الرئيسية » شخصيات كوردية » مصطفى البارزاني قائد عظيم لشعب عريق يعشق الحرية

مصطفى البارزاني قائد عظيم لشعب عريق يعشق الحرية

قبل أكثر من ٣٥ عاما, عرفت الكرد وعشقت الشعب الكردي, رغم ان علاقاتنا الاسرية والتجارية والاجتماعية مع الاكراد في كردستان والنجف الاشرف تمتد الى ما قبل ولادتي حيث كنت اسمع منذ الطفولة ان الانسان الكردي يتميز بالصدق والامانة و بوفاء العهود فاذا وعد أوفى واذا أتمن صدق واذا قال فعل, وصار اقتران صفة الوفاء بالكرد مضربا للمثل بين العرب في الفرات الاوسط وجنوب العراق فضلا عن مميزات الشجاعة في القتال والصلابة في المواقف لما لطبيعة كردستان وتقاليد وعادات الكرد المتوارثة جيلا بعد جيل من تأثيرات على شخصية الانسان الكردي.

وقد ارتفعت وتيرة العلاقة والمحبة بيني وبين شعب ميديا كثيرا , فقد اقتربت منهم و من همومهم وتفكيرهم واقتربوا مني أكثر وعرفت جيدا جوهر الصراع بين انظمة الحكم العربية العنصرية وطموحات الكرد القومية والانسانية المشروعة وعرفت كثيرا من اساليب النهج العدواني ضد الكرد , وقد كنت سعيدا بالعلاقة الحميمة الدافئة بيني وبين شعب أصيل وحي قاوم العبودية والاستبداد بشجاعة و قدم القرابين من أجل الحرية والحياة الحرة الكريمة ولم تمنع رغبته الجامحة في نيل الحرية ورفض الدكتاتورية وكل أشكال الاضطهاد واستعمال السلاح الفتاك والمحرم دوليا الذي استخدم ضد المدنين الابرياء في مناسبات متعددة ولا حتى جرائم الابادة التي فاقت في نمط بشاعتها كل ما قرأناه عن اساليب النازية الوحشية وما شاهدناه من طرق اجرامية في معتقلات النازية خلال زياراتي الى بعض دول العالم ومتاحفها التاريخية.

والشعب الكردي جزء من أمة عظيمة مجزأه ومغبونة تاريخيا وسياسيا. وهو شعب تواق للحرية والحياة الحرة القائمةعلى اساس حقوقه الثابتة في الديانات والمواثيق الدولية وحقوق المواطنه والتطلع نحو المستقبل المشرق في تحقيق امانيه القومية الثابتة والمشروعة وفي رفض الصهر القومي والتعريب وهو شعب عاشق للجبال لانها ملاذه الامن من سلاح العنصرية ومن اضطهاد الفكر الشوفيني الضيق ومن ممارسة الانظمة الخارجة عن القانون التي تعاقبت على ارض الشرائع في العراق.

وكنت من أسعد الناس حين شاهدت زميلاتي ( هلاله, له نجه, أنعام, هيرو, نسرين, وبروين وغيرهن من الجميلات ) وهن بملابسهن الكردية الزاهية الالوان مع زملائي في ساحة كلية الحقوق بجامعة بغداد يرقصون الدبكة الكوردية بفرح غامر بعد اتفاقية اذار في نوروز عام ١٩٧٠ التي وضعت حدا للاقتتال بين الاخوة العربية – الكردية بعد سنوات مريرة من القتال المؤسف بين الاهل في البيت الواحد , ولم يدر في خلدي يوما ما انها فرحة لن تدوم, ولم اعرف ان الغدر من طبيعة نظام البكر – صدام وحزب البعث الذين يكرهون الفرح للعراقيين ويسعون الى خراب العراق والعبث بامنه واستقراره حيث جاءت سلسلة خطوات غادرة بعد اتفاقية اذار المذكورة في تهجير خيرة الناس وهم الكورد الفيلية ( خط الدفاع الاول في الحركة الوطنية الكوردية والعراقية عموما ) وتلتها سلسلة من الجرائم الدولية في اتباع سياسة التهجير والتعريب والاختفاء القسري لمئات الالاف من الكورد كان من بين الضحايا اصدقائي واحبتي ربطتني واياهم اجمل الذكريات.

وما ان اشعل صدام فتيل الحرب ضد الجارة ايران حتى قام صدام ونظامه الدموي بضرب حلبجة وقلعة دزه وغيرها من المناطق بالسلاح الكيماوي والغازات السامة وهدم اكثر من ٤٥٠٠ قرية حدودية بحجة الحفاظ على الامن الوطني من ( المخربين !!) كما اختفى اكثر من ١٨٢٠٠٠ كوردي و٨٠٠٠ من عشيرة البارزاني واكثر من ٧٠٠٠ كوردي فيلي دون ذنب يذكر وهو اعلى رقم في تاريخ العالم بعد الحرب العالمية الثانية من المختفين. بل لقد جرت سلسلة من الجرائم الدولية ضد الشعب الكردي امام انظار العالم والدول العربية والاسلامية دون أي تحرك مطلوب في نصرة شعب أمن ومسالم يريد الحياة الكريمة دون اضطهاد وتمييز ويقاوم الابادة.

الفرق بين الرمز الوطني وعبادة الاشخاص
ليس هناك أدنى شك في ان هناك فرقا كبيرا بين الرمز الوطني والقومي في حياة الشعوب والامم لوحدة صفوفها وقيادتها نحو تحقيق تطلعاتها المشروعة وتثبيت حقوقها, وبين عبادة الشخصية او الصنم في الانظمة الدكتاتورية او ذات الحزب الواحد او الصنم الواحد كما هو الحال في كثير من انظمة الحكم الشمولية مثل الاتحاد السوفيتي سابقا ورومانيا في ظل عهد شاوشيسكو والعراق حاليا في ظل حكم صدام الدموي منذ عام ١٩٧٩ وحتى الان.
غير ان الشعوب الحية لابد ان تحترم قادتها ورموزها الوطنية والقومية وتحيي المناسبات التي تثمن دور القادة في حياة الشعوب, وبالنسبة للشعب الكردي الذي قدم الكثير من التضحيات من خلال حركته التحررية الوطنية التي انطلقت منذ مطلع القرن العشرين – اي قبل بداية تاسيس الدولة العراقية – من خلال ثورة الشيخ محمود الحفيد وما اعقبها من ثورة الشيخ عبد السلام والشيخ احمد البارزاني ومن ثم ثورة القائد الملا مصطفى البارزاني في ايلول عام ١٩٦١ الذي عد من أشهر القادة الكرد واصلبهم في مقاومة الدكتاتورية وفي قيادة الشعب الكردي نحو اهدافه القومية المشروعة من خلال نضال طويل وشاق بحكمته وصبره الذي أذهل العدو قبل الصديق.
وعلى الرغم من هناك العديد من الاحزاب الكوردية التي شكلت جزءا من الحركة الوطنية العراقية بعد الحرب العالمية الثانية ومنها مثلا ( حزب هيوا وحزب شورش ورزكاري وغيرها ) الا ان الحركة التحررية الكوردية تنسب من الناحية الفعلية الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي تاسس في ١٦ اب من عام ١٩٤٦ حين انضمت هذه الاحزاب الصغيرة في كونفرس الحزب المذكور واختارت طيب الذكر مصطفى البارزاني زعيما للحزب بالاجماع لما يتمتع به من احترام وتقدير من الشعب الكردي .كما كان للاكراد الفيلية دورا فاعلا في انشاء الحزب المذكور منذ البدايات الاولى للتاسيس ولا يمكن نكران دور الرعيل الاول ومنهم مثلا الدكتور جعفر محمد كريم وحبيب محمد كريم و زكية اسماعيل حقي وجليل فيلي والرعيل الثاني ومنهم عادل مراد وعبد الرزاق فيلي وسعدون فيلي وغيرهم من خيرة ابناء العراق في الحركة القومية الكردية التحررية. وكان هذا التنظيم للشعب الكردي من الامور البديهية بفعل ازدياد الوعي وانتشاره بين المثقفين الكرد حيث نشأت العديد من الاحزاب العربية بعد ذلك نتيجة الوعي القومي وانتشار الافكار اليسارية انذاك ولغيرها من الاسباب.

غير ان بدايات انطلاق الثورة الكوردية المنظمة كانت بقيادة البارزاني في ايلول عام ١٩٦١ لما تعرض له الكورد من ظلم واضطهاد وتمييز ضد حقوقهم القومية المشروعة. وظل الكورد يناضلون من اجل طموحاتهم المشروعة كعراقيين بين مد وجزر بقوة السلاح تارة وبقوة الكلمة تارة اخرى رغم الانشقاقات التي حصلت في الحركة التحررية الكوردية عام ١٩٧٥ بعد اتفاقية الجزائر في ٦ اذار عام ١٩٧٥ وهو امر طبيعي في الشعوب الحية المناضلة مثل الشعب الكوردي. فهذه الانشقاقات زادته صلابة وقوة في الدفاع عن حقوقه والتمسك بهويته القومية رغم حملات التعريب الهمجية وجرائم ابادة الجنس البشري التي قادها نظام صدام سواء في المناطق الكوردية مثل كركوك وخانقين ومندلي وزرباطية وغيرها ام في طرد السكان الاصليين ومنهم الكورد الفيلية الذين هم من خيرة ابناء العراق الذين لم يسجدوا للطاغية والذين تعرضوا الى اضطهاد مزدوج لانهم من الكرد ولانهم من اتباع أهل البيت وبسبب دورهم الوطني المشرف في تاريخ العراق السياسي والاقتصادي وفي مقاومة فكر عفلق والياس فرح والبيطار وتلميذهم صدام ( مخرب العراق وجالب الكوارث والحروب ).

من هم الكرد ؟
الشعب الكردي جزء من الآمة الكردية العريقة المجزأه بين دول متعددة حيث يعود تاريخ الكرد الى أكثر من ٥ الاف عام وجدوا على أرضهم التي تسمى ب ( أرض الكرد أو كردستان ) التي هي وطن الكرد .وقد ورد اسم الكرد القديم ( الميديون ) في الكتب القديمة ومنها التوراه او الوصايا القديمة
( العهد القديم ), ولهذا فان وجود الكرد على ارضهم في غرب ايران وجنوب تركيا حتى سنجار وجبال حمرين هو ثابت تاريخيا مما يعد وجود الكرد في أرض الجبال او اقليم الجبال ( ميديا ) هو اسبق من الشعوب الاخرى , وقد انقسمت هذه المنطقة فيما بعد و لاسيما بعد الحرب العالمية الاولى وتجزأت الامة الكردية الى شعوب تسكن في كردستان العراق , ( كردستان الجنوبية ) وفي غرب ايران وفي كردستان الشمالية في تركيا وكذلك في سوريا, هذا بالاضافة الى وجود اعداد غفيره هاجرت بحثا عن الامان الى الاردن ولبنان وغيرها.

ونشير الى الكرد الفيلية, وهم جزء من هذه الامة الكردية, حيث يذكر العديد من المؤرخين الى انهم من بقايا العلاميين او الكوتيين في وسط وجنوب العراق ( مندلي, بدره, جصان, خانقين, زرباطية, كركوك, بغداد وغيرها من المدن العراقية الى جانب المدن الايرانية الاخرى ). والكرد الفيليون ينحدرون من عشائر كردية معروفة عاشت في منطقة خوزستان وشرق العراق وبخاصة في شرق دجلة وهي من اقدم المناطق التاريخية في العراق والتي نشأت عليها اقدم الشرائع.

والحقيقة ان اصل اطلاق تسمية ( الكرد الفيليون ) جاءت من اطلاق تسمية المؤرخين العرب على الاكراد الذين جاءوا من كردستان ايران ( جبال زاكروز ) والذين نجحوا في الاندماج منذ مئات السنين بالمجتمع العراقي ونجحوا في امتهان العمل التجاري والزراعي والصناعي وبرزوا اكثر في ميدان الحركة الوطنية العراقية عموما وبوجه خاص في نشاطهم الوطني العراقي ضمن صفوف الحركة التحررية الكردية وضمن صفوف الحزب الشيوعي العراقي والحركات السياسية الاخرى مثل حزب الدعوة, بل ظهرت اسماء لامعة من بين الاكراد الفيلية في الحركة الوطنية العراقية وتاريخ العراق السياسي. ولهذا تعرض الكرد الفيلية الى ابشع صنوف الاضطهاد والظلم في ظل انظمة الحكم المتعاقبة في العراق وبخاصة منذ حكم البعث الاسود عام ١٩٦٨ وبلغ اشد ه عقب اتفاقية اذار عام ١٩٧٠ واثناء الحرب ضد ايران التي شنها نظام صدام عام ١٩٨٠.

والكرد الفيلية, مواطنون عراقيون, ينتمي اغلبيهم الى مذهب اهل البيت وهو المذهب الشيعي وهناك عدد اخر قليل منهم من غير الشيعة, وهم شعب مسالم تميز بوفاء العهود واحترام المواثيق والصدق والامانة في نشاطاتهم التجارية والاقتصادية عموما ولم تتلوث سمعتهم بأي عمل ارهابي او باعمال العنف السياسي. وهنا يذكر البروفيسور خليل اسماعيل محمد ( كولان العربي ١٠-٢٠٠٢ ) : الكورد الفيليون الاصل الحقيقي للشعب اللوري والاخير هم قسم من الامة الكردية وفقا لما جاء في موسوعة شمس الدين سامي وغيره من المعاجم والمؤلفات. كما يشير ( مينورسكي ) ان اللور هم قبائل رحالة يعود اصلها الى شعوب الهندو – اوربي.

واذا كان الكرد من الشعوب القديمة المسالمة فهم يسعون مثل باقي الشعوب الى العيش بحرية وممارسة حقوقهم الانسانية التي تقرها الديانات والاعراف والقوانين الوطنية والقانون الدولي والاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الملحقة به, وهي حقوق ثابتهة سلبت منهم دون مبرر وحجبت عنهم دون سبب مما اضطروا الى الدفاع عن وجودهم وعن حقوقهم بالقوة وهو طريق مشروع للاحرار فالشعوب لا تموت.

من هو القائد مصطفى البارزاني ؟
اقترن اسم الكرد مع شهر نوروز او شهر اذار من كل عام حيث تضمن هذا الشهر العديد من المناسبات المفرحة والمؤلمة للشعب الكردي, فهو شهر تعرض فيه الكرد خلاله الى ابشع صنوف الجرائم والابادة وهو شهر تضمن مناسبات مفرحة واعياد مايزال يتذكرها ويحيها الكرد متجاوزين جروحهم منادين بالسلام و ينشدون بالتسامح من موقع القوة. ففي نوروز ( اذار ) حصلت جريمة حلبجة التي راح ضحيتها اكثر من ٥٠٠٠٠ مدني قتلوا بالسلاح الكيماوي والغازات السامة في ١٦ اذار من عام ١٩٨٦ وفي ١٤ نوروز ١٩٠٣ ولد القائد العظيم البارزاني في قرية بارزان وفي ١ اذار ١٩٧٩ توقف قلب البارزاني في المنفى وفي ١١ اذار من عام ١٩٧٠ ولدت اتفاقية اذار ثم تخلى عنها نظام نظام البعث وصدام وتنصل من بنودها ناكثا العهود وفي ٦ اذار عام ١٩٧٥ وقع صدام وشاه ايران اتفاقية الجزائر التي فرط بموجبها صدام بنصف شط العرب لقاء تخلي شاه ايران عن دعم الثورة الكردية وفي ١ اذار عام ١٩٩١ انطلقت شرارة الانتفاضة الباسلة في كردستان ضد حكم الطاغية وتحررت كردستان من الحكم العنصري الصدامي.

والبارزاني كان أكثر زعيم قوميّ كرديّ بارز في تاريخ الحركة التحررية الكردية وهو رئيس الحزب الديموقراطي الكردستاني ( KDP ) وعندما مات في ١ مارس ١٩٧٩ في مستشفى جورج تاون في واشنطن رثاه الملايين من الأكراد و الآخرون من اصدقاء الكرد والمحبين للشعب الكردي. ولهذا ستبقى ذكراه حيّةً في قلوب كلّ الأكراد الذين يساندون الأهداف التي ناضل من اجلها وقدم التضحيات الكثيرة للوصول اليها و جاهد من أجلها كلّ حياته. ولذلك سيبقى مصطفى البارزاني شخصيّةً كردية – عراقية فذّةً في تاريخ الشّعب الكرديّ و سيبقى مصدر الإلهام و المثل للشبابّ الكرد وهو الذي يلقب بالاسطورة الجبلية و الذي لم يتردّد في التزامه بالصّراع الكرديّ من اجل الوصول للسّلام و الحرّيّة و الدّيمقراطيّة.

ولابد من بيان موجز عن حياة البارزاني الشخصية للوقوف على تكوين شخصيته ودوره في الحركة التحررية الكردية كقائد كردي وعراقي يستحق الاحترام:
• اعتقل مع أمّه في سجن الموصل في عام ١٩٠٦, بسبب مقاومة عشيرته للحكم العثماني وهو في
عمر ٣ سنوات.
• شارك بدور فاعل في ثورة شيخ محمود الحفيد في عام ١٩١٩ وكان تحت قيادته ٣٠٠ رجل
مسلح.
• عام ١٩٣٢ قاومت قوات البارزاني الحملة الحكوميّة العراقيّة ثم اضطر الذهاب الى تركيا مع
قوات البشمركة بينما اعتقل شيخ احمد البارزاني وسلم الى الحكومة العراقية وحين عاد
البارزاني الى الموصل اعتقل ايضا.
• تعرض الى النفي لبلدان مختلفة للفترة ما بين ١٩٣٢-١٩٤٣
• عام ١٩٤٥ عين قائدا للجيش في جمهورية مهاباد التي شكلها القاضي محمد الذي اعدم فيما بعد.
• ١٩٤٦ اسس الحزب الديمقراطي الكردستاني وبقي رئيسا للحزب حتى تاريخ وفاته عام ١٩٧٩.
• قاد الثورة الكردية من ايلول ١٩٦١ حتى عام ١٩٧٥ حيث ذهب الى ايران ثم الولايات المتحدة
الامريكية للعلاج من سرطان الرئة حتى توقف قلبه في عام ١٩٧٩ واعيد دفنه في بارزان
القرية التي ولد فيها في كردستان العراق .ثم تسلم الراية من بعده اولاده أدريس الذي توقف قلبه
عام ١٩٨٧ ( والد الاستاذ نيجرفان رئيس وزراء حكومة أقليم كردستان ) والسيد مسعود
( أبو مسرور ) مع نخبة من خيرة الاحرار الكرد.

وقد تعرض البارزاني واسرته وعشيرته وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني الى العديد من محاولات الغدر والاغتيال والتصفية كان من ابرزها محاولة تفجير مقر البارزاني حين زاره وفد ديني في 29 ايلول بعد مرور فترة قصيرة من توقيع اتفاقية اذار للسلام وكانت محاولة غادرة بتخطيط من صدام حين كان يشغل منصب نائب الرئيس, كما اغتيل بعض اولاده في بغداد وجرت محاولة اغتيال نجله السيد مسعود البارزاني عام ١٩٧٩ واغتيل العديد من رموز الحركة الكردية من الخط الاول كما جرى تسميم العديد منهم بمادة الثاليوم ومنهم مثلا الدكتور محمود عثمان وعدنان المفتي واختفى السيد دارا توفيق و اغتيل السيد صالح يوسفي بطرد ملغوم في بغداد …هذا عد ممارسات العسف والاضطهاد التي كانت تمارس بوحشية ضد الشخصيات الكردية المستقلة المناصرة للحقوق الكردية ولموقف البارزاني ومنهم مثلا المهندس نوري محمد أمين ( أحد مؤسسي حزب شورش عام ١٩٤٥ ) والاديب الكردي محرم محمد أمين الذي اغتيل عام ١٩٨١ في مدينة السليمانية.

لقد وصف البارزاني العديد من الشخصيات التي قابلته او سمعت عنه بأوصاف الشخصيات العظيمة فهو عزيز النفس شديد التواضع ومتسامح يتمتع بشخصية جذابة يحترمها الجميع ويحب الضيوف ويكرمهم انسجاما مع التقاليد العشائرية للكرد وهو يفكر دائما بقضية شعبه من منطلق الحكمة والصبر والثقة بالنفس وكان يرفض الالقاب مثل الزعيم الاوحد او الاستاذ او غيرها من الاوصاف وقد انعكست هذه الشخصية وصفاتها على اولاده واحفاده, واذكر حين التقيت الاخ الفاضل كاك مسعود البارزاني للسلام عليه في لندن يوم ١٥ ديسمبر ٢٠٠٢ على هامش مؤتمر المعارضة العراقية انه كان في غاية الادب والتواضع والاخلاق الرفيعة.

والبارزاني – رحمة الله – كان يرفض سياسة العنف والتطرف واي عمل ارهابي ولا يقبل اي تصرف يدل على الغدر مثل الاغتيالات السياسية التي لم تمارس طيلة فترة النضال للحركة التحررية الكردية ولهذا فقد قال عنه الرئيس الراحل عبد الناصر كلمات مثيرة تليق بمقامه حين قابله في القاهرة كما كان يتمتع باحترام الزعيم عبد الكريم قاسم وقال عنه الرئيس حسني مبارك انه رجل عظيم يستحق القراءه عنه.

الاخوة العربية – الكوردية والمصير المشترك
لم يكن الكرد وحدهم من ضحايا النظام الدكتاتوري وحكم صدام و إنما تعرض العرب والتركمان والآشوريين لجرائم بشعة مثل تدمير وتسميم الاهوار في جنوب العراق وتقييد الحريات العامة وهدم المنازل ومصادرة الأموال والمنع من السفر والتصفيات الجسدية التي أصابت الآلاف منهم وكذلك تصفية العديد من التركمان والاشورين.

و مع ذلك فقد تميزت العلاقات العربية – الكردية بخصوصية كبيرة قائمة على التلاحم الأخوي والشراكة في الوطن إلى جانب روابط المصاهرة الحميمة بين العشائر العربية والكردية. ولم يمنع اختلاف القومية أو الدين أو الفكر السياسي أو المذهبي من وجود روابط أخوية متينة بين العرب والكرد.ولم يشعر في أي يوم من الأيام أن العرب هم غرباء عن الكرد أو أن الكرد هم غرباء عن العرب.

ولعل العامل الأول في ترسيخ هذه الروابط هي وحدة الوطن والمصير المشترك والرغبة الصادقة في نبذ الاستبداد ومقاومة الطغيان والتطلع إلى الحرية منذ الاحتلال العثماني وحتى أثناء عهد الاستبداد الأخير من جرائم النظام حيث لحق الكرد أضرار بالغة في أرواحهم وثرواتهم وأولادهم و أملاكهم وكيانهم ومشاعرهم الإنسانية وقد تمثلت في سياسة التعريب والتطهير العرقي والتبعيث بفرض العقيدة السياسية وغيرها من الجرائم الدولية التي لم تنل من الاخوة العربية – الكردية لأنها جرائم مرتكبة من مجموعة من المجرمين الدوليين لا بد من أن يقدموا إلى العدالة الدولية. ..

ولعل من المفيد أن نذكر بالفتوى الدينية التي أرادتها حكومة نظام عارف و من ثم حكومة البكر من سماحة أية الله العظمى السيد محسن الحكيم لضرب الأكراد وقمع الثورة الكردية عام ١٩٦٣ إلا أن سماحة السيد الحكيم رفض ذلك رفضا قاطعا داعما الثورة الكردية قائلا لوفد النظام – آنذاك – قولة المعروف ( كيف نعطي فتوى لمحاربة الكرد وهم اخوتنا في الوطن والدين ؟ ) .بل ان القائد المرحوم مصطفى البارزاني كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع قادة العشائر العربية ورجال الدين في النجف وكربلاء والفرات الاوسط وكان يفكر بالسياسين العرب المناضلين القابعين في سجون النظام قبل ان يبدأ وفده المفاوض بطرح قضية الشعب الكردي ويدخل في الوفد المفاوض اولا برجاء من الوفد الحكومي باطلاق سراح السجناء العرب كما قام الخالد البارزاني بحماية مئات الشخصيات والعوائل العربية من بطش نظام البعث وهو الذي وفر الحماية للشهيد مهدي الحكيم في فتره من الفترات العصيبة التي مرت على حركته السياسية قبل اغتياله رحمه الله.

والبارزاني كان يؤمن بالتسامح والعفو عند المقدرة ففي بداية السبعينات واثناء المفاوضات مع الحكم المركزي في بغداد قصده والد عبد العزيز العقيلي ( وزير الدفاع السابق الذي اشتهر بضرب الكرد ومدنهم وقصباتهم ) طالبا منه التدخل لدى حكومة البكر بالغاء عقوبة الاعدام عن ولده وفعلا اتصل البارزاني مع البكر – رغم السجل السئ للعقيلي – وموقفه غير المشرف من الاكراد وقضيتهم العادلة وتم تخفيف العقوبة الى السجن المؤبد الا ان نظام البكر – صدام اعدم العقيلي فيما بعد اثر انهيار اتفاقية اذار وتجدد القتال عام ١٩٧٥.

وفي أثناء عهود الطغيان والاستبداد السياسي التي مرت على العراق شكلت جبال كردستان ملاذا أمنا للعرب ولأبناء العشائر من الجنوب والوسط ولكل المضطهدين, كما قام الكثير من العرب بدعم الثورة الكردية التي قادها الكرد لنيل حقوقهم المشروعة حين قاتل العرب مع اخوتهم الكرد وقام العديد من العرب بتهريب السلاح من وسط وجنوب إلى كردستان وبخاصة بعد هزيمة حزيران عام ١٩٦٧ دعما للثورة الكردية وحبا بالشعب الكردي في نيل حقوقه القومية المشروعة وفي تقرير مصيره . وكانت عمليلت تهريب السلاح للبيشمركة من مدينة النجف الاشرف من خلال المرحوم ( قادر منتك من مدينة أربيل ) وكذلك ( العقيد فضل ابن المرحوم كامل شبيب الشخصية العسكرية المعروفة ).

ولهذا لم تكن من الصدفة أن تنهض الانتفاضة في كردستان في الوسط وفي الجنوب في وقت واحد ضد الظلم والطغيان الصدامي عام ١٩٩١. وحين اختار الشعب الكردي الفيدرالية كنظام للحكم وكنمط للعلاقة مع النظام المركزي في بغداد في انتخابات حرة وديمقراطية عام ١٩٩٢ , وجب على العرب وعلى جميع الاقليات احترام هذا الخيار ودعمه وتعزيزه لأنه خيار الكرد في كردستان وهو خيار مشروع ناضل من اجله الكرد وقدم مئات الآلاف من الشهداء والتضحيات عبر نضالهم الطويل ضد الأنظمة الشوفينية و الذي استمر عشرات السنين وهو خيار لبناء الديمقراطية لمستقبل العراق.

ولا ننكر هنا دور القيادة الكردية الحكيمة وحرصها على صيانة وتعزيز الاخوة العربية – الكردية ونشر ثقافة التسامح في العراق – ومن الطبيعي ان لا يكون هناك تسامح مع المجرمين الذين ارتكبوا جرائم دولية – حيث ان للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والاحزاب الكردستانية الاخرى دورا مهما وفاعلا في تعزيز الروابط بين ابناء العراق وفي زرع القيم الخيرة وبخاصة ما يقوم به كل من الاخ الفاضل مسعود البارزاني والاستاذ مام جلال طالباني وكذلك كوادر حزبيهما من دور حيوي لتعزيز الاخوة بين العرب والاكراد وبناء دولة القانون في العراق الفيدرالي التعددي الديمقراطي القائم على احترام حقوق الانسان تنعم به جميع القوميات واتباع الديانات بحقوق متساوية وفقا لدستور دائم ومبدأ سيادة القانون .وهو ما ظهر واضحا في مناسبات متعددة ولا سيما في مؤتمر لندن للمعارضة العراقية الذي انعقد في ديسمبر ٢٠٠٢ ومؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في كردستان في اواخر شباط ٢٠٠٣ حيث بذلت جهود قيمة من كل من الاخوين الفاضلين – وكذلك الاطراف الاخرى – لرص الصفوف وانقاذ العراق من الغرق في بحر الدكتاتورية.

توصيات
١. محاسبة المسؤولين العراقين عن جرائمهم ضد الكرد.
٢. تعويض المتضررين العراقين جميعا واعادتهم الى وطنهم العراق وبخاصة الكرد الفيلية
والكشف عن مصير المحتجزين منهم.
٣. انشاء متحف لجرائم نظام صدام وضحايا حقوق الانسان.
٤. الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره واحترام نوع الشراكة
التي يريدها في المستقبل.
٥. ضمان حقوق المتضررين العراقين جميعا ومنهم الكرد من ضحايا التعريب وسياسة
الصهر القومي والتهجير والترحيل القسري وجرائم النظام وتعويضهم تعويضا سريعا
عادلا بعد زوال النظام.
٦. تعديل قانون الجنسية العراقي وايراد نص في الدستور الدائم لضمان حقوق المتضررين
ومنهم المهجرين والمهاجرين.
وفي الختام أقول كمواطن عراقي – عربي ان الواجب الاخلاقي والانساني يوجب علينا الاعتذار من الشعب الكوردي عن جرائم بعض العرب من ذوي الفكر العنصري الذي ارتكبوا جرائم خطيرة وعمدية ضد الكرد في حلبجة والانفال وقلعة دزة وضد الكرد الفيلية حيث كان ينبغي ان نفعل المستحيل للحيلولة بين النازية العربية وجرائمها ضد الشعب الكردي وان لا نسكت عليها مطلقها و لهذا فانني انحني اجلالا لتضحيات الكرد ولشهدائهم وللبيشمركة الابطال, تلك النسور الجبلية الشجاعة, وان كل ما جرى ضد الكرد من جرائم وويلات لن تخرب مطلقا الاخوة العربية – الكردية فهم شركاء في الوطن والتاريخ والدين والجغرافية والمصير الواحد وبعقولهم وحكمة الخيرين من ابناء بلاد الرافدين ستبنى الديمقراطية وتؤسس دولة القانون وتغرد الطيور اناشيد الحرية في عراق يقوده الكرد والعرب وكل القوميات الاخرى ومن مختلف الديانات والاطياف السياسية بروح التسامح والمحبة القائمة على احترام الاخر والاعتراف به وبثقافة حقوق الانسان في ظل المجتمع المدني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *