الرئيسية » مقالات » القضية الكوردية، كركوك، التأجيل… حياتنا ومصائرنا أصبحت مشاريع مؤجلة

القضية الكوردية، كركوك، التأجيل… حياتنا ومصائرنا أصبحت مشاريع مؤجلة

تناقلت بعض وسائل الإعلام نتائج زيارة نائب الرئيس العراقي السيد عادل عبد المهدي لتركيا، وقالت بأنه تم الإتفاق السيد عادل عبد المهدي وتركيا على تأجيل تطبيق المادة 140 من الدستور العراقي الخاص بتطبيع أوضاع كركوك لمدة سنتين. أعتقد أنه من المفيد التأمل بالأسئلة أدناه بالتأمل … أولاً :
من قال أن عدم التطبيع أو تأجيله سيؤدي إلى حالة أفضل مما هي عليه الآن ؟
لماذا على الكورد دائماً دون غيرهم، أن يؤجلوا قضاياهم المصيرية ؟
ما شأن تركيا بمسألة كركوك ؟
ألا يعتبر هذا النوع من التدخل التركي الجلف استهتار بكل المعايير والقوانين الدولية ؟
على مدى قرن من الزمان، والكورد ُيلدَغونَ من جحر التأجيل . منذ معاهدة سيفر عام 1920 وتأتي تصفيات نقاط الخلاف بين القوى الكبرى والإقليمية على حساب الكورد … أوقف العمل بمعاهدة سيفر لثلاث سنوات، والتي كانت تنص في بنودها ( 62 ، 63 ، 64 ) على تمتع الكورد بالحكم الذاتي لسنة واحدة فقط، وبعدها يستفتوّن إن كانوا يحبذون تشكيل دولتهم أسوة بالشعوب التي كانت راضخة تحت نير الاحتلال العثماني التركي ومنهم الشعب العربي، أو البقاء والعيش مع الأتراك، ثلاث سنوات أُجلَ العمل ببنود المعاهدة على حساب الكورد، لتأتي معاهدة لوزان عام 1923 وتقبرها مقابل وعود شفوية للكورد لا غير. علماً بأن في ذاك الوقت المبكر لم يكن هناك ما يسمى اليوم بكوردستان العراق أوتركيا وسوريا أو إيران فالتقسيمات جرت لاحقاً ” .
وفي مرحلة الإنتداب البريطاني على العراق ما بين أعوام 1921، عام تأسيس الدولة العراقية الحديثة، بدون ” ولاية الموصل ـ كوردستان الجنوبية “، أي كان العراق يضم فقط ولايتي بغداد والبصرة، إلى نهاية عام 1925 يوم إلحاق الجزء الجنوبي من كوردستان بالعراق حسب توصيات عصبة الأمم المتحدة المشروطة ” من ضمنها تمتع الكورد بالحقوق الثقافية والأدارية في مناطقهم “، بقيت الحكومة الملكية العراقية والبريطانية تؤجل المطالب الكوردية، وتقطع الوعود تلو الأخرى بتحقيقها في المستقبل القريب تحت ذرائع شتى .
ومنذ عام الإلحاق نهاية 1925 بدون إرادة الشعب الكوردي لغاية حصول العراق على الاستقلال عام 1932 وقبوله كدولة ذات سيادة في عصبة الأمم المتحدة بقيت الحكومة العراقية توعد الكورد بتنفيذ مطالبهم، وتؤجل قضاياهم المصيرية قدر المستطاع، تحت حجة الأولوية للنضال من أجل الاستقلال والتلاحم الوطني، وغيرها من الشعارات التي نسمعها على مدة قرن كامل … وما حدث بعد ذلك التاريخ ” 1932 ” للكورد على يد الإنكليز والحكومة الملكية العراقية لم يكن أقل مأساوية من مثيلاتها، المجازر الدموية في طول كوردستان وعرضها على يد الأتراك والفرس …
ُقمِعت ثورتي بارزان الأولى والثانية بين أعوام 1939 ـ 1945 بوحشية متناهية، من قبل القوات البريطانية والحكومة الملكية العراقية، لتضع بذلك حداً في أطلاق الوعود والتأجيل الذي أعتادت عليه، لتخدير الشعب الكوردي، وكشفت بشكل واضح عن نواياها وسياساتها الحقيقية القائمة على العنف وإذلال كل من يحاول المطالبة بأكثر مما تهبه الحكومة كمكرمة.
قامت ثورة الرابع عشر من تموز ونجحت، واستقرت بمساعدة كوردية، وحصلت بعض الأصلاحات منها كتابة الدستور الذي نص على شراكة العرب والكورد في الوطن، وكل ما يقال عن ذلك العهد بالنسبة للكورد لم يكن يتعدى الإصلاحات الفوقية، أي لم تحاول حكومة الجمهورية الأولى في العراق معالجة القضية الكوردية جذرياً وتضع حداً للفتنة والاقتتال الداخلي واستنزاف طاقات العراق البشرية والمادية، مما أضطر الكورد لحمل السلاح مرة أخرى، وساهموا بشكل فعال في إسقاط الحكم بتحالفهم مع الإنقلابيين ” الجدد التحالف القومي البعثي ” مقابل وعود في الحصول على الحكم الذاتي، وقد اثبت التاريخ بعد ذلك لم تكن تلك الوعود سوى حبر على الورق، وفشلت جميع الجهود للتوصل إلى حل يرضي الطرفين خلال جولات التفاوض، وكانت مسألة كركوك واحدة من أكبر نقاط الخلاف، بعد ذلك باشرت الحكومة العراقية بحملة عسكرية شرسة على الشعب الكوردي اشتركت بها بعض الوحدات العسكرية السورية أيضاً .
جاء البعثيون للحكم حسب تصريح القيادي البعثي على صالح السعدي بقطار أمريكي عام 1968، وبادرت بإصدار عدة قرارات جديدة لتلميع وجهها الشوفيني على أثر جرائمهم في فترة أنقلاب 1963، وبعد اقل من سنة ونصف من الحكم بادروا أيضاً بالاتصال بقادة الثورة الكوردية لإيجاد حل شامل ودائم للقضية الكوردية سلمياً، وقد أثمرت تلك الاتصالات عن أعلان بيان أو اتفاقية 11 آذار التاريخي، لكن البعثيين وضعوا أربع سنوات هدنة ” تأجيل ” للتطبيع وتطبيق بنود الاتفاقية، لا سيما ما يتعلق بمسألة كركوك، على أن يجري إحصاء عام بعد السنوات الأربع لتحديد مصير كركوك، وخلال تلك الفترة ” التأجيل ” بدأت بنقل الموظفين الكورد من دائرة النفوس في كركوك وأستبدالهم بآخرين من زمر البعثيين كما باشرت أيضاً بمسح ٍ شامل لمناطق كوردستان، وتبليط الشوارع لتسهيل مرور العجلات العسكرية، كما بذلت الأموال الوفيرة لشراء السلاح وتجهيز الجيش العراقي بأحدث الأسلحة، علاوة على بناء علاقات دبلوماسية مع الدول الكبرى وعلى رأسها الإتحاد السوفيتي، وأخرجوا الحزب الشيوعي العراقي من معادلة الصراع بين الحكومة والثورة الكوردية، بإعلان الجبهة الوطنية العراقية بين البعثيين والحزب الشيوعي، وبعد انقضاء فترة التأجيل أعلنت الحكومة العراقية من جانب واحد إعلان 11 آذار 1974 مفرغاً من محتواه وبنوده، لتندلع الثورة الكوردية مرة أخرى، وبذلك لدغ الكورد مرة أخرى من جحر التأجيل .
لكن الثمن لم يكن غالياً وقاسياً على الكورد وحدهم هذه المرة، بل وصل الحد بانهيارات الجيش العراقي في معاركه في كوردستان والصمود البطولي للبيشمركة، إلى دفع البعثيين لعقد صفقة مع شاه إيران، وتنازل العراق على أثرها عن نصف شط العرب لصالح إيران، في أتفاقية الجزائر المخزية عام 1975 مقابل عدم دعم الثورة الكوردية، وقد اشتركت عدة أطراف دولية كبرى وبعض الدول العربية في تلك المؤامرة، ومن نتائجها الكارثية أيضاً كانت، حرب الثماني سنوات مع إيران نتيجة إلغاء حكومة البعث لإتفاقية الجزائر الملزمة. والسؤال الوجيه الذي يطرح نفسه هنا . أيهما كان أفضل. هل الإتفاق مع الكورد وتلبية مطالبهم المشروعة لتحسيسهم بعراقيتهم، أم الذي جرى !!! ؟؟؟؟؟
قبل سقوط الصنم عقدت أطراف المعارضة العراقية الفعالة وغيرها في لندن مؤتمراً واسعاً عام 2002 ، كان المؤتمر بمثابة التخطيط والتهيوء لما بعد حكم صدام، تداول المؤتمرين فيه مستقبل العراق، واتفقوا على النظام الفدرالي، وحل مسألة التعريب في كركوك، لكن دون الشروع بكافة التفاصيل وجوانب القضية، وجاء تأجيل عدم الخوض في التفاصيل، من الأطراف غير الكوردية في المؤتمر بحجة أن هذا الموضوع سوف يُحل في بغداد بعد سقوط النظام، وافق الكورد على مضض لقناعة منهم في عدم وضع العصي في العجلة .
سقط نظام الصنم في التاسع من نيسان 2003، وُشكل مجلس الحكم، وطرح موضوع كركوك على بساط البحث، فكان التأجيل نصيبه تحت ذريعة أن هذا المجلس ليست له صلاحيات باتخاذ مثل هذه الخطوة، وجاءت المادة الثامنة والخمسين من قانون إدارة الدولة والخاصة بالتطبيع كحل وسط لحين قيام حكومة عراقية .. وافق الكورد وقبلوا مرة أخرى بتأجيل الموضوع . وتلا ذلك الحكومة المؤقتة برئاسة السيد أياد علاوي دون أن يحرك ساكناً لحلحلة مسألة كركوك أو تطبيق المادة 58 بحجة عدم كفاية الوقت ومحاربة الإرهاب … وأُجلت مسألة كركوك أيضاً، وشُكلت الحكومة الانتقالية، وأيضاً تم تأجيل قضية كركوك تحت نفس الحجج والأعذار، ليس هذا وحسب، بل حاول السيد إبراهيم الجعفري رئيس الحكومة آنذاك بعقد صفقة “مؤامرة” كبرى مع الأتراك ضد شركائه في الحكم من الكورد، ولحسن الحظ لم يفلح بذلك.
وأخيراً بيّنت حكومة الأستاذ نوري المالكي نوايا طيبة، وباشرت بتنفيذ المرحلة الأولى من المادة 140 من الدستور العراقي، وتنفسنا الصعداء، عسى أن يفهم العالم أن التأجيل وعدم التطبيع ليس في صالح أي طرف على الأطلاق، لكن المفاجأة هي ورود الخبر أعلاه في بداية التعليق، تأجيل التطبيع لمدة سنتين، تحت حجج وذرائع لا تقنع طفلاً ولا مجنون. ” طبعاً أن صحت تلك المعلومات الصحفية والأخبارية ”
والسؤال الكبير هنا . إلى متى سيبقى التأجيل سيفاً مسلطاً على رقبة كركوك وسكينة غادرة في خاصرة الكورد !!؟؟ إلى متى نلدغ من ذات الجحر يا أمة الكورد !!؟؟؟

أفيقي يا أمة الكورد … أن في التأجيل غدر وخيانة، ونيات مبيتة، وطبخات قذرة وكريهة .. لا تجعلوا التاريخ يعيد نفسه عشرات المرات … فبمنجل التأجيل ُحصدت أرواحنا .. وبسيفه ُقطعت رؤوسنا … وبسكين غدره ُطعنت ظهورنا … وبرصاصات العتمة والليل أغتيل شبابنا… وبحلاوة عسله المدسوس سماً في كؤوسنا شربنا .
أفيقي يا أمة الكورد .. فلولا كركوك لما كانت هناك حلبجة … ومن أجل كركوك جزرت أرواح مؤنفلينا ومن أجل إبتلاع كركوك هُدمت آلاف القرى وسويت بالأرض، وشرد أهلها.
فكركوك هي صمام الأمان لمستقبل أجيالنا، كي لا يذوقوا ما ذقناه، ولا يشربوا من نفس الكأس الذي ُسقينا.