الرئيسية » مقالات » يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (7) الأخيرة… بعد الهجرة إلى إسرائيل

يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (7) الأخيرة… بعد الهجرة إلى إسرائيل

وضرب القدر ضربته ورحلنا إلى إسرائيل، وانهمكنا في الدراسة والعمل لنداوي بها جراحات الماضي وأهوال الحاضر بانتقالنا من عزّ العراق، مهما كان ثمنه، إلى ذلّ الحاضر في خيام معسكرات اللاجئين الجدد من جميع أرجاء العالم والوقوف في طوابير الماء وبيت الخلاء والخبز وشراء اللحم والبيض والزبد بالكابونات والعمل كعمال بسطاء رغم ثقافتنا في البناء لنقل أكياس الإسمنت والحصى والرمل على ظهورنا كما كان يفعل “العمالة” الذين كانوا يعملون عند والدي في البيوت التي كان يبنيها! بكيْتُ عندما جاء أخي ريمون يبشرني: “والله عندك حظ! أول يوم وشِفتْ (وعثرت على) شِغِل بالعمالة (البناء)!” قلت له: “ما هذا الفرح بعمل حقير حصلت عليه بعد عزّ العراق”، وما تعرف خيري لما تجرب غيري، صرنا نشتغل بالبناء مثل الفقراء؟” ويل العراق ماذا فعل بأبنائه المخلصين! قالت خالتي كرجية وهي امرأة متدينة تؤمن بالكتاب المقدس: “هذا قدر مكتوب علينا، لا يُشْتَرى خلاص بني إسرائيل إلا بالعذاب، ألم ترون كيف تحققت النبوءة وعُدنا على أجنحة النسور؟”. وقال لنا المقاول “الشِكْنازي”، بعد أن لاحظ إخلاصنا في العمل: “لا تذهبوا إلى الجامعة واعملوا معي فتصبحون من المقاولين الأغنياء فيما بعد!”. ولما فرّ الوالد إلى إسرائيل عن طريق تركيا عام 1962، بعد أن أصبح “تاجرًا للأراضي” في العراق وترك وراءه في بغداد الجديدة 37 ألف متر مربع من الأراضي المصرح لها بالبناء، قال لنا وهو يتكلم بلسان التجار العراقيين الذين يقدرون قيمة المرء بماله بعد أن رأى أننا التحقنا جميعا بالجامعة العبرية: “لقد صدق المقاول الإشكنازي، فماذا ستجنون من الدراسة الجامعية غير الراتب المحدود في وظيفة حقيرة؟”
كان ريمون قد قدم قبلي بشهر إلى إسرائيل وبالرغم من حصوله على شهادة البكلوريا العراقية وهو أبن ستة عشر عاما، فما زال ريمون لا يستطع القدوم وحده لأنه “قاصر” حسب قوانين التسقيط. أما أنا فقد قدمت وحيدا لأني بلغت السن الثامنة عشر. ولكي تتحايل الحركة الصهيونية في العراق، التي أشرفت على الهجرة، على إرسال أكبر عدد ممكن من النازحين وبأسرع وقت، فقد أُلحقَ أخي ريمون وبعده أخي مراد، بعائلتين يهوديتين أخريين بدعوى أنهما أبناء هاتين الأسرتين وألحق بتصريح “الخروج بلا عودة” تصويران شمسيان يضم عشرة أطفال لكل عائلة. وعندما سبّ مفتش الهجرة ولـدًا آخر أُلحق بالعائلة التي هاجر معها أخي مراد لاكتشافه بأنه كان لابسا أربعة قمصان وثلاثة بنطلونات وخمس فانيلات لكي يخفف من محتويات الحقيبة، قال له المفتش: “ولك ابن الجريدي، إشگد لابس؟”، بقي الولد “بالصفنات” (حائرًا مرتبكا)، فلما سأله أخي مراد ماذا جرى له؟ أجاب: “قل لي بربك، إلى أين تذهب اللعنة والإهانة التي صبها المفتش عليّ، هل هي على والدي، أي أبي الحقيقي أو الأب الذي ألحقتني به “التنوعا” (الحركة الصهيونية السرية في العراق)؟؟! لم يبق لهذا “الخايب” مشكلة أخرى غير معرفة من ستصيب اللعنات والإهانات التي صبها مفتشو الجمارك في العراق على الراحلين المظلومين، ولم يدر ما يخبئوه له الغد؟
قال لي ريمون فرحا لحصولي على عمل في البناء “يكسر الظهر”: “ليش مني قيطيح بيدو يشوف شغل؟ بس البغقبتو كوم اولاد يعطونو هوني شغل!” (من يتمكن هنا من الحصول على عمل؟ إنهم يمنحون العمل للذي له عدد كبير من الأطفال فقط). عجبت لهذا المنطق الغريب ولواقعية أخي الأصغر مني وفهمه للأوضاع بمثل هذه السرعة في هذه البلاد “الغربية الوجه واليد واللسان”، كما قال أبو الطيب المتنبي.
هكذا انتهت فترة حياتنا في العراق وقد لاقينا فيها الأمرين من طرد الموظفين اليهود وتجميد الأموال وتسقيط الجنسية العراقية وبيع الأملاك بأبخس الأثمان والملاحقات والتحقير والبهدلة التي بهدلونا بها أثناء تفتيش محتويات حقائب السفر الحديدية في مطار بغداد بملابسنا القليلة التي سمح لنا بأخذها، ثم مراسيم تمزيق الوثائق والشهادات التي أخذناها معنا بالرغم من ختم وزارة الداخلية بأن “لا مانع من الإخراج”، وتهشيم الصابون على الملابس وفحص الأحذية للتأكد من عدم وجود ذهب مخبأ فيها. والأنْـكَى من ذلك أننا وصلنا إلى إسرائيل في أحرج الأوقات بعد حرب دامية والدولة على وشك الإفلاس وقد استقبلت فجأة هذه الجموع الهائلة من القادمين الجدد. كان عليها انتهاز فرصة السماح لنا بالخروج أو التريث ومن يستطيع ضمان الخروج إلى إسرائيل فيما بعد. ولكن الشيء الذي أغضبنا هو هذه البرودة التي صدمنا به الموظفون في إسرائيل والذين لم يجيبوا على ترحيبنا: “شالوم حبير”، بل رشوا علينا الـ “دي دي تي”، نحن الذين تعودنا على الترحاب بالضيف، لكي لا ننقل “مكروبات العراق” إلى أرض الميعاد، ثم شحنونـا بلوريات البهائم إلى معسكر الحجر الصحي في “شاعر هعليا” (بوابة الهجرة) ووقوفنا في طوابير التطعيم الصحي وطوابير الطعام للحصول على نصف بيضة مسلوقة وخمس حبات زيتون وبرتقالة وقطعة من الفسيخ (السمك المالح) كادت تقلب معدتنا برائحتها الكريهة، بعد أن تعودت على السمك “المسكوف” المتبّل بـ”الكاري”، وشريحة من الخبز الأسود تمهيدا لتوزيعنا على معسكرات الخيام الأخرى لنبدأ حياتنا الجديدة جائعين في الأرض “التي تدر لبنا وعسلا” وتركونا “كلمن وحظه ونصيبه” وكلٌ ومقدرته على الصمود أمام هذه العالم الجديد الغريب التي انقلبت فيه الأمور والعادات والتقاليد والقيم الأخلاقية واللغة رأسا على عقب. فقد أصبحت تقاليدنا تعد من القيم المتخلفة ” ومن أيام العسملي” (العثمانلي)، وصار الأبناء من بنين وبنات، ويا للعار، يعملون ويعيلون الآباء الذين انزووا في أركان خيامهم المظلمة خشية نور الشمس التي ستظهر لهم انهيار عالمهم وضياع أموالهم المجمدة التي جمعوها بعرق جبينهم وجبين آبائهم وأجدادهم، ويتحرجون من طلب نقود من أبنائهم لشراء السجائر ليحرقوا بها غيظهم وكمدهم. مات من لم يستطع احتمال الصدمة، أما الباقون فقد ترحموا على أيام زمان وصاروا يشتمون نوري السعيد وبن غريون والطائرة التي أتت بهم في أغانيهم التي نظموها:
أويـلك بن غريون هجـجتْ كُـلّ الـكـون
وسـاعـة السـودا على الطيارة ال جابتـنا!
أما من بقي في العراق، فقد ذاق الأمرين وتوالت الحكومات المتعسفة تزج العراق في حروب داخلية وخارجية طاحنة مدمرة لا طائل تحتها أهلكت الحرث والنسل وفرقت بين أبناء العراق وشتتهم تحت كل كوكب، ثم أصبح الأخ يقتل أخاه العراقي في وادي الرافدين الذي أصبح من الأولى أن نسميه بـ”ـوادي المصائب والاغتيالات والسيارات المفخخة”، وبدّدوا ثروات العراق وأحرقوا بتروله وقتلوا شعبه وبذروا الأموال الطائلة لبناء قصورهم، حتى حانَ الحَيْنُ وأصبح العراق بركة دماء يسقط فيها كل يوم عشرات القتلى ضحية الحقد الأسود في العراق، فعند ذاك فقط حمدنا الله على عدم البقاء في العراق في مثل هذه الظروف العصيبة التي مر بها الشعب العراقي المسكين تحت حكام متعاقبين ونحزن لما يحل بالعراق من ويلات.
* * *
وبعد فللحديث بقية آمل في أن أتمها في فرصة أخرى وإن كنت أخشى أن أنسى تجاربي الذاتية قبل الهجرة وبعدها. فلِكُلٍ كاتب تجربته في الحياة تختلف بحسب مكان سكناه وأريحية جيرانه ومكانته الاجتماعية والمالية والحكام الذين ساسوا العراق آنذاك. آمل أن يستطيع شهود العيان مثلي تدوين تجاربهم وخاصة أولئك الذين لم تدوخهم هذه الأيام العصيبة فبقيت ذاكرتهم صافية لم يمحها النسيان ومشاغل الحياة ولم تنكبهم بفقدان الذاكرة بسبب الهرم وأمراض الشيخوخة لكي يستطيعوا تدوين ذكرياتهم على صفحات التاريخ المحايد لتحفظ في ذاكرة الزمن.
والآن وبعد أن استرد يهود العراق عافيتهم خارج العراق هل تُرى سنجد من سيروي تاريخهم بأمانة؟ لقد أخذ بعض الأدعياء من الباحثين الذين لم تُصْـلِهم نار تلك الأحداث، يكتبون تاريخ العراق ويهوده ويزورونه حسب النظريات السياسية والاجتماعية التي يؤمنون بها. فإذا لم نروِها نحن شهود العيان وندونها بأمانة فستضيع الحقيقة. فعلى عاتقنا ملقى واجب تدوين ما رأيناه وما قاسيناه، نحن الذين شاهدنا وعاصرنا واكتوينا بنار أحرج فترة في تاريخ البشرية وتاريخ الشعب اليهودي بعد الكارثة الكبرى (المحرقة) التي أخذ يجحدها من يدعي امتلاكه لمفاتيح الجنة والنار ومعرفة الحق والباطل فيقرر من ستكتب له الحياة ومن يجب “إبادته” لأنه على غير دينه وجنسه، محاولا تدمير هذه الحضارة الحديثة الرائعة التي شارك فيها اليونان والعرب وغيرهما من الشعوب، لأنها ليست “على كيفه”، فحرفوا الأديان ورسالتها على هواهم وحسب فتواهم، ولم يعتبروا بالطغاة من أمثال فرعون وهامان وقيصر روسيا وهتلر! فيا رب سـترك من هذا الزمن الكافر وارأف بالإنسان الذي طردته من جنتك وظنّ أن العلوم الحديثة والتكنولوجيا وحدهما ستبني جنته على هذه الأرض بدل القيم الدينية والإنسانية السامية من التعاون والإخاء والتكافل والمحبة والسماحة والمساهمة في العلوم التي تخفف من آلام الإنسانية، فخاب الظن ويا للأسف!

أ. د. شموئيل (سامي) موريه،
رئيس رابطة اليهود النازحين من العراق في إسرائيل.
7 يناير، 2007

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الحيم السلام عليكم انا قراءة ذكريات وشجونك للعراق ولقد علمت كم انتا انسان وطني وغيور عالعراق العظيم وبالنسبه لطرد اليهود من العراق هذه كلوها من صنع الاحتلال الامريكي والبريطاني وكما يحصل الان للمسيحيين في العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *