الرئيسية » مقالات » مشاهد فيلية.. البرزاني

مشاهد فيلية.. البرزاني

صورة في الجرائد تظهر شخصاً ، شامخ النظرة مبتسم، يلبس لباساً مألوفاً ، انه الزي الكردي. لم يكونوا ليعرفوا من هو هذا الشخص، لكنه حضي بأهتمام كبير في الاسرة، حتى ظنوه قريباً لهم. خاصة كانوا فرحين وهم يتحدثون عنه وعن عودته، اذ ربما يكون من الاخوال، لانهم تعودوا على غيابهم وظهورهم المفاجئ ليغيبوا ثانية. كم صحوا على صوت بكاء امهم وهي تناجي إولئك الغياب، ففهموا انها طريقتها للتعبير عن مدى شوقها لهم.


قالت الام “أن الله استجاب لدعاء عمتي أخيراً”. ( كانت لها عمة وحيدة تحبها وتحترمها كثيراً، وكانت تزورها في فترات متباعدة، عادة تذهب بمفردها ، وتلك كانت الاوقات الوحيدة التي تكون فيها بعيدة عن بيتها، لذا كانت هذه الزيارات تأرق ابناءها، وخاصة ابنتها الوسطى الشديدة التعلق بها). ورددت: “ستحضى مجدداً برؤية أبناءها”. وتحدثت عن أحدهم، كيف هرب من المعتقل ولجأ الى ايران، وكان في نية السلطات الايرانية تسليمه الى العراق، لولا تدخل العشائر الكوردية الفيلية ،واحتضانهم له. وكيف دعموه في فتح عيادة طبية في طهران، وكان من امهر الجراحين واشهرهم، ومن المتخرجين من الدفعات الاولى لكلية الطب في جامعة بغداد. كان قد ساهم في تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في آب من عام 1946 ، وتأثر به اخوته وأخواته وخطوا على نفس خطاه، لذا كانوا محط ثقة الرجل الظاهر في الصورة. حاولوا ان يحفظوا الاسم فربطوا بينه وبين كلمة ( برز) التي تعني عالي باللغة الكردية. أنه كان البطل الكردي الخالد مصطفى البرزاني.
كانت الاجواء متفائلة بين صفوف الكورد. وتأملوا ان الحكم الجديد، الذي جاء لتحقيق أماني الشعب، سيحقق لهم بعض أحلامهم.
تمر الايام ثقيلة يعود الاب للبيت مبكراًعلى غير عادته، يختلي بزوجته فيبدوا عليها الاضطراب وتكرر ” يا ستار، الله يحفظ”. في اليوم التالي جاء نبأ اعتقال ابن خالتهم، الطالب في السنة النهائية من الثانوية، لاشتراكه في تظاهرة تطالب بالسلم في كوردستان نظمها الحزب الشيوعي العراقي.
كانت العمليات العسكرية قد بدأت، والطائرات الحربية تقصف قرى كوردستان العراق وثراها. لجأ الابطال الى الجبال، كمحاولة جديدة في طريق نضال الكورد الطويل من أجل حقوقهم القومية المشروعة. كانت ثورة أيلول الكوردية بقيادة الرمز الكوردي التاريخي البرزاني الاب عام 1961 قد اندلعت، وشعار ” يا كوردستان يا نه مان” قد رفع. وترددت المقولة الكوردية ” اعطني صخرة وبندقية وليأتني العالم كله” للتعبير عن مدى التحدي.

بعد أيام تحدثوا، ان ابن خالتهم، قد جاءت به مجموعة من الشرطة مع قائدهم الى البيت، ليلاً. لم يفهموا معنى هذه الخطوة سوى متأخراً. كان يمكن ان يطلق صراحه في تلك الليلة بدفع ( رشوة بسيطة)، ولكنهم تعففوا عن فعل ذلك لسببين. الاول لان الرشوة حرام، والثاني خشيتهم ان لا يقبلوا الرشوة وبذلك يؤثروا على موقف ابنهم، وكانوا يأمنون ببراءته. لكنه دفع ثمن ما يمكن ان نسميه هفوة، سنين طويلة من عمره الطري في السجن، كاد ان يفقد خلالها حياته مرتين، مرة في رحلة قطار الموت المعروفة، الى سجن نقرة السلمان الصحراوي، ومرة أخرى عندما اصطفهم الحرس القومي في السجن على الارض، لسحقهم بدبابة، ولكن محاولة انقلابية فاشلة قادها الونداوي، كان سبباً لانقاذ حياتهم في آخر اللحظات. عندما حلقت طائرات فوق السجن، فأنشغل الحرس القومي، بالدفاع عن انفسهم، ونسوا ما كان في نيتهم فعله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *