الرئيسية » مقالات » العــراق مملكـــة الـرمـوز المبجلـــة

العــراق مملكـــة الـرمـوز المبجلـــة

فـي العالـم المتمدن والمتحضـر علـى اساس احترام القيمـة الأجتماعيـة والأنسانيـة للفـرد ’ نـرى ان الدولـة فيـه تعيـد تقييـم عظمائهـا بعـد رحيلهـم ومراجعـة ما تركوه لأوطانهـم ومجتمعاتهـم وللأنسانيـة مـن انجازات ومآثر خالدة كالعلمـاء والمفكرين والأدباء والفنانين والمصلحيـن وقادة ثورات فكريـة وسياسيـة وثقافيـة ’ وتخليدهم في ذاكـرة الناس ’ وتقوم الدولـة والمجتمـع بأقامـة نصباً تذكاريا او تسميـة شارعاً اوساحـة وملعاً واحياناً قرى ومدناً ’ ويبقى ذلك التخليـد ارثهـم وارث المجتمع دون ايـة علاقـة لأسرهـم وعشائرهم ومن دون السماح لأبنائهم واحفادهـم او مـن ينتسب اليهـم ان يستورثوا او يستغلوا الرمزيـة الخالـدة لتلك الأعلام ’ وقـد خصصت لذلك لجان وطنيـة ودوليـة وجـوائزاً رمزيـة لتكريـم العظماء ومن بينهـا مثالاً جائزة نوبـل ’ ودائمـاً تمنـح للمستحقين عبر لجنــــة محايـدة وفـي السنوات الآخيرة مـن اعمار العظماء ’ اي بعـد ان قدموا ما يكفــي .

فـي العالم ( الذي تردت فيـه قيمـة الأنسان ) دون الثالث ’ فالأمـر يثيـر القرف والأشمئزاز والسخريـة ’ ينتحــل فيـه القائـد والرئيس والملك والأمير والشيخ القاباً ونعوتاً واوصافاً تتجاوز المعقول الى حـد محاولـة اختزال الأمــة بشخصـه ’ وبقوة السلطـة والمال يخلق المسؤول مـن حولـه قطيعاً واسعاً مـن المرتزقـة والمتزلفين حــد النذالـة للتغنـي والتطبيل بأوصافـه وشمائلـه وعبقريتـه ومواهبـه وكأنها حقائق’ بينما هـي فـي الواقع مجرد عفونة تنبعث منهـا روائـح الفساد والأنحطاط ووجهـاً اخـراً للتردي .

لغتنا العربيـة بكل مفردات الجمال والحب والثناء والمديح والذم والنفاق جاهـزة لمنح الرئيس القائـد ما لا يستحقه وترتش صورتـه بمساحيق التزوير رغـم صراخ قباحتهـا ’ ويذهب متصدري ديـن السلطـة للوي عنق التاريــخ وتعاليم الأديان السماوية ليجعلوهـا عـربـة يصعـد بهـا رجال الدولـة والمال على ظهـر معاناة وبؤس الملايين.

لـو اخذنا العـراق مثالاً ’ لوجدنا نماذجاً صارخـة تكررت وتتكرر علينا فيهـا الكثير من الألقاب والأوصاف النشاز وهـو الغني فعلاً برموزه الحقيقيـة ’ الذين رحلوا وتركوا ارثاً لامعاً على جميع الأصعدة يستحقون عليـه تخليدهـم فـي ذاكـرة اهـل العراق ’ وهناك نماذج فـي تاريخنـا الحديث مـن قادة الحركـة الأسلاميـة والوطنيـة وحركـة التحرر والديموقراطيـة والحركـة الكرديـة وقادة ثورة 14/تموز/1958 الوطنيـة وكذلك قادة الحزب الشيوعي العراقي وقيادات الحركـة النقابيـة والعلميـة والفكريـة ’ ان هؤلاء العظام لـم يتركوا وصيـة ان يرث اولادهم واحفادهـم واحفاد احفادهـم تاريخهم وانجازاتهـم ورموزيتهـم ليتخذوها هـويـة تميزهم عن غيرهـم مـن حيث الجاه والثروة والأبتزاز والمراكز المهمـة فـي الدولـة والمجتمع دون وجـهة حق الى الحـد الذي يشعر عنـده المواطــن العراقـي بالدونيـة والمستويات المتدنيـة فـي المجتمع ’ لأن اجدادهـم لـم ينتموا الى مثـل تلك العوائـل المبجلــة .

اليـس من الأهانـة للقيمـة الأجتماعيـة للأنسان العراقـي ’ اذا ما ارتكبت القوات الأمريكيـة مثلاً’ خطاءً يذهب ضحيته عائلـة او اكثر بكامـل افرادهـا ’ ينظـر الى الأمـر وكأنـه مجرد خطاءً ( قضاء وقدر ) ومشروعاً احياناً ’ بينمـا اذا ما اعتـرض شـرطي المـرور صبيـاً او شاباً مخالفاً مـن ابناء تلك الرموز والعوائل والأسماء المبجلـة وطلـب منــه هويتـه او اجازة السوق واوراق ثبوتيـة سيارتـه ’ يكـون الأمـر فضيعاً ومساسـاً بالسيادة الوطنيـة واساءة للأسلام والمسلمين يستنفـر القطيع تحت الطلب مـن اعضاء التنظيم والعشيرة والحاشيـة والبطانـة المنتفعـة ومنتسبي المليشيات المسلحـة ’ يتظاهـر الألاف وعلى امتداد ايام ’ صراخاً ولطماً وتهديداً وتكفيراً واستفزازاً واستعراضاً للعضلات واشغال الدولـة والمجتمع فـي امور تافهـة وهما فـي مواجهـة صعبـة لأمور مصيريــة … ؟

هـل هناك مـن يقنعنـي ان احـداً مـن ابناء تلك العوائل المبجلـة افضل من الذين فقدوا بناتهم وابنائهـم واخوتهم وثرواتهـم ومستقبلهم وهجروا وعذبوا ثم التحقوا بأول فرصـة ثواراً فـي اهوار الجنوب او انصاراً على جبال كردستان وشاركوا فـي الأنتفاضـة الشعبانيـة دفاعاً عن الوطـن والشعب ولا زالوا مهجرين دون امل في انصافهم واغلبهـم يحمل اثار التعذيب البشع على اجسادهم … ؟

مـن اين اكتسب اولاد تلك العوائل وحتى آبائهم تلك الألقاب والأوصاف .. من اين استحقوا تلك المبتكرات كالسيد القائــد والظرورة والسماحـة والآيـة العظمـى وحجـة الأسلام وروح الله وقدســه ولم تنتهـي بقدس ســره’ تلــك الألقاب التـي لم يحصل حكيم الدهر علـي ( ع ) وابنـه رمز الشهادة والفداء الحسين ( ع ) ًحتـى على ربعهـا امـا المجاهـد الشجاع ابا الفضل العباس حتـى ولا عشرهـا .

الم يكن ذلك صيغ مبتكرة لتحقير الآخـر واخضاعـه والتعالي على القيم الطبيعيــة للأنسان العراقي وتجاوزاً على الأعراف والقوانيين ومباديء العدل والمساوات .

مرت علينا رموز دينيـة ووطنيـة واجتماعيـة وعلميــة وفكريـة قدموا الكثير للوطن والأنسان ’ وعاشوا الكفاف متواضعون عصاميون قضوا حياتهم فـداءً للوطـن والأنسان والمعرفـة والتحرر ’ وقدموا للأمـة الكثير دون ان يأخذوا منهـا .

اين مـن هؤلاء العظام تلك الرموز المفتعلـة المرفهـة المنتفعـة التي جعلت ورمهـا يتناسب طرداً مع فقـر الأنسان العراقي وبؤســه ’ هـل وجدنا مثلاً واحـداً من ايـات الله من يعيش بين مئآت اللألاف من العراقيين الذين يسكنون على اطراف العاصمـة فـي اكواخ مـن الصفيح ( جينكو ) ’ او سمعنا احدهم استشهـد في تفجير بأحدى الأسواق الشعبيـة وحتى الحسينيات العامـة او واحـداً من ابنائهم تضرر من انتحارياً في مدرسـة او جامعـة .

اذن بأي حـق يتحدثون بأسم الملايين المعذبـة … ؟

ـــ هـل امتلك الزعيم عبد الكريم قاسم اكثر من سريراً متواضعأ فـي وزارة الدفاع وهو العضيم جــداً … ؟

ـــ هـل امتلك ملا مصطفى البارزاني غيـر التشرد وبندقيـة يدافـع بها عـن شعبـه … ؟

ـــ هـل امتلك الأمام الصــدر غير الورقـة والقلم وتراثـة الفكري والأنساني … ؟

ـــ هـل امتلك يويف سلمان يوسف ( فهـد ) غيـر حبل المسنقـة وتراثاً للنضال والتضحيـة … ؟

وهناك الكثيرين … هل امتلكوا مشاريعاً وعقوداً واختنقت حساباتهم البنكيــة بملايين الدولارات او هربوا ثروات الوطن وارزاق الناس املاكاً وعقارات فـي الخارج . .. ؟

ايـن هؤلاء من اولائك ’ فشتان بين من يكون فداء للنايس للوطـن وبين من يسرق الأثنين دون خجل ورادع من ضمير ’ ثم يبيـعهما فـي اسواق الأرتزاق والتبعيـة ’ بين من يمنـح المعرفـة والعلم ويوقض البصيرة وبين من يمتهن التضليل والخداع والأستغفال ليبقى مموهـاً مزوراً ملثـم الشخصيــة .

ماذا ينفع الأبن اليتيم بأبيه او كلا والديـه ’ والأرملـة المنكوبـة بزوجهـا والأم المثكولـة بأولادهــا ’ تلك المجاملات المخادعـة ( ياليتنا كنا معكم…….. )

اسأل ايضاً :

الى متـى ستبقى الملايين مـن الضحايا ارضيـة لمثل تلك الأنحرافات’ تفرش ذقونهـا لتتبول عليهـا النخب المخادعة سخريـة ومهانـة ’ تحجـم وعيهـا حـد الألغاء لتنفـخ اورام قيـح المدعين … تتعاطـى مخدرات التضليل والتجهيل لتلغي دورهـا فـي اعادة بناء حاضرهـا ورسم مستقبلهـا … هائجـة فـي مسيراتهـا المليونيـة فـي الأتجاء الخطاء من مصالحهـا وقضاياهـا … تناطح بعضهـا موتاً ليكسب المتخاصمون افتعالا ونفاقاً رهان عذاباتهـا … تتنازل عن وطنهـا جهلاً وفقراً وتدهوراً لتتركـه مـزرعـة تتقاسمهـا رموز الخداع التاريخـي … ؟

متـى ستكويهـم جمـرة الكارثـة والخراب والدونيـة ليستيقضوا على واقعهـم المهين ’ ويفكروا بأسترجاع قيمتهـم وادميتهـم كأبنــاء للعـراق … ؟

متـى … ومتــى … ؟ انهـا معركـة وعـي شديدة البأس مصيريـة يجب ان يكون المثقف والعالم والمفكر والكاتب والأديب والفنان والأعلامي والسياسي الوطني ورجـل الدين المصلـح طليعتهـا تماماً كما كانت الرموز الحقيقية من اجدادنـا العظام ’ ونلغـي من واقعنـا ظاهـرة الترقب السلبي والأستسلام’ والأقتناع ان عراقنـا اصبـح مملكـة لرمـوز الأختلاس والسراق والدلالين والوسطاء ’ ليس لنا حق فيـه ناهيك عـن كوننـا اصبحنـا ايضاً جـزاءً مـن اسلابـه المستباحـة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *