الرئيسية » شخصيات كوردية » لقاءاتي بالقائد الأب مصطفى البارزاني -لقسم الأول

لقاءاتي بالقائد الأب مصطفى البارزاني -لقسم الأول

مقدمة تسبق أحلام اللقاء

لستُ هنا بصدد كتابة تاريخ القائد الأب مصطفى البارزاني، فقد كُتب عنه الكثير الكثير، ولذلك فإنني لا أريد أن أردد ماكتبه الآخرين عن إنسانيته وشجاعته ورجولته وقيادته، إنما أنا بصدد كتابة ذكريات لا تبرح عن خيالي. ذكريات عاشت معي منذ الشباب، وعشتُ معها في ذاكرة التارخ. وكم حاولت أن أجد ملجأ لهذه الذكريات، لكنها أبت إلاّ أن تراودني بين الحين والآخر. وكم عاندتُ نفسي أن أحتفظ بها لذاتي، وأتسلى بها لراحتي، بل أسجنها في مخيلتي لكنني وجدتها تثور في جوارحي، وتأبى إلاّ أن ترى النور. وفي غمرة هذا العناد وهذا التحدي وهذا الإلحاح في عقلي وهذا التمرد في قلبي دفعني أن أعترف بقوتها، وتمردها لكي تتحرر إلى النور.

لا يوجد كردي واحد في عموم كردستان لم يسمع بالبارزاني الخالد. فقد كان أحد أولئك القادة العظام الذين كتبوا التاريخ الكردي، وخاض معارك الحياة، وعانى الكثير من المآسي من أجل شعبه، وبدأ يخطط مشروع الكوردايه تي في زمن كانت القضية الكردية نبتة صغيرة بحاجة إلى عناية، فرعاها البارزاني ورواها بعرقه ودمائه وراحته وجهده وكده لئلا تموت، ولكي تكبر وتعيش وتثمر. فالفضل الأول يعود له حين بدأ يسير بخطى حذرة، ولكن حثيثة على الدرب الطويل، درب كردستان العظيم.

كثير من الشباب الكرد كانوا يحلمون أن يجدونه عن بعد وعن قرب، وكنت واحدا منهم. التقيتُ به قبل ثلاثة وثلاثين عاما، وأنا أتمتع بالحيوية والنشاط في عنفوان الشباب، بعد أن تخرجت من كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد، محكوما عليّ بالإعدام من قبل نظام البعث الصدامي بسبب نشاطاتي السياسية، باعتباري أحد أولئك الذين انخرطوا في مسيرة البارزاني منذ أن كنتُ طالبا في الجامعة. والتحقدت بالحركة التحررية الكرية تاركا الزمالة التي حصلت عليها في السوربون باعتباري كنت أحد الطلبة المتفوقين في الدراسة. آثرت أن أكون كادرا في مدرسة الشعب لأتعلم من الشعب تحت قيادة ذلك البارزاني الثائر الذي أبى أن يستسلم، وقرر أن يكون في المقدمة، بعد أن إختاره الشعب كله قائدا وزعيما لتلك الحركة الرائدة التي بدأت في الأربعينات، واستراحت، ثم تجددت في أوائل الستينات، وتعرضت لانتصارات ومؤامرات آذار بين النصر عام ١٩٧٠، والمؤامرة عام ١٩٧٥. وقد عشت بالذات هذه الفترة بين الدراسة الأكاديمية في بغداد والعمل السياسي والثوري في الثورة الكردية، وفي كلتا الحالتين تحت قيادة القائد الذي طالما حلمت أن ألتقي به يوما. فوجدت نفسي في صفوف الثورة وأنا أحمل معي ذلك الحلم الكبير.

اللقاء الأول

ترك البارزاني الأب ذكريات فريدة في ذاكرتي بلا إنتهاء. كنتُ أكاديميا شابا متحمسا للقائه. التقيت به، فوجدت نفسي تلميذا أمام ذلك المعلم الذي تعلمت منه في أول لقاء دروسا مبرمجة في خدمة الشعب والوطن. وشعرتُ بأنني تلميذ أحتاج أن أتعلم من جديد دروسا إضافية في فنون النضال الوطني التحرري والكوردايه تي من قائد الثورة ومرشد النضال الديمقراطي.

تجربتي مع الراحل الخالد في ثلاثة لقاءات في كردستان وخارجها، جعلتني أشعر باحترامي لتراث ذلك الإنسان العظيم الذي علمني العمل من أجل حرية الشعب. تعلمت منذ ذلك الحين من أن الوفاء للشعب الكردي هو وفاء للبارزاني أيضا، وأن الإخلاص لتراثه هو إخلاص لذلك النضال الذي ناضله طوال سنين عمره التي ضحاها من أجلي ومن أجلكم ومن أجل كل كردي مخلص. فكل من التقى بسيادته يوما، وتعلم منه درسا يشعر أنه تلميذ مدرسته الرائدة التي تخرجَت منها آلاف الكوادر العاشقة للحرية والكرامة. وفهمتُ لتوي بأنه من الصعب على تلاميذه المخلصين أن يتمردوا على خدمة الشعب الكردي وحقوقه.

إنه البارزاني الخالد قائد الشعب الكردي لمدة نصف قرن من تاريخ الأمة الكردية المعاصرة. اقترنت الحركة التحررية الوطنية الديمقراطية الكردية بإسمه منذ العشرينات من القرن العشرين. ولازال النور ينبعث من الشعلة التي أوقدها لمواصلة المسيرة الطويلة على الطريق الذي سار عليه لتحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي.

وصلنا مقر الرئيس الخالد، وأخبَرنا بعض حراسه المقربين بضرورة التحدث معه بلا ألقاب، مثل “ماموستا” أو “رئيس” أو ما شابه، لأنه لا يحب الألقاب. شعرنا للتو أننا سنقابل إنسانا أعظم من الألقاب، وقائدا أكبر من الرؤساء. كان الأب مسرورا حين التقينا بسيادته، حيث تكَرَّم علينا نجله النشط الذي شابا يانعا، مسعود البارزاني بمصاحبتنا، إلى باب غرفته، وقال له بثقة وحترام: “أبي! هؤلاء يمكن التحدث إليهم”.

استقبَلَنا الأب بعطف وإكرام كما يستقبل كل أب حنون أبنائه الذين يشتاقون للقائه. واستغربنا كثيرا من بساطته المليئة بالبهاء والجلال والوقار. واستطاع بكرمه أن يدخل قلوبنا، لا خوفا منه، إنما محبة له ووفاء لقيادته. فاحترام القائد المفعم بمحبة أعظم من إحترامه خوفا منه.

كان سيادته جالسا على كرسي لايختلف أبدا عن تلك الكراسي التي جلسنا عليها أنا وزملائي. مهيب الطلعة يحمل كثيرا من الأسرار في مخيلته، وكثيرا من الحب الفياض في قلبه الكبير لشعبه الذي أحبه بلا حدود. يتحدث وعيناه ينبعث منهما شعاعا أزليا يدخل القلوب ليأثر عليها. وحاجباه الكثيفان الممتلئان بالشعر يحتضنان تحت كل شعرة مأساة من مآسي الشعب الشعب الكردي كله.

كان يعرف كيف يتحدث على قدرعقول الذين يتحدث معهم. وكان يفهم بجلاء نفسية الإنسان الذي ينظر إليه بعينيه المتوقدتين نطرات تحمل سهاما تصيب القلوب قبل الجلود، يؤثر على السامع الذي يجد نفسه مهيأ للسماع إليه بكل جوارحه. إنها كلمات تدخل القلب لتسكن فيه.

فرَح البارزاني كثيرا حين أخبرناه بأننا استطعنا أن نهيئ دورة خاصة لحماية أمن المواطنين بنجاح. فرسم على وجهه المهيب إبتسامة الرضى وقال: “الحمد للّه. الحمد للّه الذي أعان شعبنا أن يقود دورات ثقافية بنفسه”. وأضاف: “أطلب منكم ياأبنائي أن تؤكدوا على العلم والمعرفة والثقافة لانها مفتاح التحرر والتقدم”.

تحدث لنا عن نابليون بونابرت وتاريخ أوربا والثورة الفرنسية. فشعرنا بأننا أمام معلم ملم بالفكر السياسي الأوربي. كان يفهم بوضوح الأهداف التي ناضل من أجلها، وعن المرحلة التي كانت يمر بها نضال الشعب الكردي الذي كان يقوده. أكد على حقوق الشعب الكردي وضرورة نيل هذه الحقوق التي تتبلور وتتطور كلما قدم الشعب الكردي تضحيات أكثر، وكلما ازداد تعنت النظام العراقي. وشدّد على أن الاعتراف بحقنا في الحرية والديمقراطية يقوي وحدة الأراضي العراقية وتقدم العراق وأمنها. هذا الطرح الذي طرحه البارزاني الخالد في السبعينات كان حضاريا، وتعبيرا عن الوعي الاجتماعي من أجل الحرية والسلام للكرد والعرب والأقليات.

وشدّد البارزاني مصطفى في مقولته الخالدة: “كلما ناضلنا أكثر، واستغرق وقتا أطول، تزداد حقوقنا، وتترسخ تلك الحقوق في ذواتنا لكي نتمسك بها ونحققها. فإيماننا بالله لا يتزحزح، وسننتصر إنشاء الله، لأن الشعب معنا، ولأن أملنا في الشعب الكردي كبير والله المستعان”.


القسم الثاني:
حكمة البارزاني
اللقاء الثاني


يفكر كل كردي بما تعرض له رئيس الشعب ورمز الأمة من مؤامرات ومحاولات اغتيال. وكان أول هذه المحاولات في ٢٩ سبتمبر/أيلول عام ١٩٧١، والمحاولة الثانية في ١٦ يوليو/تموز عام ١٩٧٢، ونجى من المحاولتين بأعجوبة. ومع ذلك كان قائد الشعب الكردي يفكر بمستقبل شعبه، دون أن يفسخ الاتفاقية التي عقدت بينه وبين صدام حسين في ١١ مارس/آذار عام ١٩٧٠، حتى لا يعطي ذريعة للنظام بضرب القضية الكردية، وحتى لا تستغل الأوساط المعادية للشعب الكردي من أن البارزاني لم يكن جديا في السلام.

كنا مجموعة من أساتذة معهد الكوادر العائد للثورة الكردية، التقينا بسيادته عام ١٩٧٤ في حاجي عمران، وأخبرناه عن طريقة تدريبنا وتدريسنا للكوادر الذين تخرجوا من المعهد. شعر بالغبطة الكبيرة، وقال بإعتزاز: “إعلموا ياأبنائي أن المال لايصنع الشرف، ولا يقول أحد أن فلان شريف لأنه غني. المسؤولية الوطنية والنضال الوطني الديمقراطي من أجل الحرية والكرامة تحفظ لنا الشرف”. وقال بوقار وبنفس مليئة بالثقة والاطمئنان، هذه القصة الرائعة: “طلب مني رئيس الوزراء العراقي الأسبق في العهد البائد نوري السعيد أن أكف عن النضال، وعرض علي وعلى أبنائي المال الكثير والقصور والوظائف العالية فرفضتُ ذلك قطعا. واستغرب الرجل نوري السعيد متسائلا لماذا يا بارزاني؟ فجاوبته بلا تردد وبشكل حاسم: للإنسان شيئان عزيزان، الشرف والحياة. فإماّ أن يضحي الإنسان بحياته من أجل شرفه أو ان يضحي بشرفه من أجل حياته. وأنا أضحي بحياتي من أجل شرفي، لأنه لا حياة بلا شرف، فالشرف باق والحياة فانية، وشرفي هو كرامة الشعب الكردي”.

فما أعظم هذا الإنسان الذي يعطينا أجلى أيات الكرامة والفداء والتضحية بعيدا عن الماديات لنفسه، ومعَلما يعي كيف يوجه الكوادر والعامة نحو النور.

ولنا في البارزاني الراحل دروسا في الإنسان الواثق بنفسه إلى درجة خارقة حين قال: “أنا فلاح مع الفلاح الذي يعمل في حقله ليُعيل عائلته بشرف ونزاهة، وأنا عامل مع العامل في معمله لينتج ويعيش حرا. لكنني مَلك مع الملوك ورئيس مع الرؤساء ولن أخضع لأي ظالم أومعتد”.

تحدث عن أهمية العدل في الحكم، وتحدث كيف ينصف للمظلوم من الظالم حتى إذا كان من ذوي القربى. وهنا أنقل حادثة فريدة كيف أن البارزاني يأخذ العدل نبراسا في حكمه؟ وكيف أنه كان يساوي بين الحاكم والمحكوم في المعاملات؟ وكيف كان يقتص من الظالم للمظلوم؟

حدث مرة أن اشتكى بيشمه ركه كردي عند البارزاني الخالد من أن مسؤوله الأعلى ضربه بالسياط دون سبب وجيه. فأمر البارزاني الخالد أن يُحضِرَ ذلك المسؤول، وحدد موعدا للقاء به وبالبيشمه ركه المظلوم. وفي ساعة اللقاء، سأل البارزاني ذلك المسؤول عن أسباب ظلمه لذلك البيشمه ركه، وتبين أنه اعتدى عليه. فوضع البارزاني العصا بيد البيشمه ركه وطلب منه أن يضرب مسؤوله الذي ظلمه بنفس الطريقة التي تعامل معه المسؤول. تردد البيشمه ركه أن يفعل، ولكن البارزاني أصر من أن يأخذ المظلوم حقه من الظالم في مجلسه ذاك.

ماذا يمكننا أن نأخذ من دروس في هذه التجربة الفريدة؟ إنها وسيلة من وسائل التعليم المنهجي لكل كردي يشعر أنه مكَرَم في بيته الكردستاني، وأنه المناضل في ساحات التضحية ليحتفظ بكرامته. وأنه قبل ذلك ليس في مرتبة أدنى من المسؤول في ساحات الوغى. إنه عضو كامل النمو في المجتمع تماما كالذي هو أكبر منه أو أقل منه. أنه لا أكبر ولا أقل من مناضل كردي آخر. مدرسة يقودها البارزاني الخالد، لا من أجل أن يحصل على شهادة التخرج، بل من أجل ان يتعلم فيها ويُعَلم الآخرين ويتعامل مع الأجيال ماشاء الله تعالى أن يفعل.

كان يتألم حين كان يتحدث عن الإنشقاقات التي حدثت في صفوف الحزب، وتحدث بمرارة عن أولئك الذين يحملون السلاح ضد الشعب الكردي. لكنه أثبت بجدارة عن تسامحه وقدرته على العفو عند المقدرة، فانتهز فرصة العفو عن جميع الذين وقفوا ضده وضد الثورة الكردية بعد إتفاقية ١١ آذار ١٩٧٠. وسمح لهم بالمساهمة في البناء الديمقراطي. وهو بهذا أثبت بأنه أب الكرد بلا منازع.

كان الراحل متسامحا يحمل في أعماقه أسمى الأخلاق الأنسانية، مؤمنا أشد الإيمان باللّه، وبحق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة. حديثه شيق وجدي، يعرف أن الكلمة مسؤولية، وهو يدعم كلامه بالآيات القرآنية الكريمة. إنها صفات القائد الإنسان الذي لم يعرف الحقد على أي كردي معبرا بذلك عن كرامة الإنسان بمنتهى درجات العظمة الإنسانية.

الراحل مصطفى البارزاني ذلك الصرح الشامخ الذي رفع راية الكوردايه تى عالية

بقلبه وفكره وعمله، ودخل قلوب الجماهير لتحتضنه وتحبه ماشاء الله تعالى أن تدوم الحياة، فسارت الجماهير الكردستانية تحت تلك الراية منذ أكثر من نصف قرن من الزمان. حملها الأب، ويحملها الذين من بعده، ويحملها الشعب الكردي كله، وتحميها الأفئدة والأنفس، وتدافع عنها الجوارح والأرواح.


القسم الثالث والاخير
إرادة البارزاني الصامدة وآلام المؤامرة
اللقاء الثالث


كان لقائنا الثالث في خيمة متواضعة بمدينة نغدة الكردستانية إلإيرانية بعد مؤامرة إتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥. زرتُه برفقة الأخ شكيب عقراوي عضو اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردستاني. تحدث البارزاني الأب بعقل متفتح ودهاء يعبران عن قدرته الكبيرة في فهم الرجال والأحداث. سأل عن وضع الأستاذ المرحوم صالح اليوسفي الذي رجع إلى العراق بموافقة البارزاني لأنه رفض أن يبقى في إيران، بعد خيانة الشاه الإيراني لوعوده التي وعدها للكرد. تحدث الرئيس الراحل البارزاني عن إتفاقية ١١ آذار ١٩٧٠ التي لم يلتزم بها نظام صدام حسين، قائلا:

“بعد الإتفاقية التي أقرَت بالحكم الذاتي للشعب الكردي بنضاله الدؤوب، قلتُ لأعضاء اللجنة المركزية: إعلموا أن الوضع الآن أخطر من قبل، فقد كنا سابقا نجد الطائرات والمدافع تقصفنا، أما اليوم فستقع علينا القنابل دون أن نراها ، لذلك يجب أن نكون حذرين جدا، وأن لا نقع في شِباك النظام. فلا تستهينوا ولا تقولوا أن حقوقنا قد تحققت وانتهى كل شئ. يجب أن نكون متيقظين أكثر من أي وقت مضى لمعرفة نوايا النظام”. وقال: “أثبتنا للعالم أننا كنا نقف مع حق الأخوة العرب في محنتهم عدة مرات. ففي حرب الأيام الستة في حزيران ١٩٦٧ بعثنا ببرقية إلى الرئيس العراقي الأسبق عبد الرحمن عارف معلنين فيها عن مساندة الكرد للعرب في حقوقهم، وطالبْنا بانسحاب القطعات العراقية من كردستان للدفاع عن الأراضي العراقية والحقوق الفلسطينية العربية، وعاهدناهم بان لا تطلق القوات الكردية النارعليهم طيلة بقائهم في المواجهة مع أعدائهم. وأيدنا العرب أيضاً أثناء دخولهم الحرب مع إسرائيل عام ١٩٧٣. وأرسلنا ببرقية إلى احمد حسن البكر معلنين فيها عن وقف إطلاق النار في كردستان، ووقفْ كافة العمليات الحربية ضد قوات النظام العراقي لكي تتمكن تلك القوات من التفرغ لحماية فلسطين، كما أرسلنا ببرقية مماثلة نفس اليوم للرئيس جمال عبد الناصر. لكن صدام حسين خان الإتفاقية التي إتفقنا عليها عام ١٩٧٠، وتآمرعلى قتلي عدة مرات. لقد كان بإمكان الكرد أن يعاقبوه أثناء زيارته لكردستان بإسقاط طائرته لكنهم لم يفعلوا. لأن الأخلاق الكردية لا تقبل الخيانة”.

كان يتحدث والحزن مرسوم على وجهه الذي كان يحمل آلام الشعب الكردي كله. وللتاريخ أقول، ولتكن هذه الشهادة للتاريخ، فالكلمة مسؤولية، ولا أقول هذه الكلمة اعتباطا بل عن مسؤولية كاملة ومتكاملة وعن قناعة، أن البارزاني الأب لم يخن شعبه الكردي أبدا، وأنه لم يتخاذل ولم ينهزم، ولم يوقف الثورة بارادته، ولم يستسلم. فأنا أتذكر كل همسة قالها الراحل العظيم في ذلك اللقاء، حين قال، وأنا في ديوانه المتواضع تحت تلك الخيمة المتواضعة، والألم يحز قلوبنا جميعا فيما حدث من نكسة أيام المؤامرة:

“سنظل نناضل، وكلما ناضلنا أكثر فإن حقوقنا ستزداد أكثر حتى نحقق النصر لأن نضالنا مشروع، ولأن حركتنا إنسانية تحررية أخلاقية لمصلحة العراق كله. وإن نظام صدام حسين ستُقهر وستنهزم لأنه لا يعرف العهد ولا يعرف الأخلاق”.

وقال: “إننا مع الديمقراطية والسلام، ولكننا لانستسلم. لقد نجحَتْ المؤامرة، وانسحبنا من المعركة لأسباب استراتيجية، لكننا لم ننسحب من الثورة. سنرجع إلى الوطن ونناضل بعزيمة أقوى إنشاء الله”.

كان الراحل البارزاني أعظم إنسان على الإطلاق التقيت به طوال حياتي، ترك في نفسي انطباعا لازال فريدا يحتل مركز قلبي وبؤرة نفسي، وأنا عاجز أن أنساه. إنه سيبقى محبة على الشفاه وفي القلوب أكثر من أن يكون صورة على الجدران، لأنه المعلم الأب. من يجهل تاريخه الذي عرَّف العالم المعاصر بقضيتنا المقترنة بإسمه؟ فعندما توجهنا إلى أوربا قبل مايقارب الثلاثين عاما، والأوربيون يسألوننا من أين أتيتم؟ فنقول من كردستان. فيجاوبوننا: بارزاني بارزاني.

جميع الذين تهجموا على البارزاني الخالد لم يكونوا منصفين في مواقفهم. وأثبت التاريخ عدم صحة تهجمهم، فتراجعوا عن أخطائهم. وقد تعرض الرئيس الرمز، كما يتعرض كل رئيس رمز دون استثناء إلى النقد. وهذا النقد مَردّه ذلك المركز المرموق لقائد احتل موقعا فريدا في تاريخ شعبه. فالتهجم مرفوض، لكن النقد العقلاني، غير التهجم، كان لمصلحة البارزاني نفسه، لأن ذلك النقد يبين مواطن الحقيقة من الأسطورة، وصحة ما يتردد على ألسن الناس عن إنسان عظيم كان يعتبر آخر العمالقة الكرد في القرن العشرين.

المأثرة العظيمة للإنسان الذي لُقب بأب الكرد هي حفاظه على وحدة القضية الكردية ووحدة الزعامة. وإذا تطرقنا إلى مسالة مبادئ وقواعد الوطنية في العراق نجد أن الوطنية ليست ملكا مشاعا تخص نظاما معينا أو رئيسا عراقيا معينا، بل هي الإخلاص والوفاء تجاه الوطن والمحافظة عليه، وخدمة الشعب، وتوفير الحرية، ومحافظة ثروات الوطن من الأجنبي، والاعتراف بحق المواطنة للجميع، لأن مسألة القومية هي مسالة وطنية وديمقراطية وإنسانية ولا يمكن أن تحل إلا عن طريق الديمقراطية والمساواة والعدالة وليست عن طريق استخدام الأسلحة الكيمياوية وحملات الأنفال.

إنه البارزاني الذي ما دخل بيتا إلاّ وكان للكرد مصلحة فيه، وما خطا خطوة إلاّ وكان فيها للكرد نصيب من الحرية. ترك لنا تراثا ما أن نقتديه إلاّ ولنا فيه مجد وكرامة. إنه النور الذي نحمله في نفوسنا لنسير على الدرب الطويل، درب أمنا الكبرى كردستان.

إنه البارزاني الذي ولد في ١٤ مارس ١٩٠٣ بقرية بارزان وعرف قيمة الحرية في الثالثة من عمره منذ أن دخل سجن الموصل مع والدته عام ١٩٠٦. إنه بحق أب الثورات الكردية المعاصرة، إشترك في كافة المعارك الكبيرة ضد الأنظمة التي تضطهد الشعب الكردي، وساهم في جميع الانتفاضات التي فجرت في كردستان. إنه مرشد فكر الكوردايه تي في القرن العشرين، ومخطط الحركة التحررية الديمقراطية الكردية في القرن الذي نعيشه. وإن ما نعيشه اليوم من حرية في كردستان هي جزء من نتاج تلك العقلية الفذة والخطط القيمة التي ساهم فيها البارزاني الخالد في مسيرة الحركة التحررية الكردية.

إنه البارزاني الذي وافاه المنية في ١/ ٣/ ١٩٧٩ ونّقل جثمانه الطاهر إلى إيران ليوارى الثرى في قرية شنو الكردستانية، وبحضور آلاف الناس من مختلف مناطق العالم لتوديع القائد الذي ناضل من اجل حرية واستقلال شعبه.

إنه البارزاني الذي أبت القلوب إلاّ أن يكون الراحل بينهم، فنُقلَ مرقده الطاهر إلى كردستان العراق عام ١٩٩١ حيث دُفنَ في مسقط رأسه بارزان في وسط حشد جماهيري كبير لم يسبق له مثيل، تاركا وراءه نبراسا منيرا وتراثا مضيئا ونهجا وطنيا ديمقراطيا، ومدرسة لها تلاميذها ومناضليها الأوفياء لقيادته وللكوردايه تي. إنه سيبقى حيا في الأفكار، وذكرى في الأفئدة، ورمزا للأحرار، ومحبة تُضفي بالعطر لكل أطفال وأبناء كردستان من عشاق الحرية في كل مكان. إليك أيها القائد الإنسان محبتي وحبي بلا إنتهاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *