا في ذلك الجدل العميق حول حقيقة هذا الصراع وطبيعته .
ما يلفت النظر في مقال توني بلير وضعه لطالبان وصدام حسين في السلة نفسها , ربما عن قصد والارجح من دون قصد , حيث يقول ” لقد فضلنا القيم , وقلنا إننا لم نكن نريد طالبان أخرى ولا صدام حسين آخر” , بلير يرفض قيم طالبان كما يرفض قيم صدام حسين , لكنه للأسف لم يتطرق الى التطرف القومي العربي كما فعل مع التطرف الاسلامي ودوره في الصراع القائم اليوم, رغم ان طالبان والقاعدة يشاركون البعثيين العداء للقيم الغربية القدر نفسه , وللتذكير فقط فان العداء المستميت من جانب الحركة القومية العربية للفكر الليبرالي اقدم من عداء الحركة الاسلامية لتلك القيم , واراء ميشيل عفلق مفكر البعث واحد اهم رواد الفكر القومي العربي وهواجسه تجاه الثقافة الغربية الليبرالية معروفة , بالاضافة الى المغالاة في الحفاظ على الثقافة والتراث العربي من تأثيرات الثقافات الدخيلة , وضرورة الاحتفاظ بخصوصية الهوية العربية العريقة , والعودة الى الالتصاق مع الثقافة والقيم العربية الخالصة والروح العربية الاصيلة , افكار كانت ولاتزال الشغل الشاغل لدعاة واساتذة الفكر القومي العربي , ان الامر باختصار شديد ليس الا صورة طبق الاصل عن التأصل والتقوقع في الشعور القومي لدرجة العداء للاخر على غرار الحركة الفاشية الاوروبية في بدايات القرن الماضي .
التيار الاسلامي يناصب للقيم الليبرالية العداء بحجة انها تشكل خطرا على المبادئ الاسلامية السامية , والتيار القومي العربي يعادي تلك القيم باعتبارها دخيلة وتشكل خطر على الثقافة والحضارة العربية العريقة, والطرفان في الحقيقة انما يعاديان الفكر الليبرالية لانها خطر على الفكر الشمولي الذي يجمع الطرفين ولانها تتعارض مع مبادئهم الاستبدادية الشمولية, وقد اتفق في السابق ميشيل عفلق مع السيد قطب على اعتبار اكبر الاخطار على العرب والاسلام هي الثقافة الغربية “الليبرالية”, عند عفلق الخوف على القيم العربية وعند السيد قطب الخوف على القيم الاسلامية .
توني بلير اصاب الحقيقة بقوله” ان قيمنا ليست غربية ولا اميركية بل هي قيم تشترك فيها الانسانية قيم عالمية يجب ان تكون من حق المواطن العالمي”, التركيز على الخصوصية العربية والاسلامية من قبل القوميين العرب , والادعاء بعدم توافق تلك الخصوصية مع الديمقراطية والليبرالية الغربية ليس بالامر الجديد , فقد شهدت اوروبا عقر دار الليبرالية, الظاهرة نفسها في بدايات القرن الماضي , مع ظهور القوى الفاشية والنازية ذات الايديولوجيا القومية المفرطة , وطالما تردد وقتها مفهوم الخصوصية القومية والتاريخية وحتى المناطقية كمبرر لرفض المبادئ الديمقراطية , تحجج اصحاب الفكر الشمولي بأن الليبرالية تناسب فقط شمال اوروبا والمناطق الباردة ومن غير الممكن نجاحها في باقي المناطق الجنوبية من اوروبا والمناطق الحارة , لكن في العام 1975 اصبحت اسبانية الحارة جداً دولة ديمقراطية ليبرالية , ثم ادعى اعداء الليبرالية انها تلائم فقط العنصر الابيض ومن غير الممكن للزنوج والملونين تقبلها , وثبت العكس وتحولت جنوب افريقيا من بلد عنصري الى بلد ديمقراطي على الطراز الاوروبي , ومن ثم توسعت الديمقراطية وانتشرت الافكار الليبرالية الى شرق وجنوب اسيا لتصبح كوريا الجنوبية والفليبين وتايوان دولا ديمقراطية , وجرى تحول مهم نحو الديمقراطية في اكبر دولة اسلامية وهي اندونسيا, لكن الدول والمجتمعات العربية والاسلامية “بأستثناء الحالة العراقية” مازالت في خصام دائم مع الديمقراطية ولم تحدث تحولات تذكر , خطت الكثير من الشعوب اولى خطواتها في بناء مجتمعات حرة بعد سقوط الاستبداد الشيوعي, فهل سيقدم العرب والشعوب الاسلامية يوماً ما كما فعلت شعوب شرق اوروبا على تحطيم جدار برلين , ويحطمون جدار الاستبداد ويعترفون كما اعترف غيرهم , باننا كنا على خطاً والفكر الليبرالي فكر ونتاج عالمي لكل البشر على اختلاف اجناسهم ودياناتهم?
العقود الطويلة التي جلس فيها القوميون العرب على سدة الحكم , تثبت وبشكل قاطع مدى هشاشة حججهم الواهية ونفاقهم في عداءهم للديمقراطية باعتبارها منتجا غربيا تشكل خطرا على الخصوصية العربية , والغريب جداً اننا لم نشاهد ديمقراطية خاصة خالصة عربية من انتاج محلي خاص بمطبخ حزب البعث القومي , رغم تفرده بالحكم في اكثر من بلد ولقرابة نصف قرن من الزمن , الحقيقة ان القوميين العرب يبغضون الديمقراطية ليس لكونها منتجا غربيا دخيلا كما يدعون بل بسبب كون الديمقراطية تتناقض مع مفاهيمهم وفكرهم الاستبدادي .
“ان الصراعات في العراق وافغانستان هي بوضوح ليست حول تحرر تلك البلاد من الاحتلال الاميركي وهدف المتطرفين منع من ان تصبح ديمقراطية “, هذه حقيقة بسيطة اخرى لايدركها الكثير سواء الجمهور ام النخبة العربية يوضحها السيد توني بلير في مقاله , فالاسلام المتطرف ليس لديه اهداف محددة واضحة ولا يعمل حسب اجندة وطنية , القاعدة على سبيل المثال لا تنتمي الى هذه الدولة او تلك , فهي حركة لا انتماء لها وليس لها اهداف محددة , الصراع ضد الملحدين مفهوم واسع وفضفاض جداً , واعادة بناء الخلافة الاسلامية على الطراز القديم والتي لا وجود لها الا في كتب التاريخ وما قبل 1400 سنة , ايضاً هدف من الصعب فهمه في القرن الواحد والعشرين , وحتى الحركات الاسلامية الاقل تطرفاً كحركتي الجهاد والحماس الاسلاميتين اهدافهما تتخطى تحرير فلسطين الى العداء الابدي والازلي للصهيونية والصليبيين , وحزب الله كذلك لا يعمل حسب اجندة لبنانية بل اقليمية وليس من المستبعد ان تتحول الى اجندة دولية في المستقبل , والحركات الارهابية في العراق لا تقدم على عملياتها الارهابية ضد قوات التحالف من اجل تحرير العراق كما تدعي , بل من اجل المزيد من الصراع والدماء والموت , التي هي اصل القيم لدى الجماعات الاسلامية الارهابية على اساس القاعدة المعروفة “نحن من عشاق الموت وانتم من عشاق الحياة ” , ولو كان الهدف فعلاً هو تحرير العراق لاوقفت عملياتها , الامر الذي يفقد قوات التحالف اسباب ومبررات وجودها في العراق .
“الحرب غير التقليدية “بين قوى الارهاب والقوى الديمقراطية , هي بالفعل “صراع قيم” كما قال بلير , ومن غير الممكن كسب هذا الصراع المرير بالقوة وحدها , لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة هل يتخلى الغرب الديمقراطي المتحضر العجوز عن سياساته الميكيافيلية التقليدية التي اعتاد عليها ومارسها لعقود طويلة , ويتعاطى مع الشرق ومعضلاته الكثيرة وفق سياسة اخلاقية بعيدة عن الكيسنجرية , واذا كان بالفعل توجد سياسة من هذا النوع كالتي يتبناها توني بلير ما حظوظ استمراريتها ? وما مدى مشاطرة الاخرين من اهل الغرب لاراء السيد توني بلير ? وهو اليوم بمثابة ضيف سيغادر عالم السلطة والقرار قريباً .