الرئيسية » مقالات » ألا تستحق قضية المعارضة السورية لقاء للمصالحة الوطنية ؟

ألا تستحق قضية المعارضة السورية لقاء للمصالحة الوطنية ؟

المأزق الراهن للمعارضة الوطنية السورية يعكس بوضوح ما آلت اليه من انقسامات حادة تتخطى الأفكار والمواقف والاجتهادات السياسية لتطال جوانب كان مجرد الاشارة اليها من باب تخطي الخطوط الوطنية الحمراء مثل انتاج وترسيخ استقطابات خارج الاطار الوطني الجامع لذلك وقبل وقوع الكارثة وفي سبيل قطع الطريق على مخططات النظام في الاجهاز على ما أنجز حتى الآن ومن أجل أن تعود المعارضة الى موقعها الطبيعي وتمارس دورها في عملية التغيير الديموقراطي المنشود علينا جميعا تحمل المسؤولية التاريخية والاسهام الايجابي في مواجهة الأزمة التي نعيشها فعليا بكل صراحة ووضوح حيث لم نعترف جميعنا حتى الآن مواربة أو مكابرة بتحدياتها ومخاطرها التي تخفى عن الأنظار , وهنا أجد نفسي مع غيري أمام جملة من الحقائق التي لابد من اثارتها في أجواء ركود الحراك السياسي وغياب عناصر المبادرات المجدية في هذا الظرف الدقيق بالذات التي من المفترض أن تقود الأمور نحو المزيد من التفاعل الايجابي على درب التغيير , هذه الحقائق التي ٍسأوردها علانية تتفق عليها الأغلبية الساحقة من أطياف المعارضة في مجال الدعاية والاعلام ولا تأخذ بها على الصعيد العملي وهو بحد ذاته مفارقة غير مسبوقة ومنها :
الحقيقة الأولى : واقع تعدد المجتمع السوري وضرورة التسليم بذلك والفرق شاسع بين التشخيص الموضوعي لظاهرة ما للتمكن من التعامل معها كما هي وتجييرها للصالح الوطني العام أو تناولها بهدف تكريس الانقسام والعزل واثارة الشكوك حول النوايا المبيتة المزعومة لهذه الفئة أو تلك من السكان , ان مجرد قراءة المشهد الاجتماعي والقومي والثقافي والديني والمذهبي لواقع الشعب السوري من حيث الشكل يبقى ناقصا من دون الولوج في تحديد الحقوق والواجبات المترتبة لتلك المكونات وتطمينها بضمانات دستورية بعيدا عن الهواجس المسكونة التي تسللت الى النفوس منذ بداية عهد الاستقلال والعصبيات والأنا الشوفينية الأصولية لبعض تيارات القومية السائدة اوالدين السائد والمذهب السائد التي تلجأ اليها عادة وتستثمرها أجهزة أنظمة الا ستبداد .
الحقيقة الثانية : أحد أهم الأسباب الرئيسية في فشل الأنظمة والحكومات المتعاقبة في بلادنا منذ ستة عقود وحتى الآن في تحقيق المشروع الوطني وانجاز المهام السياسية والاجتماعية والاقتصادية وترسيخ الوحدة الوطنية يعود الى تجاهل الواقع التعددي والموضوعي لسورية وشعبها وكتابة تاريخ البلد ومناهج التعليم ورسم جغرافيته وتحديد معالمه الأثرية ومسمياتها ووضع دستوره وقوانينه حسب الأمزجة الشوفينية والعواطف القومية الأصولية المتشددة وليس حسب القراءة العلمية المنهجية الموضوعية وترتب على تلك الخطيئة التاريخية الكبرى اندفاع الأنظمة نحو المزيد من التورط في تكريسها بالقوة وعبر خطط تآمرية من أشهرها ما رسمت للمكون الكردي من احصاء وحزام بهدف التهجير والتعريب لم يكتب لها النجاح الكامل ولكن بعد عملية استنزاف ما زالت متواصلة للجهود ومن أموال الشعب وتجييش العصبيات ومنها أيضا امعان بعض الحكومات في اذلال متعمد لأبناء الطائفة العلوية في عهود معينة وقيام البعض الآخر بسلوك دروب الانتقام بدعوى الذود عنهم كانت محصلتها انتاج – الطائفية المقنعة – وتهديد الوحدة الوطنية وزيادة الاحتقان ومضاعفة الشكوك بين مكونات المجتمع السوري .
الحقيقة الثالثة : الآن جميع أطياف المعارضة الوطنية بل كل أبناء سورية أمام الامتحان لتحديد الخياراما بقبول ما هو قائم ومتبع وسيكون المآل في الحالة هذه اتباع نهج الأنظمة المتعقابة بفكرها وثقافتها وخطابها السياسي وحصد نكباتها وبالتالي انتفاء أسباب ومبررات وجود المعارضة بمثل هذه المواصفات أو برفض السائد قولا وعملا وذلك يتطلب قراءة واقعية وتعامل موضوعي بمعزل عن أية خلفيات اصولية علمانية ودينية لافرق أو أية مواقف مسبقة رسختها ثقافة الاقصاء والعداء في بعض العقول والنفوس على امتداد عقود والمدخل الصائب حسب رأيي هو الاعتراف بوجود خلل في التعامل بين المكونات السورية الوطنية المتعددة وضرورة معالجتها وذلك بعدم حجب حقيقة أن الشعب السوري عبارة عن أغلبية عربية يليها المكون الكردي كقومية ثانية من سكان البلد الأصليين على مر العصور مع تواجد قوميات أخرى موزعة في مناطق البلاد مثل الكلدان والآشوريين والأرمن والتركمان هذه المكونات القومية تعتنق الاسلام كدين رئيسي وكذلك المسيحية والايزيدية والأولان يتشعبان الى مذاهب , والمطلوب كمهمة وطنية رئيسية ضمان حقوق القومية الكردية في برنامج المعارضة واحترام ارادتها في تقرير مصيرها ضمن الوطن السوري الواحد مع احترام حقوق القوميات الأخرى المشار اليها وكذلك حق العبادة للأديان والمذاهب دون تفريق وهنا علينا مواجهة حقيقة أخرى وهي تصحيح الموقف من أبناء الطائفة العلوية والاعتراف بالتاريخ الماضي الذي شهد اجحافا بحقهم وتقدير نضالاتهم وتضحياتهم مثل بقية الوطنيين السوريين وعدم تحميلهم مسؤولية ممارسات نظام الاستبداد الذي يطيب له ليس استغلال العلويين فحسب بل كل الطوائف والمكونات السورية من عرب وكرد وسنة وشيعة واسماعيليين ومسيحيين .
الحقيقة الرابعة : أن المعارضة الوطنية حديثة العهد بسبب طغيان الاستبداد وتفتقر الى تقاليد ديموقراطية في تكوينها وطرق تعاملها في ما بينها وهناك أكثر من طيف معارض بين الداخل والخارج يتوزع بين مجموعات ومنظمات قد تختلف في بعض الرؤا والاجتهادات ومنها عميقة مثل الموقف من النظام ( اصلاح أو تغيير ) والموقف من القضية الكردية وبنود الدستور الجديد لسورية المقبلة وطبيعة النظام القادم وغير ذلك وهذا أمر مفهوم في العمل السياسي الديموقراطي والأمر غير المقبول هو بداية ظهور استقطابات مذهبية في صفوف المعارضة على حساب الانتماء الوطني وهذا يعود أولا الى ضعف البرنامج السياسي لأطراف المعارضة الرئيسيين وأخص بالذكر ” جبهة الخلاص الوطني ” الذي انتمي اليها قبل أن أشير الى الآخرين وعدم حسم الموقف من القضايا السورية الوطنية المفصلية التي ذكرناها أعلاه ونقل البعض للارث الماضي المثقل ببذور الشقاق وثقافة الغاء الآخر الكردي بالدرجة الأساس وجودا وحقوقا واثارة الشكوك تجاه المكونات القومية والدينية والمذهبية الأخرى الأقل عددا والتي كانت مهمشة على مر العقود مما يخلق كل ذلك انطباعا سلبيا وردود أفعال لصالح الميول الانعزالية ويشيع في الوقت ذاته المزيد من الحذر والريبة باتجاه تحسين شروط الاستقطابات الجانبية على حساب الانتماء الوطني الجامع والمعبر عن مصالح ومطامح المجموع ويلعب مريدو الاسلام السياسي الأصولي وأرباب الطائفية السياسية الدور الأكبر في تفاقم مخاطر هذا الخلل في وحدة المعارضة .
الحقيقة الخامسة : الفعل المعارض فردي أو جماعي فكري وثقافي وسياسي حق مقدس للجميع ولكل سوري الى أية قومية أو دين أو مذهب انتمى أن يمارس قناعاته بكل حرية اينما كان وحيث ما وجد ومنظمات المعارضة القائمة يجب أن لا تكون حكرا للون معين أو أداة لاعادة انتاج الفتن االقومية والدينية والمذهبية ان بالتنكر لوجودها أو الانتقاص من حقوقها من جهة أخرى واذا كانت هناك شكوك بحسب ما يزعمه كتاب ومثقفون سورييون في تورط البعض في السابق في ممارسات ذات طابع عنصري أو مذهبي وانتقل هذا البعض الى صفوف الشعب والتزم برنامج المعارضة فعلينا الترحيب به وافساح المجال له ليعبر عن الماضي بطريقة انتقادية حاسمة وينتظر حكم القضاء في سورية الجديدة اذا لزم الأمر .
الحقيقة السادسة : الشعور السائد في أوساط أطياف المعارضة المعلن منه أو المستتر ينم عن القلق في افتقار صفوف ما هو قائم من تجمعات ومن بينها – جبهتنا – الى ممثلي المكونات الوطنية السورية كافة ووجود فراغ مفزع في هذا المجال واقتناع الجميع تقريبا بعدم قدرة طرف معارض واحد بمفرده في احداث التغيير والاصلاح وانجاز المهام من أجل سورية الجديدة المنشودة والاقتراب من حالة اليأس في جدوى المعارضة وجديتها وصدقيتها بوضعها الحالي في وقت يمر فيه النظام بأصعب الظروف السياسية ويقترب من النهاية المحتومة وينتظر فيه الشعب السوري من يبادر في تحريره وخلاصه .
الحقيقة السابعة : غائبة وعلينا استحضارها وهنا أعلنها بكل صدق ووضوح أننا في المكون الكردي الوطني مجموعات وأفراد حزبيين ومستقلين منتمين الى أطياف المعارضة وغير منتمين سنكون خير عون بحكم طبيعة حركتنا العلمانية الديموقراطية ودورها في تعزيز الصداقة والتلاحم بين المكونات السورية كافة لتحقيق مبادرة للقاء عام – تتحكم فيه بطبيعة الحال ظروف المكان والزمان من حيث العدد والسرية أو العلنية – فلنسمه مبادرة كردية للقاء التعارف والمصالحة والتنسيق بين جميع أطياف وأفراد ومسميات المعارضة الوطنية في الداخل والخارج للوصول الى ميثاق وطني ملزم وبرنامج سياسي مشترك وصيغة تنظيمية واقعية مناسبة تؤسس لمعارضة حقيقية متماسكة تكون عصية على محاولات اختراقات نظام الاستبداد الجارية دائما وأبدا وتنال قبول واحترام الآخرين من القوى الاقليمية والدولية .
ان ابراز هذه الحقائق المتوجة بالمبادرة ونشرها في وسائل الاعلام بدلا عن توجيهها برسائل الى القوى المعنية هو محاولة في توسيع دائرة النقاش حولها بشفافية واغنائها من جانب الساسة والمثقفين والكتاب من سائر فئات الشعب السوري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *