الرئيسية » مقالات » مام جلال العزيز – والشمس أشرقت من جديد

مام جلال العزيز – والشمس أشرقت من جديد

لو كان الشاعر أبو الطيب المتنبيء ماليء الدنيا وشاغر الناس حيا اليوم لأنشد من جديد، ليس في رثاءٍ، إنما في حزنٍ وأسى لمرض مام جلال، وهو مجدد فكر الكوردايتي بتجديد الحركة التحررية الكوردستانية بعد نكسة آذار عام 1975:
والشمس في كبد السماء مريضة
والأرض واجـفة تكـاد تمـور

فيه الفصاحة والسّماحة والدُجى
واليأس أجمع والحجبُ والخْير

ذلك هو مام جلال، بكل بساطة، بعيدا عن الألقاب، وهو لايحبها، لأنه يريد أن يكون مع الناس، وليس فوق الناس. اللقب المحبب إليه هو “مام جلال” وليس الرئيس مام جلال. فالشرفاء من أبناء الشعب الكوردي عاشوا فترات عصيبة لمرض مام جلال. عاشوا على الأعصاب وهو يخضع للعلاج في الأردن العزيزة، وفي قلبه كل كوردستان والعراق.
غابت الشمس من سماء الطبيعة المتعطشة للوفاء لهذا الذي حطم أسطورة النكسة الكوردية ليحمل مشعل الحرية من جديد، وتلتف حوله الجماهير، لتلتقي في نفس الطريق مع أخيه الرئيس مسعود البارزاني. وبالنضال والتلاحم والتعاون، يصبح هذا رئيسا وذاك رئيسا، والجماهير الكوردستانية حولهما، وقد هجروا الخلافات، ودخلوا ميدان التلاحكم والنضال في كوردستان وفي العراق، ومعهما شعب كوردستان في عراق ديمقراطي فيدرالي برلماني تعددي.

خيّمّ الحزن على الأغلبية الغالبة من أبناء الشعب الكوردستاني والعراقي بغروب الشمس، ولكن ظن بعض الحاقدين في بعض المناطق دون تحديد كرديا كانت أو عربيا أن الشمس غابت ولن تشرق من جديد. من المؤسف أن يحتفل البعض فرحا لمرض مام جلال وهو في الطريق إلى المستشفى في حالة خطرة. كنتُ أترقب الأحداث، دون ذكر الأسماء، لأقتنع من جديد، أنه لازال هناك بين أبناء شعبنا حاقدون على القيادات الكوردستانية والشعب الكوردي. نحن نعترف أن للقادة أخطاء، فمن لا يعمل لا يخطأ، ولكن النقد شيء، نقبله، والحقد شيء آخر نرفضه، والكره بيننا نمقته.
صدق الشاعر:
كل العداوة تُرجى مودتها إلاّ
عداوةَ مَن عادا عن حَسـَدِ
نحن لا نميز بين قياداتنا من البارزاني إلى الطالباني، ومن الطالباني إلى البارزاني. نفرح بانتصاراتهم ونحتفل بأعيادهم، ونحزن لمرضهم، ونتألم لإخفاقاتهم. ننقدهم على أخطائهم، ونصفق لإيجابياتهم، وفي كل الحالات، يتحمَل الجميع المسؤولية المشتركة قادة وقاعدة في النضال المشترك حتى النصر.

هناك مَن يعيش بيننا وهو يحتفل بمرض قادتنا الذين ضحوا ولا زالوا يضحون من أجل هذا الشعب الفقير المسكين الأسير. ننقد كما ينبغي أن ننقد، ونحب كما يجب أن نحب، ولا نعبد الأشخاص، ولا نتملق، بل نقول الحقيقة، ونحترم ونقَدر كل الذين يناضلون من أجل الشعب والوطن. وحذار من الذين لا يجيدون إلاّ التملق لأصحاب السلطان من أجل المناصب والأموال، لأنهم لايفكرون إلاّ بانفسهم.

هناك بعض الكتاب لايجيدون إلاّ لغة الشتم والمهاترات ضد القادة الكوردستانيين. وأتأسف أن اقول أن منهم مَن يتهجم، بدلا من أن ينقد، والتهجم لا يحل أي مشكلة. مثل هؤلاء لا يفكرون أن القادة الكورد محاطون بالأعداء من كل الجهات، والأعداء يريدون أن ينالوا منهم بكل الوسائل. القادة الكورد بكل ايجابياتهم وسلبياتهم يتعرضون للأخطار الجسيمة، وهم في عمل متواصل، وفي ارهاق ينبغي فهمه. ففي العراق اليوم منظمتين إرهابيتين، هما فرقة الرعب، ومنظمة القتل، أسستا خصيصا لتصفية القيادات الكوردستانية. وعليه فإن الواجب الوطني يتحتم كل كردي شريف، أن يتخذ مسؤوليته، في هذا المضمار بحماية القيادة، وعدم كشف الأسرار، والابتعاد عن الاهانة والتشويه. مع الاحتفاظ بالنقد النزيه المفعم بالمسؤولية الفردية والاجتماعية. فالشعب الكوردي محاصر من جميع الجهات، ولذلك فإن غياب رموز الشعب، ولا سيما البارزاني والطالباني يعني نكسة في القضية الكوردستانية بكل أبعادها الوطنية والقومية والاستراتيجية. بل أن مرض واحد منهم، يؤدي إلى الفراغ وعلامات الاستفهام، ولا يستفيد منها إلاّ الأعداء. فبدلا من التضامن والتعاون بين الكورد بكل إتجاهاتهم واختلافاتهم المشروعة، احتفل البعض بمرض مام جلال دون أي احساس بالمسؤولية الوطنية.

مرضُ مام جلال، وغيابه عن كوردستان والعراق لبضعة أيام، اثبت حجم هذا الرجل، وعظمة دوره. غابت الشمس، ثم أشرقت من جديد. فالحياة حق والمرض حق، والموت حق، ولكل واحد قدره المحتوم، ولكن ضوء الشمس تبقى مشرقة حتى بعد المغيب. لقد عرف الشعب الكوردي حجم هذا القائد الأنسان أكثر من قبل حين غاب، والنظرة ثاقبة تنتظر الشفاء، وكان الشفاء والحمد لله. نعم ترك الإنسان فراغا كاد يكون قاتلا في الظلام، فإذا بالعتمة تنقشع، وإذا بالخلاّن يفرحون، وإذا بالحاقدين يذهبون.
فما أروع قول شاعرنا (أبو تمام الطائي)
وإذا أراد اللـه نشر فضيلة
طويت أتاح لها لسان حسود

مرحبا بك من جديد، مام جلال العزيز. الشعب يستقبلك كما أنت في القلوب، وستبقى كذلك من قريب ومن بعيد.
وصدق الإمام الشافعي في قوله حين عبر عن حقيقة الناس في حبهم لهذا يوما، وكرهم له يوما، تعبيرا عن المرائين والمنتفعين:
إني صحـبتُ أناسـا مالهم عـدد
وكنتُ أحسـبُ أني قد مـلأتُ يدي

لَـما بلـوتُ أخـلاّئي وجـدتُهـم
كالدهرِ في الغَدْرِ لم يبقوا على أحد

إن غبتُ عنهم فشرَّ الناس يشتمني
وإن مرضْتُ فخـير الناسِ لم يـعُدِ

وإن رأوني بخـيرٍ ساءهم فرَجي
وإن رأوني بِشـَرٍ سَـرَّهم نَكـّدي

3/3/ 2007
* الكاتب مستقل