الرئيسية » مقالات » العراقيون بيدهم مفتاح الخروج من نفق القتل والدمار

العراقيون بيدهم مفتاح الخروج من نفق القتل والدمار

١. مقدمة
٢. كوارث البعث
٣. صدام و أمريكا
٤. ماذا حدث بعد التاسع من نيسان؟
٥. العوامل الخارجية – الادارة الامريكية -الدولة السورية.. عدو أم صديق؟ – الارهاب
٦. العوامل الداخلية – الاحزاب العراقية.. أحزاب وطنية أم خيم عشائرية و مذهبية؟
٧. ما الحل؟
تدين أم غلو؟ -معضلة رجال الدين و السياسة -السلاح -حل الميليشيات -الطبقة الوسطى -هيبة الدولة -الالتزام بالعهود و المواثيق -الحل التدريجي للمشاكل
١. مقدمة
أربعة اعوام مرت منذ انهيار النظام الفاشي القومي في العراق على يد القوات الغازية الامريكية والبريطانية وعدد من حلفائها. ومنذ اللحظات الاولى لهذا الزلزال المفاجئ وغير المتوقع سواء لاركان النظام او حتى لضحاياه، استقبل الحدث من العراقيين بين من رحب بالخلاص من هذا الكابوس وبين من وقع في دوامة من الذهول وعدم التصديق لحجم الحدث وسرعة تطوراته المتتالية. وراح نفر آخر من العراقيين يحسب الحساب بقلق لما سيأتي به المستقبل من تغيير واصطفاف جديد للقوى وطبيعة السلطة القادمة والتي قد تؤدي الى الحد من امتيازات هنا وهناك او من ضياع موقع هش تتقاذفه ريح التغيرات العاصفة. وبالطبع كان هناك نفر آخر وهم يمثلون الأقلية في المجتمع، والمرتبطة مباشرة بالنظام المنهار من حيث المصلحة والممارسة او المشاركة في جرائمه وبشاعاته، أصيبت بالصدمة وتملكها الذعر، وتفادت غضب العراقيين واختبأت في بيوتها او بيوت جيرانها، او آثرت الهروب الى الدول المجاورة مع كل اسرار اجهزة النظام وخططه وقدرته المالية الضخمة والتنظيمية والمخابراتية. وفي خلال هذه الاعوام الاربعة، تصاعدت تدريجياً خلالها موجات من العنف والقتل الفريد والدمار الهائل الذي لم يشهده العراق، ووصل الى مستويات خطيرة ليضيف دماراً الى ذلك الدمار الكبير الذي احدثه الحكم السابق بهذا البلد الكريم.


تفجير الشورجة-بغداد- في 7 شباط عام 2007
مقاومون أم وحوش وخونة
ويطرح المواطن العراقي اليوم أسئلة محيرة كثيرة. ولعل اول هذه الاسئلة هو: هل بمقدور العراق الخروج من هذا النفق المظلم؟ ثم لماذا حدث ما يحدث من عنف متصاعد منذ ان انهار النظام ؟ هل ذلك محظ صدفة، أم هو من ضمن تخطيط مسبق؟ وما هي القوى التي لديها مصلحة في استمرار دوامة هذا الانهيار المريع في القيم والسلوك؟ ينبغي الاعتراف بأنه وفي مثل هذه الاجواء العصيبة والمعقدة، يقع العراقيون فريسة للكثير من المضاربات والاشاعات والحرب الدعائية والنفسية المتشعبة المصادر حول مسببي هذه الافعال الدموية. فمنذ ان بدأت هذه الافعال الشريرة، وجهت الاطراف التي لها صلة بالنظام السابق وأطراف اخرى لها مصلحة بتدمير البلاد الاتهامات، جرياً على عادتها، الى قوى خارجية وتحديداً اسرائيل والولايات المتحدة في محاولة للتستر على الفاعل الحقيقي ولتشيع الفوضى والعبث والبلطجة والتأليب على الوضع الجديد. فقد وجه الاتهام الى هذه القوى الخارجية في تصفية العديد من الاساتذة والعلماء العراقيين ومن ذوي الخبرة والتجربة في مختلف الاختصصات العلمية والأدبية والفنية، إضافة الى إغتيال الضباط والطيارين العسكريين العراقيين خاصة من الذين عادوا من جديد الى العمل في صفوف الوحدات الجديدة للجيش العراقي. وما زال العراقيون تتجاذبهم الريح بين تصديق او نفي هذه الاتهامات رغم انعدام اية دلائل لها، إذ لم يتم العثور ولحد الآن، على اي ضابط اسرائيلي او امريكي متلبساً بالقيام بهذه الافعال الشريرة، بإستثناء من أدانتهم الإدارة الأمريكية نفسها جراء أعمال مشينة ضد سجناء عراقيين. علماً إن السلطات العراقية قد قتلت المئات، وألقت القبض على اضعاف من جنسيات عربية وافغانية وايرانية وهم متلبسين بالجرم. وحكمت محكمة الجنايات العليا العراقية على البعض منهم أخيراً بين الإعدام او لمدد مختلفة. ففي خلال الاربعة أشهر الماضية فقط ، إعتقلت الاجهزة الأمنية العراقية 150 مصرياً و 140 سورياً و 80 ليبي أضافة الى العشرات من السعوديين والبحرانيين واليمنيين والافغان المتهمين بالتخريب وممارسة القتل والإرهاب. كما أنه أصبح من المعروف أن جميع الإنتحاريين هم من جنسيات عربية وإسلامية وليس بينهم أي مواطن عراقي, إن مهمة “البلطجية” من العراقيين من فلول النظام السابق هي كعادتهم عندما كان الحكم بيدهم هو النهب وقتل أبناء جلدتهم.
ولكن رغم كل هذا التشويش وخلط الاوراق والتستر على المجرم الحقيقي، فإن كل الدلائل التي تتضح تدريجياً يومياً وبإعتراف مرتكبيها توجه اصابع الاتهام بالدرجة الاولى الى فلول النظام السابق واجهزته القمعية والبوليسية الذين فلتوا من الضربة، وإنحنوا لفترة كي يعاودوا نشاطهم ضمن مسعى لإعادة العجلة الى الوراء وإرجاع “حزب العودة” الى السلطة من جديد، الى جانب حلفائهم من اقطاب الجريمة المنظمة والتكفيريين العرب وكل من تضرر من انهيار النظام.
٢. كوارث البعث
إن طبيعة حزب البعث الانقلابية الفاشية لا تسمح له بأن يؤمن بأي مظهر من مظاهر تداول السلطة او بأي مظهر ديمقراطي يحترم ارادة الشعب. ويكفي النظر الى ممارساته عندما استلم السلطة في العراق او في بلدان عربية كي يتضح للجميع الطبيعة الفاشية لهذا الحزب. ففي العراق نصب هذا الحزب حمامات دم لجميع من خالفه في الرأي او ممن كان يشعر أنه قد يزاحمه حتى في المستقبل البعيد على السلطة انطلاقاً من مقولة كان يرددها زعماء هذا الحزب دائما في لقاءاتهم مع الآخرين:”إننا أتينا كي نبقى وبأي ثمن” حتى ولو كان ذلك على حساب تدمير البلد برمته. فقد كان بإمكان صدام حسين، على سبيل المثال ،ان يخرج من الكويت في عام1991، أو أن يتنازل عن “عرشه” وحزبه كي لا تلحق المهانة والهزيمة والتدمير بالجيش العراقي. وفي عين الوقت فإن تنازل الطاغية عن الحكم يجنب العراقيين كارثة الحصار والحروب وآثارها المميتة. ولم يصغ صدام الى نصيحة رئيس دولة الامارات وعدد من الحكام العرب ويتنازل عن “عرشه” ليتجنب ذلك الزلزال الذي عصف بالبلاد في عام 2003. ولكن تشبث هذا الطاغية هو وشركائه في الجريمة بمقولة “أتينا كي نبقى” جعلتهم يضحون بالعراق والعراقيين من أجل هذه الغرائز المريضة.
ولكي تتحقق هذه “الخرافة” التي كان يلوح بها قادة البعث، عمد صدام وبعيد تسلطهم على السلطة في عام 1968 الى تخريب الحركة السياسية في البلاد وتحويل العراقيين الى عبيد له بقوة البطش غير المعهود وشراء الذمم وخلق فزاعات للعراقيين من أمثال “ابو طبر”، تماماً كما اخترعت أطراف أخرى الآن تقليعة “ابو درع”، كي يرهب العراقيين ويعيشوا في رعب دائم. لقد وُظّفت نسبة كبيرة من اموال الدولة وإيراداتها لتعزيز الشبكة البوليسية وشبكات الرعب، وليس لردع القوى المعادية للبلاد وكبح مؤامراتها، بل لإذلال الشعب وقمع أي احتجاج له ضد النظام . كما استقطعت نسب كبيرة من واردات الدولة وبضمنها “حصة گولبنگيان” المؤممة من وارادات النفط، ووضعت في بنوك اجنبية كي يتم الاستفادة منها اذا ما تم إنهيار سلطتهم، ولكي يعودوا من جديد بواسطتها ليتسلطوا من جديدعلى رقاب العراقيين. هذا ما كان يردده قادة البعث في الاروقة الخاصة، وعندما كانوا يسألون عن سبب سطوهم على حصة گولبنگيان البالغة 5% من الواردات النفطية العراقية. وبالتدريج ومع شعور هذه الزمرة التي إختطفت العراق بالعزلة والقرف الذي يبديه العراقيون اتجاههم، راحوا يلوحون بشعاراتهم المشينة القائلة “ان من يفكر بإزاحة البعث سيجد العراق ارضاً محروقة بدون زرع ونبت وبشر”. وردد قطب النظام مقولة أخرى مثيرة تقول إن “من يفكر بأخذ السلطة من البعث، فسوف لا يستلمها، بل ستستلمها الامبريالية والرجعية”. هذه الاقاويل والهذيانات قيلت وبصراحة امام سياسيين عراقيين، و كانت بعضها تتصدر صفحات صحفهم الرسمية وتصريحات أبناء صدام واتباعه وبكل وقاحة، وكأن العراق بستان من بساتينهم التي سطوا عليها في بقاع العراق كله. لقد جُهزت مؤسسات القمع والبطش بكل ما تحتاجه لقمع العراقيين وليس لمواجهة تهديد خارجي. وهذا ما لاحضناه عندما تعرضت البلاد الى الغزو الخارجي، حيث تعاون من تعاون من جنرالات النظام مع الغزاة و لاذ آخرون بالفرار ورموا اسلحتهم في الشوارع كي يسطوا عليها عتاة الجريمة المنظمة المتحالفة مع النظام السابق. وقاموا بذلك هم لا غيرهم بحل الدولة والجيش والاجهزة بعد ان سموا الدولة وجيشها وكل مرافقها بأسم صدام حسين الذي سقط وسقطت كل الدولة، ثم ولوا فارين من ميدان المعركة، قبل أن يصدر الحاكم الامريكي الجديد بريمر قراره بحل دولة صدام.
3. صدام و أمريكا
وتبعاً لذلك شرع النظام بتوفير العدة والخطط في حالة انهيار نظامه، خاصة وانه بدأ يشعر بأن الحلقة بدأت تضيق حول عنقه بعد كل المغامرات التي تورط فيها اقليمياً. فقد أُعتبر رأس النظام “مرتداً” بعرف من ساندوه في مغامراته السابقة، وزودوه بكل ما يعينه على التجبر والبطش بالعراقيين سواء من الدول الكبرى،وتحديداً الولايات المتحدة، او من الدول الاقليمية الخليجية على وجه الخصوص بعد ان تجاوز الخط الاحمر، بعدما دفعته رعونته الى احتلال الكويت وإلغاء الوجود السياسي لهذه الدولة التي دفعت المليارات له كي تنقذ حكمه وتدعم خططه الجهنمية العدوانية في السابق. وفي داخل البلاد، وفي مسعى لفرض الهيمنة على الشعب الذي فقد كل ثقة في النظام، ذهب النظام بعيداً في تفتيت نسيج الشعب العراقي وخلق العداء بين اطيافه. لقد قسّم رأس النظام المنهارالبلاد الى محافظات “سوداء”!!، وعددها 15 محافظة من التي شملتها انتفاضة عام 1991، و التي حرمت من ادنى اشكال الرعاية او العناية من قبل السلطة البائدة، وثلاث محافظات “بيضاء”، لكونها لم تشهد مظاهر الاحتجاج على سلطة البعث على الرغم من إنها لم تسلم من الحيف والحرمان شأنهم شأن كل المواطنين العراقيين. وقد ركز الطاغية على بغداد التي تحولت احياؤها واطرافها في عهد الطاغية الى “كانتونات عسكرية” لحرسه الجمهوري وقواته الخاصة ومخابراته واجهزته الامنية وجيشه الشعبي وفدائييه من الذين جلبوا وأسكنوا في هذه الحاضرة التاريخية، سواء أكانوا من العراقيين او من العرب وغير العرب مثل مجاهدي خلق الايرانية. ان الهدف من ذلك هو تطويع اهالي بغداد واذلالهم وقمع اي تحرك لهم ضد النظام. وهكذا اصبحت بغداد تحتضن حوالي ثلث نفوس الشعب العراقي، واصبحت جمهرة كبيرة من سكانها هم ممن جلبهم النظام من المناطق النائية واعطاهم الامتيازات والسطوة. ولعل ما يحدث في بغداد حصراً الآن خير دليل على ما خطط النظام لهذه المدينة وما كان ينويه للعاصمة من خطط جهنمية لتدميرها بأهلها.
وإمعاناً في تشرذم الشعب وأثارة المواجهة بين أبنائه، عمد النظام الى إحياء العصبيات العشائرية والقبلية. وشهد العراقيون وعلى شاشات التلفزيون يومياً ولساعات طويلة مملة تلك “المشاهد” الغريبة المتخلفة الرعناء للديكتاتور وهو يخاطب “رؤساء” العشائر المزعومين ويسألهم عن أحوال ” الاعمام”، بشكل لا يؤدي الى توحيد نسيج الشعب العراقي بقدر ما هو مسعى واضح متعمد للعودة بالعراقيين الى عهود بالية من التشرذم والعصبية العشائرية والقبلية التي طوى الزمن صفحة عليها. إنها عملية شريرة تستهدف هدم مقومات الوحدة الوطنية والمواطنة العراقية والهوية العراقية والحقوق المدنية للمواطن. إن إحياء النظام السابق لهذه النزعة، الى جانب السياسة الطائفية والتمييز العنصري التي اعتمدها، زادت من تشرذم المجتمع وتفتته، فتكرس الفساد فيه مما ادى الى إلغاء كل مظهر من مظاهر القانون فيه.
كما راحت الطغمة الحاكمة الفاشية القومية تفتش ايضاً عن من يعينها على مواجهة الخطر المحدق بها، وسعت الى اللقاء مع “مرتدين” آخرين من انصار تيار التخلف والتوحش والفاشية الدينية الذين هم ايضاً تنكروا لمن أعانهم في “جهادهم” في افغانستان ثم تنكروا لأولياء نعمتهم واصبحوا في خندق واحد مع صدام وامثاله. ولكي يؤكد حرصه على التحالف مع الفاشية الدينية والمتطرفين الاسلاميين و “المجاهدين”، اعلن صدام حسين وبشكل مفاجئ وهو الذي كان يحاسب اتباعه على ارتيادهم للمساجد، “حملته الايمانية” التي ترأسها “الملا” عزت الدوري. واصبح صدام لا يفارق في “مسلسلاته” التلفزيونية القرآن والمساجد ويكرر بملل في خطاباته المفردات الدينية والادعية والفتاوى، كما راح يشيع الشعوذة والدجل. ونشرت صوره وهو بكيفيات مختلفة فتارة نراه يسجد ويلتمس الدعاء وتارة ينشر “شجرة” عائلته التي لصقها بسلالة النبي وتارة أخرى وهو يصلي في المسجد الأقصى. كما تحول نائبه عزة الدوري بقدرة قادر الى “درويش” من دراويش التكايا. ودخل النظام في صفقة مع منظمة القاعدة الارهابية، ومع اتباع المذهب الوهابي المتطرف من العراقيين، الذين جرى تمويلهم وبسخاء من قبل اثرياء الارهاب والتطرف الديني في السعودية ودول الخليج. ووضعت الخطط لتحويل العراق بعد إنهيار حكم البعث الى ميدان “للجهاد” المزعوم. وبذلك تحول الشعب العراقي إلى فريسة تنهش في جسده الاطماع الاقليمية والصراعات المذهبية، وزج العراقيين بحروب بالوكالة عن الآخرين، هذا الى جانب تحويل العراق الى قاعدة للارهاب الدولي الخطير ضد الشعوب الاخرى. هذا ما كسبه العراقيون من حكم البعث ورسالته الخالدة و “فارس الأمة العربية” الذي دام قرابة اربعة عقود عجاف من نزيف دماء ونهب وبطش وفساد شامل ودمار في الوجدان والقيم الروحية وتحطيم المواطنة العراقية وتمزيق المجتمع وهجرة بالملايين لم يعهدها العراقيون الى الخارج. كما ادى ذلك الى دمار اجتماعي أرجع العراق قروناً الى الوراء مما سيحتاج البلد الى اجيال كي يتم اصلاحه.
وتوجه النظام ضمن خطته الشاملة الى رشوة وإفساد اوساط رسمية وحزبية ومهنية في المجالين الاقليمي والدولي كي يسعفوه في حالة تعرض كرسيه للانهيار، أوالسعي لدعمه في مسعاه للعودة الى الحكم من جديد. وشملت الرشاوي وشراء الذمم اوساطاً واسعة من مشارق الدنيا ومغاربها، حيث قدم العطايا والكوبونات النفطية وحقائب السمسونايت المحشوة بالدولارات الى رجال الدول وزعمائها او ابنائهم علاوة على قادة في الحركات السياسية بكل تلاوينها واجهزة الاعلام بشكل لم تشهدها عملية شراء الذمم نظيراً لها في كل تاريخ هذه المأساة التي جرت على حساب حرمان وجوع ابناء الشعب العراقي. فالطاغية، على سبيل المثال، كان يقدم 20 الف دولار سنوياً الى حسنية مجيب الرحمن في بنغلاديش ومنذ اوائل السبعينيات، وتصاعدت الرشاوي وقدمت كوبونات النفط وبملايين الدولارات الى زويغانوف زعيم الحزب الشيوعي الروسي والى ابن رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي والى ابن مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري الاسبق والى غالاوي المضارب وعضو البرلمان البريطاني، ورمزي كلارك المدعي العام الامريكي السابق والى وزراء فرنسيين وغيرهم. كما وزع صدام حسين الهبات والرشاوي على شبكة واسعة من العراقيين والعرب وغير العرب من المرتزقة والدخلاء على الاعلام في بلداننا العربية في سابقة لم يعهدها “بزنس الرشاوي” في العالم من قبل. لقد بانت نتائج هذا “الكرم الحاتمي للرئيس” اخيراً في ردود الفعل الصريحة والعلنية الغاضبة لكل هؤلاء على انهيار الطاغية وعلى محاكمته ثم اعدامه. فقد إستمات جميعهم في الدفاع عن “سيد الشهداء” ولي نعمتهم وتزكيته وإقامة مراسيم النواح عليه، في سابقة من ردود الفعل لم تحدث في العالم ازاء سقوط او موت اية طاغية من طغاة العالم.
وخلاصة القول قام النظام السابق بزرع الالغام في كل زوايا حياة العراقيين كي يفجرها، ويحول حياة العراقيين الى جحيم في حالة سقوطه واندحاره. وهيأ لذلك اضافة الى كل ما اشير آنفاً جهازاً اعلامياً عراقياً وعربياً فعالاً كي يدير حربه الاعلامية ويبث الاشاعات وتزييف الحقائق. ولنا الآن في هذا الحجم الكبير من الفضائيات والمراكز الاعلامية والأقلام الصفراء، التي تعمل بعضها في العراق، خير دليل على ما استعد النظام له في حالة سقوطه.
٤. ماذا حدث بعد التاسع من نيسان؟
ان الغرض من سرد كل هذه التفاصيل عن التدابير والاستعدادات الشاملة التي اتخذها النظام تداركاً لسقوطه هو محاولة لفهم وتوضيح مايجري حالياً ومنذ التاسع من نيسان عام 2003، عندما تمت الاطاحة بالنظام الديكتاتوري، وتفنيد كل تلك الادعاءات وتزوير الحقائق والوقائع واللعب على الأحداث وفضح من يطلق النعوت حول “جهاد” مزعوم و”تحرير” مزيف و “مقاومة شريفة” تجري في العراق، وما هو في الواقع الا “جهاد” ضد العراقيين وذبحهم وتدمير بلادهم والقاء تبعة ذلك على جهات أخرى.
فمنذ اليوم الاول للسقوط، شرعت أجهزة النظام البوليسية وحلفاء النظام المنهار بتطبيق المخطط. فقد تم حرق اهم المراكز الرسمية والعلمية والفنية الحساسة ووثائق الدولة في العاصمة وفي بقية مراكز المحافظاـت. وتم إخفاء كل أرشيف الأجهزة الأمنية وأسرارها وخططها بأمل الحفاظ على هذه الأجهزة من دون ملاحقة وحساب على شرورها. كما تم السطو والسرقة على أموال وممتلكات الدولة والاسلحة من قبل العصابات الاجرامية التي اطلق النظام سراحها قبل اندلاع الحرب ضمن صفقة بين اقطاب النظام وعتاة الجريمة المنظمة التي ترعرعت واستفحل دورها في كنف النظام. وإنظم الى هذا الطابور من الحرامية والعابثين أيضاً من سموا بالحواسم، وما هم الا بقايا فلول النظام واجهزة الامن والقمع التابعه له ممن “تابوا” على يد مقتدى الصدر، وغيره من ادعياء الدين الجديد. وراح هؤلاء “المؤمنون” يساهمون ايضاً في سرقة اموال الدولة والاسلحة وذخائرها وحملات القتل ضمن مخطط للعبث بمستقبل البلاد. كما شرعت بالتحرك تدريجياً كل تلك “الخلايا النائمة”التي زرعها النظام في داخل المؤسسات الدينية سنية كانت أم شيعية، او في غيرها من حركات المعارضة، او خزينها الموجود في الخارج ايضاً ضمن عمل منسق لتدمير العملية السياسية وعودة الطغيان الى البلاد من جديد.
إن الحادثة الاخيرة الدموية التي وقعت في منطقة الزرگه في مدينة الكوفة- محافظة النجف- عشية عاشوراء، والتي كان يتزعمها “المهدي المنتظر المزعوم”، هي واحدة من الامثلة الصارخة على تلك الخلايا النائمة التي زرعها النظام المنهار في كل بقاع العراق وخارجه، مستغلين في ذلك الانحطاط والجهل والتخريف و “الإستحمار” الذي فرض في المجتمع من قبل أرباب “الرسالة الخالدة”. فقد سطت الطغمة الحاكمة المنهارة في سنوات طغيانها على تلك المزارع الخصبة في الكوفة وملّكتها لأزلام النظام قسراً بعد ان طردت الفلاحين منها. وتحولت هذه المزارع، شأنها شأن مزارع أخرى في مختلف بقاع العراق، الى “كانتونات وقواعد عسكرية” لتلعب دورها في قمع الاحتجاجات الشعبية في مناطق تعادي النظام السابق، او لتتحول الى قواعد للردة بعد الاطاحة بالنظام. وبعد سقوط النظام وتصاعد “المبالغات والمزايدات بالشعارات الدينية” والخرافات، وفي ظل اجواء الدمار الروحي والمعرفي، توفرت ارضية خصبة لهذه البؤر الارهابية والمتطرفة، سنية كانت ام شيعية، للتلاعب بالمشاعر والمعتقدات الدينية عند المواطنين لتمرير مخططاتها. وراحت هذه البؤر التخريبية تجند البعض من “القشامر والمغفلين واليائسين من الحياة والقوى الهامشية في المجتمع”، الى جانب المرتزقة العرب والاجانب لحرق المنطقة بمن فيها بحجة تمهيد الطريق لظهور المهدي، تماماً كما لعب النظام ومخابراته في السابق بورقة “الحملة الايمانية ” لخداع المؤمنين البسطاء في السابق، وخداع من أندفع وراء شعار “الجهاد” وسار وراء فتاوى الصعلوك الزرقاوي وأشرار القاعدة ضد “المحتل” او ضد “الروافض” بعد انهيار النظام. وتدور في المنطقة شكوك بين المواطنين حول علاقة هذه الزمرة بزمر أخرى ترفع راية دين، خاصة وان الكوفة كما يعلم القاصي والداني تحولت الى معقل لانصار العابثين بالدين من أنصار مقتدى الصدر، ومن غير المعقول ان استعدادات كالتي جرت في منطقة الزرگه كانت بعيدة عن عيون انصار هذه الفئة.
٥. العوامل الخارجية
وهناك عدد من العوامل الدولية والاقليمية والداخلية التي فاقمت ما زرعه النظام في السابق من امراض في المجتمع، بل وساعدت على تدهور لاحق للوضع في العراق ووصوله الى هذه المديات الحالية الخطيرة، نأتي على ذكر بعضها.
الادارة الامريكية
ان اول هذه العوامل هي الاخطاء الستراتيجية الكبيرة التي أرتكبتها الادارة الامريكية بعد إجتياح العراق وإسقاط الطاغية ونتائجها. بالطبع لا نتناول هنا أو نناقش صحة او خطأ قرار الغزو، فلهذا الموضوع باب خاص يمكن مناقشته على حدة. ان الامر يتعلق بأخطاء ستراتيجية بالغة الخطورة قبيل وبعيد الغزو ساعدت فلول النظام وحلفائه على الانتعاش بعد ان عاشوا العزلة، ثم شروعهم وتماديهم في الاستمرار في تدمير البلاد وقتل اهله. فالادارة الامريكية وقعت في تخبط خطير بعد إنتهاء الحرب، أحد أسبابها الصراعات الحادة في داخل الإدارة الأمريكية بين وزارة الدفاع والخارجية ووكالة المخابرات المركزية.
ولم يكن لدى هذه الإدارة كما يبدو اي تصور واضح ودقيق عن ما طرأ على الواقع العراقي من تغييرات سلبية في ظل صدام حسين. ولا تعرف هذه الادارة التخريب الذي تعرض له المجتمع العراقي في ظل النظام السابق. ويبدو من كل تخبط الادارة الامريكية بعد الغزو، انها لم تكن تمتلك صورة عن دقائق هذا الوضع، بل انها قد فوجئت به كما اعتقد. أظن إن الادارة الامريكية كانت على اعتقاد، أو كما صوّر لها، بأنه في اللحظة الاولى من سقوط النظام، ستستقر الامور، ويتم بناء اركان الدولة وتعم الديمقراطية التي تنشدها في العراق. ولقد غرقت الادارة الامريكية في نشوة النجاح بعد ان اسكرها ذلك الانتصار العسكري السريع على نظام الطغيان في ايام معدودة. وتبعاً لذلك لم توفر ادارة الاحتلال اية قوة بوليسية نشطة وقوية كي تضبط الامن في العراق بعد ان شلت كل اجهزة الدولة الامنية وتهاوت، وتحولت هذه الأجهزة الى وسيلة لعرقلة بناء الدولة على أسس جديدة. وهكذا تحولت البلاد الى فريسة للنهب والحرق والتدمير والتخريب دون ان تستطيع اية قوة بما فيها الجيش الامريكي ردع وكبح هذه القوة التدميرية المتعددة الاهداف والمشارب.
ولم تدرك الادارة الامريكية انها غزت مجتمعاً خرج للتو من عدة حروب بنتائجها الاجتماعية والنفسية المدمرة، حيث ان غالبية افراد هذا المجتمع كانوا يعانون من الفقر والحرمان الشديدين والبطالة، ويتقنون استعمال السلاح علاوة على انتشار السلاح بشكل واسع في البلاد بعد اندحار الجيش وترك السلاح الخفيف والثقيل والعتاد، الذي كان يجهز أكثر من مليون عسكري عراقي، في الشوارع ومخازن الجيش. وإضافة الى ذلك، كانت غالبية الإجراءات التي اتخذتها ادارة الاحتلال تتميز بالارتجال ولم تعالج بشكل سليم العقد الاساسية التي يعاني منها المجتمع العراقي. وكانت الادارة الامريكية تستجيب لدعوات اطراف عراقية او اقليمية ظناً منها ان ذلك قد يساعد على استتباب الامن ثم الانتقال الى نظام دستوري يحكمه القانون وبإرادة شعبية. كان على الادارة الامريكية ان تدرك ذلك الانقسام الخطير في المجتمع لدوافع طائفية واثنية وسياسية ومعالجة ذلك بحكمة وعلى مدى طويل، وأن لا تنصاع لارادة احزاب طائفية من كل التلاوين، بل تقف موقفاً حازماً ضد كل دعوات التشرذم الطائفي والمذهبي والاثني. كان على الإدارة الأمريكية أن تتجه لحل اكداس من المشاكل العالقة تدريجياً، وبعيداً عن الواجهات الطائفية والمحاصصة المشينة.
كما لم تعالج الادارة الامريكية ببعد نظر وبحكمة الموقف ممن خدم في اجهزة النظام السابق سواء في الاجهزة الادارية اوالامنية اوالعسكرية اوالحزبية هم وعوائلهم بالملايين. فهذ الامر كان يحتاج الى قدر كبير من البصيرة والتمعن لأنه يمس شريحة كبيرة حتى لا ينتقل ويندفع هؤلاء الى جانب فلول النظام المعزول. ونتيجة لهذا الاهمال لهذه الشريحة، راحت فلول النظام تستعيد قواها تدريجياً مستفيدة من هذه الجمهرة الواسعة التي لم يستطع الوضع الجديد اجتذابها او حتى تحييدها، علماً ان غالبيتها الساحقة لم تكن تدين بالولاء للنظام السابق الا ظاهرياً ولدوافع انتهازية ونفعية في الغالب.
لقد إرتكبت الادارة الامريكية آلاف الاخطاء، وبإعتراف المسؤولين الامريكان، مما سهل على القوى المعادية للعملية السياسية والتغيير الحاصل بكل الوانها والقوى الاقليمية المعادية أن تجر العراق الى حريق يصعب توقع نهايته في الأمد القريب. واضافة الى ذلك، لم تقدر الادارة الامريكية، ولم تتخذ اي اجراء ازاء ردود الفعل السلبية المحتملة للانظمة الاقليمية على الوضع الجديد بعد سقوط نظام الاستبداد في بغداد ونتائجه على دول المنطقة التي يحكمها مستبدون لا يختلفون عن صدام الا بدرجة القسوة والعربدة. ان اكثر ما يخشاه حكام هذه الانظمة الاقليمية هو التغيير الذي طرأ على موقف الادارة الامريكية، من مساند للانظمة الديكتاتورية في عهود الحرب الباردة الى عنصر فعال للاطاحة بالاستبداد، والتوجه نحو بناء انظمة قائمة على شريعة القانون وليس الغاب، وحكم الشعب والديمقراطية وليس الاستبداد والطغيان وازدراء المواطنين. ولذا كانت ردود فعل هذه الانظمة على سقوط النظام سريعة وعنيفة، وليس لصالح نجاح العملية السياسية الديمقراطية السلمية في العراق. وفتحت هذه الانظمة الاستبدادية المخابراتية حدودها مع العراق، هذه الحدود التي لم يكن بإستطاعة اية “حشرة” ان تخترقها سابقاً. وسمح لقوافل القتلة التي ترفع راية “الجهاد” و”مقاومة المحتل” في الظاهر، ولكنها تسعى في الواقع الى ابادة العراقيين وزرع الفتنة بينهم والى تدمير البلد ووقف العملية الديمقراطية التي ينعتونها بالفوضى، هذه الفوضى التي خلقوها هم بدعمهم للقوى الفوضوية والعبثية وتشكيل احزاب وهمية لعملاء عراقيين زودوا بالاسلحة والاموال الطائلة وتحت واجهات دينية طائفية في الغالب. انه مسعى من هذه الانظمة لدرء ما يتهددها في الداخل جراء التحولات المحتملة في المنطقة، ونقل معركتها الى محيط خارجي تماما كما فعلوا ويفعلون في لبنان ومناطق اخرى.
الحكم السوري والإيراني.. عدوان أم صديقان؟
ولعل اغرب اقرار بتدخل الدول الاقليمية في الشؤون الداخلية للعراق وتشجيع اعمال القتل هو ما صرح به بشار الاسد للاعلام أخيراً من أن”سوريا ليست اللاعب الوحيد في العراق، ولكنها اللاعب الاساس”. إن هذاالتصريح يؤكد ان حكام سوريا وحليفتهم الفئة الدينية المتطرفة الحاكمة في ايران يقفون وراء المصائب التي يتعرض لها العراقيون. انه اقرار صريح بالعبث بالعراق، وكأن العراق ساحة كرة القدم للمخابرات السورية وعملائها في العراق. فأين هذا الحرص الاخوي على العراقيين الذي يتشدقون به، ومتى تكف الحكومة السورية عن لعبتها الخطيرة ضد بلد فتح كل ابوابه للتجار السوريين، ونقل ابناؤه اموالهم الى سوريا بعد ان حولت الحكومة السورية ارض العراق الى جحيم بإعتبارها “اللاعب الاساس في العراق”. إن موقف الدول الاقليمية واطراف متطرفة فيها ما هو الا تكرار اكثر بشاعة من موقف سابق لها بعد ثورة تموز في العراق عام 1958 وفي مجزرة شباط الاسود عام 1963. إن توفير الحكومة السورية الملاذ لمن بطش بالعراقيين والسماح لهم بعقد “مؤتمر” لحزبهم وإستقبال الرئيس السوري بين حين وآخر أناس منغمرون بأعمال عنف ضد العراقيين لا ينسجم مع تعهدات سورية بالمساعدة على حفظ الأمن في العراق. ونفس الأمر ينطبق على حلفاء الحكومة السورية من حكام التطرف الايراني الذين يمدون بعض المتطرفين الإيرانيين بالاسلحة المدمرة والأموال ويستضيفوا وياللعجب أنصار “القاعدة” كي يعيثوا الفساد في العراق.
الارهاب
وبالرغم من التكرار الممل للإدارة الامريكية لموضوعة مكافحة الارهاب، الا أنها تجاهلت خطر نشاط “الأرهاب الدولي-القاعدة” في العراق، ولم تتصدى لاحتمالات انتقال اعداد غفيرة من عصابات الارهاب الاجنبية الى داخل العراق للقيام بعمليات القتل والتخريب. فمن المعروف ان هذه العصابات الاجرامية اخذت تنتقل قبيل الحرب وعلى المكشوف عبر الدول المجاورة الى العراق دون ان تتخذ هذه الدول اية اجراءات، ان لم تكن قد ساعدتها على التسلل. ولم تتخذ الولايات المتحدة اية اجراءات ضد هذا التسلل لدوافع مثيرة للشكوك. هذا التسلل اصبح لاحقاً احد اهم عناصر موجات القتل والتدمير والفوضى في العراق. وراحت هذه القوى الإرهابية الشريرة تسعى نحو تحقيق هدفاً اساسياً لها وهو إثارة المواجهة العنفية بين العراقيين على اسس طائفية ضمن مخطط اعلنه صراحة الزرقاوي ومنظمة القاعدة الارهابية قائم على اشعال الحريق الطائفي في بلادنا. ولم تتحرك الإدارة الأمريكية للضغط على حلفاء لها من شيوخ الخليج ممن يوفرون الملاذ الآمن للأرهابيين ويوفرون الإعلام النشيط للتغطية عليه(قطر)، إضافة الى تغاضيهم عن حملات جمع التبرعات لهؤلاء القتلة والتحريض على العراقيين وعلى المكشوف وحتى في أيام مقدسة كأيام الحج وفي غالبية دول الخليج.
٦. العوامل الداخلية
الاحزاب العراقية.. أحزاب وطنية أم خيم عشائرية و مذهبية؟
ولم تقتصر الأخطاء على الادارة الامريكية فحسب، بل تعداها الى من تصدر الواجهة السياسية من العراقيين واحزابهم بعد الاطاحة بالديكتاتورية. فغالبية الاحزاب السياسية العراقية و الواجهات السياسية هي الأخرى تتحمل مسؤولية في تدهور الاوضاع بعد الاطاحة بالطاغية وحكمه. فلم يكن لدى هذه الاحزاب نظرة مشتركة حول افق بناء الدولة الجديدة في العراق. إن الاحزاب المذهبية، وهي التي تتحمل المسؤولية الاولى بغض النظر عن هويتها، لا تؤمن بالديمقراطية التي تعد البديل الضروري الوحيد للطغيان السابق وبناء عراق آمن ومستقر، بل ولا يدور في ذهنها سوى مشروع طائفي لا يخدم العراق. وبالرغم من قبول هذه الاحزاب بموضوعة الديمقراطية شكلياً وعلى مضض وإستحياء في بيانات اجتماعات المعارضة العراقية قبيل الغزو، الا ان لدى هذه القوى السياسية الطائفية تصورات متضاربة حول البناء السياسي الديمقراطي، سواء اكانت هذه التيارات شيعية ام سنية ولحد الآن. ويكاد هذا التصور يقترب من فرض استبداد جديد مبطن بالمذهب او الدين او بناء دولة ثيوقراطية طائفية استبدادية عوضاً عن استبداد الدولة القومية الطائفية العنصرية المنهارة. ولا تجلب هذه القوى البدائل المناسبة اي نقيض لإستبداد الحكم السابق، بل تسعى الى تكرار له وبملابس جديدة لا تجلب الاستقرار في البلد. ان هذه الاحزاب المذهبية لا تعتبر الديمقراطية الا سلماً تتسلق عليه كي تحتكر الحكم وتفرض نظاماً مذهبياً لا يؤسس لقاسم مشترك بين العراقيين. إنه في الواقع صيغة أخرى للنظام الاستبدادي السابق ولكن بصيغ وفتاوى وتصورات دينية مشوهة لا تخدم صياغة هوية مشتركة للعراقيين.
ولابد هنا ان نلقي نظرة سريعة على سلوك وقناعات منتسبي هذه التيارات السياسية المذهبية. فعلى سبيل المثال يصرح رئيس مجلس النواب الدكتور محمود المشهداني، ممثل التيار السلفي، ومن على منبر مجلس النواب، المؤسسة الديمقراطية، وعلى شاشات التلفزيون صراحة انه “سيضرب بالقنادر كل من يتعرض لمواد الدستور حول علاقة الدين ودوره في الدولة”. إن هذا لا يعني الا كتم الافواه عن كل من يطالب بأمر يخدم مصلحة العراقيين ويحل مشاكلهم في الاوضاع الراهنة الشائكة. كما ان ذلك لا يعني الا فرض الاستبداد الديني ومحاكم التفتيش القروسطائية السيئة الصيت. إن القرآن وهو دستور الدين الاسلامي، وعلى لسان الإمام علي بن ابي طالب(ع) الذي لا يشك احد في ايمانه، هو حمالة اوجه، ويفسره البشر كل حسب هواه ومصلحته، وهو ما تؤكده تجربتنا التاريخية ومآسينا وحالنا المزري الراهن على يد التطرف الديني الذي يرهب الحياة العامة في بلداننا ويوقفها، وهو ما يسعى اليه هذا الاطلاق والتهديد الذي يعلنه رئيس مجلس النواب المنتخب. كما ان شخصية أخرى مثل السيد علي الاديب، عضو قائمة الائتلاف وعضو قيادة حزب الدعوة وعضو مجلس النواب المنتخب ديمقراطياً، يعلن هو الاخر بصراحة ومن على شاشة تلفزيون الحرة أخيراً، أنه “لا يؤمن بالديمقراطية بل بنظام مؤسساتي!!”، وهو نظام ضبابي لايعرف مضمونه وقابل للتأويل. إن الغالبية الساحقة من هذه التيارات المذهبية، سواء تلك المنخرطة في العملية السياسية او خارجها، تعتبر الديمقراطية ضرب من الكفر والفجور والفسوق وهاجمتها قبل سقوط النظام. ويؤمن بعضها، ولحد الآن، بنظام ولاية الفقيه او بنظام الامامة وبنظام الخلافة او الامارة، و يساندون دعاتها ومنفذيها الآن ومن وراء الكواليس او علانية في بعض مناطق العبث والقتل والتدمير في بلادنا سواء في الرمادي او في مدينة الثورة او في الكوفة وسامراء كما بان اخيراً. ولم تقدم هذه الاحزاب الدينية الطائفية اية حلول لمشاكل الناس أو التوجه للمعالجة التدريجية لوضعهم المزري. ولم يبادروا الى حل المشاكل الجمة في محافظات يسودها الهدوء وتحصل على واردات هائلة كمحافظة النجف. فهم يركزون على فعاليات تحرض على العنف والقسوة والانقسام في المجتمع، وإشاعة المحسوبيات وحتى تكرار ممارسة الديكتاتور السابق في التعيينات وترقي الاداريين والعسكريين القائم على الولاء والامية وليس على الكفاءة، إضافة الى نشر الغيبيات والخرافات التي دمرت المجتمع. إن هذه التيارات ليس لديها اية فكرة عن واقع المجتمع العراقي وعيوبه والحلول لها، ولم تقدم اية تقارير اجتماعية واقتصادية لواقع حال بلدنا وسبل معالجتها بالرغم من انهم يمسكون بمقاليد السلطة والادارات في محافظات عديدة. فعلى سبيل المثال لم يقدم السيد عبد العزيز الحكيم عند تسلمه لرئاسة مجلس الحكم اية حلول او اقتراحات اقتصادية او اجتماعية او خيرية من أجل إعادة بناء هذا البلد المخروب سوى إلغائه دون استشارة احد لقانون الاحوال الشخصية، وكأن هذا القانون وحقوق المرأة هو مصدر مصائب ومشاكل العراقيين!!!، في مسعى لفرض تقاليد “الطالبان” والمتطرفين الايرانيين البالية المتخلفة ضد المرأة وتعطيل دور نصف المجتمع العراقي وقمع “هذا الشر الذي لابد منه” بعرفه. ولقد حول السيد عبد العزيز الحكيم بيته في الكرادة الشرقية في بغداد الى “مزار” تتجه وفود اللطم وضرب القامات اليه بدلا من ان تذهب الى حيث غُدر بالامام الحسين(ع) في مدينة كربلاء كما هي عادة العراقيين.
ويتنافس الطرف الآخر، حيث يعلن حارث الضاري رئيس “هيئة علماء المسلمين” على سبيل المثال و على المكشوف دعواته للعنف والغوغائية وتشكيل كتائب مسلحة وتعميق الشرخ الطائفي ولقائه بالاجهزة الامنية في المنطقة ودعمه للارهابيين وتستره عليهم، مستعيناً بقوى الارهاب والتطرف في الخارج و حكام عرب لا يريدون الخير لهذا البلد. ويتصرف هذا الرجل وكأنه أمير من الامارات المذهبية العبثية الجديدة. ويذهب هذا التيار الطائفي الى ابعد من ذلك ويشكل وفداً ذهب الى المانيا الاتحادية لمقابلة ممثلي منظمة ارهابية إيرانية من البلطجية ” صفوية المنشأ و من الروافض!!”، وهي “منظمة مجاهدي خلق” حليفة صدام حسين والتي شاركت في قمع انتفاضة آذار عام 1991 وقتلت مئات من العراقيين . لقد كان في عداد الوفد كل من عدنان الدليمي وهو رئيس مؤسسة رسمية هي ديوان الوقف السني ، إضافة الى صالح المطلك وخلف العليان العضوين في مجلس النواب عن الكتل الطائفية، وهو أمر يثير التساؤل حول صدق هؤلاء في الدفاع عن العراقيين وحماية أرواحهم. وراح هؤلاء وبدعم من الجهات التركية بعقد مؤتمر لنصرة سنة العراق والذي فسر على أنه عودة “لقوازيق العثمانية” من جديد الى العراق. إنه إسلوب أعتاد هؤلاء عليه ومن ضمنهم صدام حسين عندما اشرك الولايات المتحدة ودول الخليج ومصر ودول عربية أخرى في حسم صراعاته الخارجية أثناء الحرب العراقية الايرانية وحتى الداخلية عندما وقع على معاهدة مع الشاه لقمع المعارضة القومية الكردية، بل وحتى عندما قام بإعدام الشيوعيين عام 1978 إرضاءً لدول إقليمية ورسالة حسن نية للولايات المتحدة. ومما يثير الدهشة أن يعمد هؤلاء وهم أعضاء في مجلس النواب الى الصراخ والعويل وقراءة الفاتحة ومن على شاشات التلفزيون على إعدام طاغية لم يفتك بأبناء وبنات محافظة معينة من محافظات العراق بل وأهالي ضحايا من إنتخبوهم الى مجلس النواب. فأين هو إحترام القضاء العراقي وقراره العادل أزاء من دمر البلاد والعباد، وأين هو صدق دعواتهم عن الدفاع عن العراق وأهله وحماية أرواحهم والتي قسموا بها في أول جلسة من جلسات مجلس النواب؟؟ وأين هي دعوات المصالحة بين العراقيين وهم يألهون من فتك أشد الفتك بالعراقيين. دعوات كلها أكاذيب في أكاذيب وضحك على الذقون.
لقد تفنن التيار المذهبي الطائفي بكل الوانه في الآونة الأخيرة في اشاعة الفوضى والعبث وتصنيف العراقيين على أصناف لم يعهدها العراقيون. فقد قسموا العراقيين أما الى روافض أو نواصب وهؤلاء من آل البيت والآخرون من أتباع الصحابة، وهذا صفوي والآخر عثماني، واسقاط كل تلك المآسي والصراعات المذهبية على السلطة في تاريخنا الدموي الذي يمتد الى 14 قرن على واقع عراقي يعاني من بؤس مدقع وعلى شعب غير قادر على تحمل تبعات وعبئ ما حصل في تلك القرون السالفة من كوارث، فلديه ما يكفيه ويحتاج الى فترة نقاهة كي يلملم جروحه ويعالج مآسيه الراهنة.
لقد أغرقت هذه التيارات المذهبية الطائفية العراق خلال السنوات الاربع الماضية في نفق مظلم لا يعلم أحد متى وكيف سيتم الخروج منه. فقد أشاعت هذه الكتل المذهبية الطائفية الصراعات المميتة بدلا من التحلي بروح التسامح الديني وتهذيب النفس والوجدان والسعي لتقديم حلول اجتماعية واقتصادية وتربوية لاخراج البلاد من دائرة العنف والركود الاقتصادي والاجتماعي وانتشال العراقيين من الجب الذي أغرقهم فيه النظام البائد وزبانيته وتعمق على يد المتطرفين الجدد.
٧. ما الحل؟
إن العراق يعيش مأزقاً خطيراً يتطلب من كل الوطنيين العراقيين ومن كل اهل الحكمة فيه ان يتحركوا لإنقاذ ما تبقى لوقف نزيف الدم والتدمير. إن اهم الخطوات الواجب اتخاذها هي تطويق العوامل التي تشدد وتعمق مظاهر العنف.
تدين أم غلو؟
*أولاً الخروج من دوامة المبالغة بالتدين والغلو والمضاربات المذهبية والخطاب المذهبي. بداية لا بد من القول أنه لا يمكن لأي مجتمع ان يعيش بدون وجدان وإيمان ديني ومعتقدات دينية وغير دينية ومهما تنوعت المعتقدات. فالعامل الديني والايمان والمعتقد بما ينطوي عليه من نزعة تسامح وحب للناس هو احد عوامل الاستقرار الروحي للبشر، حيث يبعدهم عن الممارسات الشريرة والعنف، ويقربهم من نزعة التسامح وحماية الانسان الذي هو آية من آيات الله، كما يعتقد المؤمنون. الا أن مانراه الآن في العراق وعدد من الدول الاسلامية لا علاقة له بالدين او التدّين، فهو مسعى عبثي فوضوي شرير لتدمير الدين وبالتالي خلق الفوضى في المجتمع. فسدى ولحمة هذا “الدين العجيب الملثم” هو العنف والقتل ونهب الممتلكات العامة والإكراه والنواح وممارسة قطع الاعناق وقعقعة السيوف والسيارات المفخخة وقذف الصواريخ على الابرياء والمحاكم العشوائية والقامات وإيذاء النفس والتطاحن المذهبي الدموي والجيوش والفيالق والكتائب التي تدمر البلاد والعباد وتنهبهم بإسم هذا الدين الجديد وهتك المرأة وتصفية أي دور لها في المجتمع. هناك في العراق الآن، ولا نتحدث عن خارج العراق، عشرات من الاحزاب تنطق بإسم الخالق والدين، وهي غير مفوّضة منه، وتدخل في صراعات دموية بينها. إنها تحاول سلب حتى حق الخالق في الموت والحياة و تقحم اسم الخالق والدين في سوق مضاربات سياسية يومية رخيصة، وهذا ما يكفي لإثبات خطأ دمج الدين بالدولة او بالسياسة. فأدلجة الدولة أو السياسة وتديينها عموماً لا تعني الا الإكراه وفرض نمط واحد من التفكير، وهو ما يتناقض مع دعوة الأديان لنبذ الإكراه. وتبعاً لذلك يطل علينا الآن “دين” بربري لا يعرف الرحمة ويعمل بالضد من مقولات إلهية مثل:” لا اكراه في الدين” او “ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة” او “لكم دينكم ولي دين” او ” ادخلوا في السلم كافة” وآيات كثيرة أخرى تنطوي على التسامح وليس الطغيان والعنف والإكراه. لقد صب هذا “الدين” الجديد كل غضبه على المرأة، بحيث ما أن تشاهد برنامج ديني في أية محطة تلفزيونية حتى ترى أن المشارك لا يتناول أية مشكلة من مشاكل البشر سوى الحط من المرأة ومكانتها في المجتمع أو الجنس بل وحتى الدخول الى “غرفة نومها” ولفها بعدد من الستائر السوداء لوضعها في دوامة من الجهل والامية. إن آخر نتائج هذه المبالغات والتطرف في الدين هو ما أعلنه مدير صحة النجف عن إرتفاع الاصابات بمرض الأيدز في المدينة جراء ممارسة “زواج المتعة ” قرين “الزواج العرفي”، الذي لا يخضع لأية ضوابط وفحوص طبية. ومن الصعب التكهن بما سيتركه هذا النمط من “الزيجة” من عواقب على صحة أبناء هذه المحافظة المقدسة. ولذا فإن اهم مهمة أمام العراقيين وخاصة المراكز الدينية المحترمة اليقظة ومواجهة هذه النزعة من الغلو والتطرف الديني والمذهبي التي يشحذها البعض لمآرب لا علاقة لها بالدين. إنها إذا استمرت فستلحق أكبر الأضرار بالإيمان الديني وبكل المقدسات. إن المرأة العراقية في ظل “إمارات” المدن التي تسلط عليها الإرهابيون والتكفيريون تتعرض لأشد أنواع البطش والإكراه والعنف ويفرض عليها الزواج قسراً من صعالكة أجانب لا تعرف جنسيتهم من أدعياء “الجهاد”.
كما تطغي على العراق الآن ظاهرة المبالغة بالتدين، وكأن العراقيين كانوا كفرة قبل ان تطغي هذه التقليعة. ان المبالغة في اية ممارسة لا تعني الا عكسها. فالمبالغة في المدح، كما قال اهل الحكمة والمعرفة، لا تعني الا الذم. وينطبق ذلك على المغالاة في التدين وممارسة الطقوس الدينية حالياً. يُنقل عن قريب لنا وهو الشيخ الجليل والشاعر السيد مهدي الأزري( إبن خال والدي وزوج عمتي)، وهو رجل علم ودين وبلاغة، انه كلما كان يسمع المبالغات الدينية من قبل من يزوره من العامة، كان يواجههم بعبارة “استغفر الله انه الكفر بعينه”. ويكاد ينطبق هذا الامر بحذافيره على الوضع الآن. فالمبالغة في التديّن وحشر الدين في كل شئ وتحويل المناسبات الدينية الى “كرنفالات” للنخب السياسية هو الكفر بعينه الآن، وهو احد الاسباب الرئيسية في ظاهرة استشراء العنف والمواجهات الطائفية وعدم الإستقرار في العراق. فالمبالغة في التديّن والتمذهب تعني تعميق الخلافات وتقسيم اتباع الدين الواحد الى فرق متناحرة يكفّر احدهم الآخر، وبالتالي يصبح الدين الخاسر الاول، وبالنتيجة يحصل اهتزاز خطير في المجتمع ويفقد توازنه. لكل طائفة الحق في ممارسة طقوسها وبحرية وبإسلوب حضاري يليق بتاريخ وسمعة رموزنا الدينية في المساجد ودور العبادة الأخرى دون أن تعرقل الحياة العامة. وعندما يختطف الدين او يشوه على غرار ما يجري عندنا حالياً، يتحول المجتمع الى ساحة للاوباش والمنافقين والإنتهازيين والمضاربين والمتاجرين بالدين والقيم الدينية. ولا يحتاج ما يجري في العراق الى وصف لتبيان هذه الظاهرة، حيث أن الاحداث المريرة اليومية هي خير تعريف لها. فقد تحول التديّن الى “مظاهرات مليونية” وشل الحياة اليومية ومطاردات للحلاقين والنساء وتكفير لهذا وذاك مما أثار الرعب، لا صفاء الروح، في قلوب العراقيين. 
معضلة رجال الدين و السياسة
*ثانياً: وترتبط بالظاهرة الآنفة الذكر، ظاهرة أخرى وهي تصدّر رجال الدين واجهات العمل السياسي وربط الدين بالسياسة بكل تفاصيلها وتحويل الدين الى ميدان للمضاربات السياسية والتسلق الى سلطة فانية كما يؤكد على ذلك الدين نفسه. في الفترة التي سبقت انهيار النظام الاستبدادي السابق، كانت القلة من رجالات الدين هم ممن ساهم في العمل السياسي واغلبيتهم هجروا العراق لاسباب معروفة. اما في داخل العراق فكان هناك كثرة من رجال الدين ممن كانوا وعّاظاً للديكتاتور ثم تحولوا الى “مجاهدين” بعد الاطاحة به. وأختار عدد آخر من رجال الدين نهج الابتعاد عن السياسة بذرائع فقهية وأسباب أخرى. إن بعض اقطاب المؤسسات الدينية كانوا على خلاف مع منهج الخميني في تسييس الدين. فالسيد علي السيستاني كان يرسل الرسائل قبل سقوط صدام الى مؤسسة الخوئي في لندن طالباً منها حل “مكتب العلاقات العامة” التابع للمؤسسة بإعتباره يمارس عملاً سياسياً يتناقض مع مهام المركز الدينية والخيرية. ولكن سرعان ما تخلى السيد علي السيستاني عن موقفه بعد إنهيار حكم صدام عندما دخل بقوة في العملية السياسية في العراق حصراً دون دول أخرى بما فيها بلده ايران حيث أمر بتشكيل لجنة إنتخابية، وإنحاز في الانتخابات الى جانب تجمّع متناقض من الاحزاب الدينية المذهبية، مما ساعدها عملياً على كسب مقاعد كثيرة في الجمعية الوطنية ثم في مجلس النواب. ومن المثير إن بعض من رعاهم السيد السيستاني كان لديهم إضبارة بتهمة القتل في القضاء العراقي، وهم مجموعة مقتدى الصدر المتهمة بإغتيال المرحوم عبد المجيد الخوئي نجل مرجع التقليد الراحل آية الله أبو القاسم الخوئي وبوحشية بالغة، علاوة على إنغمارهم في القتل والتخريب والنهب بعد الاطاحة بصدام حسين. وقد مد هؤلاء جسور العمل المشترك مع الفئات الارهابية في المنطقة الغربية قبل أن ينفرط عقدهم غير المقدس أخيراً. ان هؤلاء، والمقصود أنصار مقتدى الصدر، هم من المعادين بشدة لمرجعية السيد علي السيستاني الدينية. إن بهاء الاعرجي الذي فاز في الانتخابات، واصبح عضواً في مجلس النواب عن مجموعة الصدر بفضل السيد علي السيستاني، لم يتردد في مجلس فاتحة في لندن، عن التشهير بوقاحة أمام الملأ بالسيد علي السيستاني والإساءة له بإعتباره “عجمي”. ولقد كرر الاعرجي الإساءة عندما قال “المرجعية وقندرتي”. لقد بادر السيد السيستاني الى دعم قائمة ذات لون مذهبي واحد دون ان يحسب الحساب إلى أن فشلها، وقد فشلت بالفعل لحد الآن في تحقيق أي من برامجها بل وتصدعت بإنسحاب حزب الفضيلة من الأئتلاف، يلحق أكبر الضرر بمكانة المرجعية الدينية التي طالما ردد الناطقون بإسمها بأنها خيمة لكل العراقيين، ولكنها تحولت إلى خيمة فقط لعدد من الاحزاب المذهبية ذات اللون الواحد.
لقد إندفع رجال الدين من كل التلاوين وبشكل مثير بعد سقوط النظام في نيسان 2003 الى ميدان السياسة وتصدروا الواجهة السياسية وطغى الخطاب المذهبي والفتاوى العجيبة وليس الوطني، الذي يعد كفراً من وجهة نظرهم، وهم يقلدون بذلك اقران لهم في لبنان و ايران او السودان وأفغانستان والصومال في مسعى لإحتكار العمل السياسي. إنهم لم يتعضوا من تجربة هذه البلدان التي كانت جميعها فاشلة وقادت وتقود هذه البلدان الى مآزق وأزمات الى حد الحروب المذهبية والدينية. إن لبنان الذي إختار الخيار الطائفي منذ استقلاله عام 1946، يعيش لحد الآن حروباً ومواجهات طائفية. وإستغلت ظاهرة الواجهات الدينية ودخول رجال الدين في السياسة وتشكيل احزاب دينية مذهبية من قبل قوى إقليمية وخارجية لتحول هذا البلد الى ساحة للصراع الديني الاقليمي وميداناً لتصفية حسابات لاعلاقة لها بمصالح الشعب اللبناني. لقد أصبح واضحاً إن تدخل رجال الدين في السياسة اللبنانية يشكل عائقاً جدياً امام اي استقرار وتسوية، بل وعامل من عوامل الحرب الاهلية المتكررة في هذا البلد المنكوب. إن مثال حسن نصر الله في لبنان وآخرين في بلدان أخرى هو كاف كي يردع رجال الدين عندنا من الانغمار في المعارك السياسية وتكرار كوارث بلدان أخرى في بلادنا. ولا يشذ عن هذا الدور السلبي ملا عمر في افغانستان و المحاكم الاسلامية في الصومال، ولا مثل ايران التي يقود رجال الدين المتطرفين هذا البلد الى المغامرات والتراجع في كل الميادين والى مجازر جماعية ضد الايرانيين وتدهور في الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتصدير للأرهاب الى البلدان المجاورة والعزلة الدولية.
لقد حوّل رجال التطرف الديني عندنا الدين الى ذريعة لتشكيل جيوش وكتائب وفرق قتل وميليشيات غير قانونية. كما أنهم حولوا العراق الى ساحة للصراعات الاقليمية المذهبية والدينية وتصفية الحسابات بين أطراف متصارعة ليس للشعب العراقي أية مصلحة في ذلك. كما حول رجال التطرف الديني مراكز العبادة الى ترسانة للأسلحة وتدريب القتلة على التطرف ومهنة الموت وإستقبال القتلة الأجانب وحمايتهم مماعرقل الاستقرار في البلاد وعودة العراقيين الى ممارسة حياتهم الطبيعية. وركز كل هؤلاء الادعياء وعظهم بالتحريض على القتل وإثارة الفتنة الطائفية وبناء الإمارات المشبوهة التي قسمت البلاد واشاعت الفوضى، كما شجعت على السطو على الممتلكات الشخصية والعامة بذريعة “جهادهم”المزعوم. ويقوم أتباع هذه الزمر بإختطاف العراقيين وسلب الفديات والخاوات منهم. وكف هؤلاء عن الدعوة الى التسامح وفعل الخير والتكافل بين العراقيين في هذه الظروف العصيبة. لقد أصبح من الضروري الآن تشجيع رجال الدين للعودة الى مهمتهم الاساسية وهي الدعوة لسمو النفس والموعظة الحسنة والمحبة بين ابناء البشر وليس التحريض على “المكاونة”، اضافة الى ضرورة التدقيق في هويات هؤلاء حيث انه من المعلوم للجميع ان النظام السابق كان يحتكر هذا الميدان والدراسة في المعاهد الدينية لرجال أمنه ومخابراته فحسب.
وليس أمام الاحزاب الدينية من طريق لنجاحها سوى التمسك بهوية وبرامج اجتماعية واقتصادية عراقية عامة لعرضها على الرأي العام العراقي، بعيداً عن الخطابات المذهبية والهويات الطائفية والدينية التي تسعى لها هذه الاحزاب كي تحصل بسهولة على أصوات الناخبين البسطاء.
السلاح
*ثالثاً: إن أهم مشكلة ينبغي معالجتها لكي يخرج العراق من هذا النفق المظلم هي ظاهرة إنتشار السلاح وحمله بشكل كثيف وبيعه في الأسواق العامة بحيث غدا العراق البلد الاول في إقتناء مواطنيه للسلاح. هذه الظاهرة المدمرة فتحت الطريق على مصراعيه لتشكيل جيوش وكتائب وميليشيات مسلحة تابعة للنظام المنهار او لعصابات الإجرام او توابع لبعض الاحزاب السياسية وبرواتب مجزية لإستخدامها في الصراعات السياسية الجارية في العراق حول السلطة. إن الهدف الأساسي لهذا التوجه هو السطو على السلطة بالقوة أو تكوين مراكز قوى مسلحة لفرض الرأي وإلغاء قواعد الانتخابات الديمقراطية وتبادل السلطة والتي توفرت في البلاد بعد التاسع من نيسان عام 2003. وتعد هذه الظاهرة الخطيرة مانعاً جدياً يعرقل ويشوّه إقامة نظام ديمقراطي مستقر قائم على سيادة القانون وحماية أمن المواطن وحقه في التعبير عن آرائه بحرية دون تهديد بالسلاح أو القتل. إن الديمقراطية التي ثبتت في دستورنا تتناقض كلياً مع تعدد مراكز القوى المسلحة في المجتمع. ولا يمكن ان يؤدي تعدد مراكز حمل السلاح الا الى تأسيس كانتونات ودويلات عسكرية فاشية وأن تفقد الدولة وحدتها وتتشرذم ويتقاتل مواطنوها على الغنيمة وينعدم أي ملمح من ملامح الإستقرار. وهذا ما يحصل الآن في العراق، خلافاً للدستور الذي أقره العراقيون وصوتوا عليه، ودون ان يجد رادعاً او علاجاً جدياً لهذه الظاهرة من قبل الحكومات التي تلت انهيار النظام البائد ومن الأحزاب التي تدعم هذه الظاهرة المشينة سراً أو في العلانية.
إن تلك القوى التي أنفردت في البداية بإتخاذ قراراً “بالعمل المسلح” ضد القوات الغازية تحت واجهة “المقاومة” او “الجهاد” سرعان ما بان جوهرها كفرق من فلول النظام المهزوم وحلفائه الارهابيين وأرباب الجريمة من أهل السوابق التي راحت تتعقب العراقيين على اساس الهوية المذهبية والقومية او الدينية وغيرها وليس الصراع مع المحتل وبهدف زعزعة الاستقرار. وهكذا شرعت هذه القوى بنسف المراكز الدينية والاضرحة والعتبات المقدسة والكنائس ودور العبادة للصابئة ومقرات الاحزاب على تنوعها وغيرها، وهي ليست قواعد ولا ثكنات عسكرية، في محاولة لإثارة نزاع داخلي يمهد الطريق لها أما لعودة النظام المنهار أو لتنفيذ مخططات ذات علاقة بالارهاب الدولي ومنظمة القاعدة والتكفيريين. وتصاعدت هذه الموجة عندما لاحظ هؤلاء عزلتهم وعدم إستجابة غالبية العراقيين لدعواتهم عن “المقاومة” و “الجهاد”. ويهدف مشروع هؤلاء الى السعي لإستلام السلطة عنوة وبالقوة بعيداً عن أية إنتخابات، ولا يستهدف التصدي للوجود العسكري الأجنبي في العراق. لقد تضمنت كل دعواتهم، وخاصة الفتاوى التي كان يعلنها الأجنبي الزرقاوي وغيره من أدعياء الدين صراحة، التحريض على القتل وتكفير طوائف وتكوينات قومية ودينية بكاملها والتي تشكل النسيج الاكبر من العراقيين. ولم يقتصر الامر على ذلك بل تعداه الى السطو المسلح على المساجد وإخراج رجال الدين المعتدلين منها في مناطق في الانبار وبغداد وعدد من المدن العراقية، وتحويل تلك المساجد الى ثكنات عسكرية. لقد أضطر الكثير من رجال الدين في هذه المدن الى الرحيل أو الصمت كما أضطر الكثير من اساتذة الجامعات والعلم الى ترك مدينة الرمادي والموصل وغيرها خوفاً على حياتهم بعد أن فرض عليها قانون الغاب والارهاب. كما هاجرت غالبية من الميسورين ممن لهم دور في تمويل العجلة الاقتصادية في هذه المدن الى بلدان مجاورة مع أموالهم تفادياً للخطف والمطالبات التي لاتنتهي من الخاوات والاتاوات والفديات التي يبتزها ” المجاهدون في سبيل ….”. ويتكرر نفس المشهد الآن في مدينة سامراء حيث أعلنت فيها “إمارة السوء والبطش” وتحولت الى معسكر لتنظيم بن لادن وفلول البعث لإلحاق الأذى بأهلها وتشريدهم، وأصبحت مركزاً للنشاطات التخريبية ضد بغداد ومدن أخرى، دون أن تلقى الإدانة أو حتى الإشارة من قبل رئيس مجلس النواب وأعضاء في المجلس من أمثال عدنان الدليمي وصالح المطلك وآخرون ربما يقفون وراء هذا العبث*.
إن كل هذه المحاولات تستهدف إستدراج الطرف المذهبي الآخر الى نزال مشين، ولربما في إتفاق مسبق، لإثارة الفوضى في البلد وعرقلة نجاح العملية الديمقراطية وإقامة دولة القانون. لقد تلقف الطرف المتطرف الفوضوي الآخر هذه الرسالة عن طيب خاطر لتحقيق نفس الغرض. فالسلاح موجود والمال يتدفق من مصادر مشبوهة لتنفيذ مخططات فرق الموت في عدد من محلات بغداد. وهكذا بدأت في بغداد عملية مشبوهة مدانة في الأشهر الاخيرة من تبادل القتل الجماعي للابرياء من أبناء الطوائف وليس لقادة الزمر المتطرفة. وشهدت بغداد عمليات مشينة من القتل في التحشدات العمالية وأحياء الفقراء والاسواق العامة والاحياء المكتضة في بغداد ومدن أخرى، إضافة الى الترحيل والتهجير والتطهير المناطقي بعد أن فشلت محاولات سابقة لهذه الاطراف في اشاعة الفوضى وعرقلة بناء دولة القانون. إن بغداد التي عاش في أحضانها جميع أطياف العراقيين لم تشهد في كل تاريخها مثل هذه البربرية الغريبة، فسكان هذه الحاضرة التاريخية من الطوائف يتصاهرون فيما بينهم بنسبة 30% الى 40%، وهو أحد مظاهر التآخي والتكافل بين أهالي بغداد الحبيبة.
ولذا لا يوجد أي مبرر لإمتلاك السلاح خاصة وإن الدولة خطت خطوات جدية نحو بناء قوى مسلحة للدفاع عن أمن المواطن. وما على الحكومة الا الشروع جدياً بجمع الاسلحة من الشارع دون مجاملة أحد أو الخضوع لإبتزازأي طرف. إنه أجراء ضروري جداً لا يمكن بدونه أن يستتب الأمن في البلاد.
حل الميليشيات
وبالإرتباط مع ذلك ينبغي أحياء والعمل بالوثيقة التي أقرتها الجمعية الوطنية العراقية حول حل الميليشيات المسلحة كلياً. فمن غير المقبول أن تساهم مجموعة الصدر، على سبيل المثال، في الحكومة وبعدد من الوزارء فيها في حين أنها تحتفظ علانية بجيش المهدي المسلح الذي يخوض عمليات عسكرية هنا وهناك ويستلم أفراده مبالغ مالية لقاء خدمتهم في هذا الجيش الذي لا معنى له ولا ضرورة لوجوده. وينبغي أن يكف حزب الدعوة عن السكوت بل وحتى التشجيع على ظاهرة “جيش المهدي” لحسابات تتعلق بحفظ منصب رئاسة الوزراء أو خلق توازنات داخل قائمة الإئتلاف لصالحه وكرسها رئيس الوزراء السابق الدكتور ابراهيم الاشيقر. أنه لعب بالنار ولا يساعد على استتباب الامن وحفظ هيبة الحكومة واحترامها لقرارات الهيئات التشريعية. ومازال المجلس الأعلى للثورة الإسلامية يحتفظ بمنظمة بدر العسكرية رغم إعلان تحولها الى منظمة مدنية لذر الرماد في العيون. أنها تأسست كساعد عسكري للمجلس، وأذا تقرر حلها فهناك المجلس الاعلى الذي يجب أن ينظوي فيه أعضاء هذه الميليشيا. أن ابرز دليل على بقاء الطابع العسكري للمنظمة هو انخراطها في “نقاش مسلح” بين الحين والآخر مع منافسهم “جيش المهدي” في العديد من المدن الجنوبية. كما وينبغي على نواب التوافق الإلتزام بهذا القرار والكف عن لعبتهم الخطيرة في تشجيع وتبني المجاميع التكفيرية المسلحة دون إدانتها ودون قطع الروابط معها والتستر على جرائمها والتباكي حين تقوم أجهزة الدولة بمطاردتهم. وفي هذا الإطار أيضاً يترتب على الحزبين الحاكمين في كردستان الإلتزام بهذا القرار الخاص بحل الميليشيات الحزبية الخاصة بهما كي تضرب مثلاً على الإلتزام بقرار حل الميليشيات. إن سقوط الديكتاتورية والشروع بتشكيل القوات المسلحة العراقية على أسس جديدة وإقرار الدستور الفيدرالي العراقي الذي يضمن حقوقاً للشعب الكوردي لا يوفر أي تبرير للإحتفاظ بقوات مسلحة خارج إطار الدولة العراقية. وهذا لا يعني تناسي الدور النضالي لقوات الپيشمرگة أو غيرها في عهود النضال ضد الديكتاتورية المنهارة. فبقاء قوى مسلحة للحزبين في كردستان العراق ينطوي على خطر إندلاع “مناقشات” مسلحة في أية لحظة يختلف فيها الحزبان أو ظهور أي خلاف بين الحكومة المركزية وبين إدارة الإقليم حول بعض القضايا العالقة التي ينبغي أن تحل سلمياً فقط وبإطار الدستور العراقي الذي ضمن قدراً كثيراً من الحقوق القومية لجميع الاطياف العراقية، والتي يمكن تطويرها مع تطوير التقاليد الديمقراطية في العراق تدريجياً وليس دفعة واحدة. إن الاحتفاظ بالسلاح لا يعني الا اللجوء إليه لحل الخلافات. وهذا يؤدي إلى كارثة كتلك الكارثة التي حلت بالعراق في 8 شباط الأسود عام 1963، والذي أدى حتى الى تصفية كل ما وفرته ثورة تموز من حقوق للمواطنين الكورد العراقيين.
الطبقة الوسطى
* ومن أجل فتح الباب للخروج من هذا النفق المعتم، ينبغي العناية بإرجاع الطبقة المتوسطة وفئة المثقفين الىماضي تأثيرها على الساحة السياسية والإجتماعية وأن لا يجري تغييبها وتدميرها كما حدث في عهد الطاغية. لقد غيبت في البلاد في العهد السابق الطبقة المتوسطة المدينية وتراجع نفوذها وحلت محلها فئات لا تحمل الا الجوانب السلبية من البادية والآن من الريف. فقد إكتسحت المظاهر الريفية والبدوية السلبية المدينة ودمرت العلاقات المدينية المتحضرة. كما ينبغي معالجة ظاهرة خطيرة لهذه الفئة الإجتماعية وهي الهجرة بكل طاقاتها وإمكانياتها الى الخارج. إن التدمير الذي حل بهذه الطبقة وخاصة فئة المثقفين في المدينة منها، عرضت البلاد الى خسارة جسيمة في تلك الفئة الإجتماعية الأكثر تنوراً وخبرة في إدارة المجتمع والدولة بشكل عام. كما فقد المجتمع تلك القوى التي تضفي قدراً كبيراً من الثقافة والإعتدال والتنوير مقابل ما نراه من مساعي لفرض الجهل والخرافات والركود في المجتمع. وليس من قبيل الصدفة أن تتعرض فئة المثقفين الآن لحملات القتل والتصفيات، وتفرض عليها الهجرة خارج العراق، وتنهال عليها الكوارث من كل جهة كي يتسنى للجهلة أوالفئات الهامشية ومن يساندها من النخب السياسية الظلامية التحكم بشؤون المجتمع ووقف أي تطور وتقدم أو إستقرار فيه. إن نظرة سريعة على من تولى الأمور في غالبية المحافظات إن لم يكن جميعها يعطينا صورة على تسلط فئات أميّة على السلطات المحلية وهي غير قادرة على حل أي من المشاكل إن لم تكن هي سبب المشاكل. كل ذلك جاء بسبب تجاهل الفئات المثقفة ومن لديهم الخبرة في كل مناحي الحياة. فمن غير المفهوم أن يتولى صاحب دكان صغير مهمة قائد الشرطة في أكثر من محافظة في حين يتم تجاهل اصحاب المسلك ممن لم تتلطخ أيديهم بدماء الابرياء. كما أنه من غير المفهوم أن يتولى قيادة المحافظة محافظ يفتقر الى كل مقومات الثقافة والخبرة والدراية في حل المشاكل. هذه الممارسة جمدت عملياً كل قدرة لهذه المؤسسات على حل مشاكل الناس وحولتها فقط الى ميدان “للمصارعة” بين النخب السياسية الفاشلة. فلقد أضحت هذه المناصب محتكرة لمنتسبي النخب السياسية الطائفية وليس لخبراء يستطيعون أن يبنوا البلد ويعيدوا الاعمار. ومن المؤسف أن تمتد هذه الظاهرة حتى الى الحكومة المركزية حيث نجد أن هناك وزراء لا يحملون شهادة وخبرة ولا تصور حول كيفية إدارة وزاراتهم. فوزير التربية والتعليم الحالي يرسل البرامج التربوية الدراسية الى رجال دين ليس لهم أية خبرة في علم المناهج الدراسية في عملية إعادة النظر في البرامج الدراسية، في حين يوجد كثرة من المتخصصين العراقيين في هذا العلم في وزارة التربية والتعليم او في وزارة التعليم العالي او في وزارة العلوم والبحث العلمي، وتدفع لهم الرواتب والمخصصات دون الإستفادة منهم. إن إستمرار تطويع المثقفين وتجاهلهم وسلبهم موهبة الإبداع وتهميشهم وتهميش المدينة وخاصة العاصمة بغداد منذ عهد الطاغية واستمر لحد الآن دفعت وتدفع المجتمع الى درب الجهالة وفقدان التوازن والصراعات الدموية العبثية المتخلفة التي لا نهاية لها ووقف عمليات البناء والتعمير وهو ما نراه الآن. إن تفشي الإرهاب، على أضراره الكبرى، لا يمكن ان يشكل ذريعة لوقف الإعمار في العديد من المحافظات التي يعمها الهدوء في حين يسرح أبناؤها من ذوي الخبرة في فلك البطالة والعوز. ومع الأسف إن الأجواء غير الصحية التي طغت على البلاد في العهدالسابق وأمتدت حالياً حولت أعداداً من المثقفين أما الى “طبالين ” للديكتاتور صدام حسين أو الى عناصر تلهث الآن وراء الحمى الطائفية التي تنهش بجسد العراق.
هيبة الدولة
* ومن أجل الخروج من النفق المظلم أيضا ، يترتب إعادة الهيبة للمؤسسات التي إنتخبها العراقيون في ظل أقسى الظروف وأخطرها. إن مجلس النواب الحالي يفقد دوره بل ومشلول عملياً وهو الذي يعتبر أعلى مؤسسة دستورية في البلاد. إن غالبية من النواب لا يساهموا أو لم يساهموا في أي جلسة من جلسات المجلس. وإستقر الكثير منهم في بلدان مجاورة مطلقين من هناك تصريحات لا تحل مشاكل البلد بل وتنطوي على الإثارة وبث الفوضى. ولم يبادر المجلس في الغالب على سن القوانين الضرورية التي ينتظرها الشعب كي يعرف كيف يتدبر أمره. فعلى سبيل المثال، فإن الحياة السياسية وعمل الاحزاب التي إنتشرت في العراق تجري بدون قانون ولا ضوابط، وهي حياة غير صحية وينتابها الكثير من الشوائب والإندساسات. ولكن مجلس النواب لم يبادر الى إصدار قانون لعمل ونشاط الأحزاب ومراقبة مصادر تمويلها، وخاصة تمويلها الخارجي المدمر للبلد، ومدى إلتزامها بمبادئ الديمقراطية في حياتها الداخلية. إن بعض هذه الأحزاب ليس لها حتى برنامج إجتماعي – وإقتصادي ولا تعقد مؤتمرات لمنتسبيها ولا تجري أية إنتخابات لهيئاتها إن كان لها هيئات. كما إن بعضها ما هي الا مؤسسات حكومية تابعة لهذه الطائفة أو تلك مثل ديوان الوقف، أو مؤسسات خيرية أو منظمات عسكرية وميليشيات مسلحة. هذه المظاهر في العمل السياسي لا تخلق من العراق بلداً ديمقراطياً تتنافس فيه أحزاب ذات برامج مدنية وتسعى الى بناء البلد وتوفير محيط من العمل والإبداع لأبنائه، ولا توفر أية حالة من الإستقرار في البلاد، بل توفر الأرضية لإستبداد أشد فتكاً من سابقه.
الالتزام بالعهود و المواثيق
* ومن القضايا الهامة التي على النخب السياسية المشاركة في الحكم الإلتزام بعهداتها وتواقيعها على الإتفاقات التي تبرمها الحكومة العراقية وقراراتها. إن بعض هذه المواقف لا تنطوي للأسف إلا على رياء وإزدواجية مخلة في الموقف. لنتحدث على سبيل المثال عن الموقف من الوجود العسكري الأجنبي في العراق. فبعد أن إنتهت حالة الإحتلال بناء على قرارات الامم المتحدة وإنتقلت السيادة الى العراقيين من الناحية القانونية، فما زال البعض ومن المشاركين في الحكومة وغير الحكومة يتحدثون عن الإحتلال. إن هذه الأوساط المشاركة في الحكومة توافق على تمديد وجود القوات الدولية في العراق ويلتقي أقطاب من المشاركين في السلطة، ومنهم طارق الهاشمي على سبيل المثال، الرئيس بوش وبلير ويعلنون عن حاجة العراق الى وجود هذه القوات الدولية في الظروف الراهنة، الا أنهم ما أن تطأ أقدامهم الأراضي العراقية ويقتربوا من حدود البلاد حتى يتحدثون عن مشروعية “المقاومة” وحقها في مهاجمة القوات الأجنبية التي أضفوا هم شرعية على وجودها. وهناك نفر آخر من المشاركين في السلطة، من مجموعة مقتدى الصدر، الذين يوافقون أيضاً على وجود القوات في إطار مشاركتهم في الحكومة ولكنهم يهاجمونها بالاسلحة والصواريخ والعبوات الناسفة كلما سنحت لهم الفرصة بذلك. إن الغالبية الساحقة من العراقيين ومن النخب السياسية المشاركة أو غير المشاركة لا تطالب بالخروج الفوري لهذه القوات لاسباب تتعلق بدرء إحتمالات تدهور الوضع الأمني والتراشق والاقتتال بين العراقيين أو ذلك التدخل الخطير لتنظيم القاعدة وأطراف إقليمية بما يؤدي الى ضياع البلد كلياً. إلا أن قسم من هؤلاء المسؤولين وبرياء يهلل لعبث “المقاومة” وتخريبها والتي أصبح هدفها الاساسي قتل العراقيين الابرياء لا غير ووسيلة بيد أطراف سياسية لحسم الصراع الدموي الداخلي. إن وجود القوات الأجنبية على اراضي بلادنا ينبغي أن تحل في إطار إجماع وطني وضمن حكومة منتخبة وليس من قبل عصابات القتل والصعلكة. وينبغي أن لا يتحول وجود القوات المتعددة الجنسيات، رغم عدد من أخطائها وممارساتها السلبية، الى مادة للرياء السياسي الذي يفقد ثقة المواطن العراقي بالأحزاب السياسية ومصداقياتها وحقيقة موقفها.
ومن الأمور المثيرة للتساؤل هو ذلك التسابق في التستر على تدخلات الدول الإقليمية والإيذاء الذي تلحقه بالعراقيين وما تسببه أفعال هذه الدول من هدر دم العراقيين وخراب بلدهم. فعندما يشار الى التدخل الإيراني في العراق، وهو أمر معروف للقاصي والداني وبمستمسكات وآخرهاإحتضان الحرس الثوري لمسلحي مقتدى الصدر في ايران، ينبري مسؤولون كبار في الدولةالعراقية الى نفي ذلك أو السكوت عليه. ونفس الأمر ينطبق على التدخلات السورية حيث أصبحت سوريا معبراً للجناة والقتلة، أو على التدخلات الفظة لتركيا ودول عربية أخرى في الشأن الداخلي العراقي مستفيدين من حالة المواجهة بين العراقيين أنفسهم. بالطبع ينبغي عدم إثارة المشاكل وإفتعالها مع دول الجوار على غرار ما كان يفعله صدام حسين. ولكن من غير المعقول السكوت على من يريد أن يحول العراق الى”ملعب” لمغامراته أو عبثه أو ساحة لتصفية الحسابات مع الآخرين. إن السيد عبد العزيز الحكيم، بدلاً من السعي والتوسط لحل الخلافات الإيرانية الأمريكية، فإن مصلحة العراق تحتم عليه الطلب من إيران وقف تدخلها في العراق بأي شكل من الأشكال وتحت أية ذرائع وأن “تتكاون” مع الولايات المتحدة على أراضيها وليس على الأراضي العراقية، ولا يدين تدفق الأسلحة الإيرانية الى العراق، ولا يواجه تحريضات السيد علي خامنئي الذي لا يكف عن التدخل في الشؤون الداخلية العراقية.
الحل الديموغرافي
*وأذا أريد للبلاد أن تخرج من هذا النفق المظلم فينبغي معالجة الوضع الديموغرافي المخل في العراق بشكل حكيم مما يلحق أي أذى بالعراقيين وبعيداً عن العسف. لقد تحولت كبريات المدن العراقية، وخاصة العاصمة بغداد الى حاضنة للقسم الأعظم من العراقيين لأسباب منها سياسية ضمن خطة النظام السابق، أو إقتصادية بسبب الهجرة الواسعة الى المدن مما خلق وضعاً إجتماعياً وسياسياً وأمنياً وبيئياً في غاية العقيد. أن مدينة بغداد التي يبلغ عدد سكانها حوالي سبعة ملايين لا يمكن أن يتوفر الأمن والعمل والخدمات والصحة لأبنائها مما يجعلها حاضنة مناسبة للفئات الهامشية التي تغذي الإرهاب والفوضويين والعابثين في البلاد. وهو ما حاصل الآن حيث أن غالبية أعمال القتل والتدمير تجري في الأساس في بغداد إضافة الى مدينة الموصل والبصرة وكركوك. وتحولت هذه المدن الرئيسية الى “كانتونات” تتمركز فيها كل القوى التي تعبث في استقرار البلاد وتعرقل العملية الديمقراطية. وبدلاً من أن تسعى الحكومة الحالية والتي سبقتها الى معالجة هذه المشكلة الديموغرافية الخطيرة، فإنها تخطط لبناء أحياء سكنية في هذه المدن الكبرى. ينبغي أن يصار وبشكل جدي الى إعادة النظر بهذا النهج الخاطئ والسعي الى التخطيط الديموغرافي لتنظيم هجرة معاكسة لتفادي أي تمركز سكاني ضار في المدن الرئيسية. وهذا يحتاج وبشكل سريع الى تأمين العمل في الريف في ميدان الزراعة والنهوض بالأنتاج الزراعي الذي يعتبر عماد الدخل القومي كي يعود أبناء الريف الى مكانهم الطبيعي وبقومون بعمل إنتاجي يفيد البلد بعيداً عن التدمير والتخريب الذي ينفذه “جيش المهدي” ولا “كتائب ثورة العشرين” ولا “جيش محمد” وغيرها من التنظيمات العبثية في العاصمة بغداد والمدن الرئيسية. إن الدمار الذي حصل في الريف شكل أفضل تربة خصبة لكل أنواع العبث والجهل وأنتشار التيارات الفوضوية في البلاد، وكان ارض خصبة للتيار الإرهابي التكفيري القادم من وراء الحدود. وعلى الحكومة وبدعم من كل النخب السياسية العمل على وضع مخطط علمي لتوزيع المؤسسات الاقتصادية والصناعية بشكل متساو على جميع المحافظات دون تمركزها في العاصمة والمدن الرئيسية. وهذا مما يخفف الضغط السكاني على المدن الرئيسية ويجعلها أكثر أمناً من كل النواحي ويسحب البساط من تحت من يتلاعب بأمن المواطنين. كما أنه يحد من الفئات الهامشية في المجتمع والتي تعتبر المصدر والينبوع الأساس لكل التيارات العبثية والظلامية والإرهابية.
الحل التدريجي للمشاكل
* ومن أجل أن يعم الإستقرار تدريجياً في البلاد، ينبغي التوجه تدريجياً وليس دفعة واحدة نحو ترميم الخراب والتشويه الذي أحدثه النظام السابق في البلاد. إن بعض الحركات السياسية تعتقد أن الفرصة الآن سانحة، بسبب من الإرتباك وضعف الدولة في العراق، لفرض تطلعاتها على البلاد دفعة واحدة دون التركيز على هدف واحد هو إقامة دولة ديمقراطية حقيقية مستقرة في العراق تفتح الطريق أمام الحل التدريجي للمشاكل القومية والطائفية والإجتماعية والديموغرافية المعقدة في البلاد المنهك أصلاً نتيجة البطش والحروب. إن السعي للحصول على مزايا وحقوق في ظل دولة غير مستقرة ولم تستتب فيها أركان الديمقراطية هو رهان فاشل لا يقود الا الى ضياع أي قدر من الحقوق قد تحصل عليها هذه الفئة الأثنية أو المذهبية في هذا الظرف الإستثنائي. ولنا في مثال مصير جمهوريتي مهاباد وآذربايجان في إيران في عام 1945-1964 خيرمثال، إذ ما أن إنسحبت القوات السوفييتية الداعمة للحركتين القوميتين في إيران بفعل ضغط دول الحلفاء حتى إنهار كل ما بني من أحلام مبررة للكورد والآذربايجانيين وتعرضوا للبطش وسفك الدماء على يد القوات الشاهنشاهية. كما أن إتفاقية 11 آذار من عام 1970 بين حكم البعث والحركة القومية الكوردية، رغم إختلاف الظروف، إنهارت وإنهار كل ما حصلت عليه القيادة القومية الكوردية في العراق من إمتيازات في ظروف إستثنائية، بسبب إنعدام أي مظهر من مظاهر الدولة الديمقراطية التي تحافظ على الحقوق القومية وتسعى الى تطويرها.
وعلى النخب السياسية القومية الكوردية أن تدرك ولا تركض وراء سراب حول إمكانية تأسيس دولة كوردية، وهو أمر مشروع ومن حق الكورد، ولكنه غير ناضج لظروف إقليمية ودولية لا يمكن تخطيها. ولذا فإن التمسك بالمواد الأساسية للدستور الفدرالي العراقي الذي يحقق قدراً ممكناً وغير قليل لحقوق الكورد وتطويره هو الطريق الوحيد في الظروف الراهنة، وإلا سيضيع كل شئ سواء للكورد أو لكل الشعب العراقي، وقد يؤدي الى كارثة أسوء من الكوارث التي أبدعها صدام حسين لكل العراقيين، وقبله حكم 8 شباط المشؤوم. وضمن هذه الرؤية ينبغي الإلتزام بمبدأ الفدرالية وليس السعي لبناء كيان سياسي لا هو فدرالي وأقرب الى الكيان الكونفدرالي الذي يتعارض مع الدستور أولاً ولا يصمد أمام واقع الجغرافيا السياسية في المنطقة والعالم وموقف دول العالم أزاء حدود الحقوق القومية للمواطنين العراقيين الكورد في العراق. وهناك الكثير من التساؤل حول جدوى إنتخاب رئيس لإقليم كردستان أو السعي على الدوام للإبتعاد عن الكيان العراقي الفدرالي والذي يخلق أوهام غير واقعية عند المواطنين الكورد حول إمكانية تشكيل دولتهم المستقلة في الظرف الراهن، وهي لا تعد الا مزايدات بين النخب السياسية القومية. إن جميع الدول، والتي ساندت الشعب العراقي والكورد من ضمنهم، تساند عراقاً ديمقراطياً فدرالياً موحداً وليس بلداً ممزقاً. ولعل خير تعبير عن الموقف الرسمي للولايات المتحدة هو تقرير بيكر- هاميلتون، والذي لانفهم سبب الهجوم عليه من قبل أوساط قومية كوردية. إن ما جاء فيه هو تعبير عن موقف رسمي للولايات التحدة وغالبية الرأي العام الدولي وتعرفه هذه الأوساط القومية بشكل جيد. كما ينبغي عدم تبسيط حقوق المواطنين العراقيين بقضايا هامشية وغير أساسية مثل ذلك الجدل الذي دار ويدور حول رفع العلم وما شاكل ذلك عوضاً عن التركيز على وضع الأسس التي تبنى عليها روابط وحقوق راسخة للمواطنين الكورد في العراق الديمقراطي الفدرالي الموحد وبدون مواربة أو تردد.
إن المواطنين العراقيين الكورد يدركون ذلك وهم يحتاجون الى قدر من الاستقرار والديمقراطية لا الى تكرار للأوضاع الإستثنائية البغيضة التي عاشوها منذ تأسيس الدولة العراقية. أذكر في صيف عام 1991 وعندما كان قد بدأ النقاش حول الفدرالية التي طرحت لأول من قبل المرحوم الدكتور رحيم عجينة على قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وقبل أن تفكر بها القيادات القومية الكوردية، كنت في شقلاوة وذهبنا الى قصبة هيران على سفح جبل سفين والتي قصفت بالسلاح الكيمياوي لتوثيق هذا الحدث الأليم بواسطة الكاميرا. يومها كنا ضيوفاً على أحد الفلاحين الكرماء هناك، وسألته عن رأيه بالفدرالية. أجاب الفلاح النجيب بتأفف وقال:” كاكه فدرالية وحكم ذاتي كلها تعابير للنخب السياسية والأفندية ولا نعرف نحن معناها. إن ما نريده أن لا يعود رجال المخابرات والأمن الى المنطقة وأن لا تدمر قرانا ومساجدنا ولا تستباح أعراضنا وتنهب أموالنا وأن تزال السيطرات والمجمعات والقلاع، ويفتح لنا الطريق بحرية لإيصال بضائعنا الى بغداد ومدن أخرى كي نحصل على موارد نستحقها”.
وفي هذا الإطار البعيد النظر والحكيم ينبغي حل كل المشاكل بما فيها مشكلة كركوك المستعصية. إنها تركة ثقيلة من تركات الحكم المنهار، الذي سعى الى وضع الألغام في كل مجال وبما في ذلك التغيير الديموغرافي وتهجير مواطنين كورد وطردهم من مساكنهم، إضافة الى المواطنين التركمان. وجلب النظام بالقوة مواطنين عرب من جنوب العراق في مسعى لتكريس عداء قومي يسعف بطشه. وهنا فنحن أمام ضحايا من طردوا ومن فرض عليهم الهجرة الى كركوك على حد سواء. ولقد مرت على هذه الجريمة أكثر من ثلاثة عقود بما يعني ذلك من تبعات ينبغي على الجميع أخذها بنظر الإعتبار. إن حل هذه المشكلة الشائكة تحتاج الى جدول زمني طويل الأمد يتم خلالها تدريجياً رفع الحيف والظلم الذي لحق بالمواطنين جميعاً بمن فيهم من أجبروا على الاستيطان في مدينة كركوك. ولا يمكن أن يستقيم الحل في ظل تصاعد المضاربات القومية أو سعي أطراف أخرى إلى إقحام تركيا وغير تركيا في هذا الشأن العراقي. إن أي تدخل أجنبي لا يزيد المشكلة الا تعقيداً بما ينطوي عليه من فتح الباب للتدخل الخارجي وشروره، فيكفي العراقيين ما لديهم من هذه التدخلات الفضّة.
إن أشد ما يحتاجه العراقيون في هذه الفترة العصيبة هو توحيد قوى الإعتدال والتنوير ونفض غبار ثقافة الموت والتجبر والإكراه والظلامية والجهل والموازين البالية التي نمّاها النظام السابق وتلقفها فرسان “الدين” الجديد، دين التوحش والتكفير وقطع الأعناق. على العراقيين الإنتقال الى ثقافة البناء والموّدة والحرص على العراقيين وأمنهم وسلامتهم وإزدهار حاضرتهم التاريخية. إن لدى العراقيين بلد في غاية الجمال والخصب والغنى ولا يحتاج أهله للذهاب الى أنقرة أو طهران أو دمشق وغيرها من عواصم تحيك المصائب للعراقيين، فلديهم بقاع آمنة يستطيعون الجلوس فيها حول طاولة والبحث لحل مشاكلهم بدون فضول الأجانب. إن المفتاح للخروج من النفق هو بيد العراقيين أنفسهم وليس غيرهم. ومتى ما لاذ العراقيون الى توحيد جهودهم ضد العنف والإرهاب على قاعدة الحب والولاء لهذا البلد الكريم وبنائه وليس تخريبه، وتعلّم العيش المشترك والتعايش، عند ذاك يمكن حل كل شئ، وتسود الثقة وتنهار الريبة والشك بينهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* قادمون من سامراء: المدينة في طريقها للتحول إلى قندهار أو كابل أيام طالبان
بغداد : حيدر نجم / الشرق الاوسط
اكدت مجموعة من العوائل العراقية الهاربة من جحيم العنف وسطوة الجماعات المتشددة، التي تفرض اساليب لحياة معينة وقاسية على سكان مدينة سامراء شمال بغداد، ان مدينتهم في طريقها للتحول قريبا الى قندهار او كابل في زمن طالبان اذا لم تقم الحكومة بمعالجة الاوضاع هناك وملاحقة المتشددين الذين اعلنوا ما يسمى بـ«امارة سامراء الاسلامية»، وهي احدى امارات «دولة العراق الاسلامية» التي اعلن عنها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين منتصف العام الماضي.
ويقول عبد الكريم سعدي، 46 عاما، «هربنا نحن وعوائلنا تدريجيا من مدينتنا وتركنا كافة ممتلكاتنا هناك إلا بعض المال الذي يكفينا للعيش لمدة اشهر معدودة ، فالاوضاع في سامراء وضواحيها اصبحت لا تطاق لان الجماعات المتشددة بدأت تتدخل في الحياة الخاصة للسكان هناك وتفرض عليهم انواعا معينة من التعاملات وصلت الى حد التدخل في العلاقة الشخصية بين الرجل وامراته».
واوضح سعدي ان هذه الجماعات «بدات تصل مدينة سامراء قبل عام ونصف العام بالتحديد واغلب قياداتها من جنسيات عربية، وبينهم سوريون وجزائريون ومصريون ويمنيون، فضلا عن بعض العراقيين الذي يساعدونهم ويقدمون التسهيلات لهم من ابناء بعض العشائر في سامراء، حيث تم تقديم بيوت وبساتين زراعية لهذه الجماعات من اجل تحويلها الى معسكرات تدريب للافراد الذين سيرغمون على الانضمام لها مستقبلا من ابناء المدينة الرافضين للانخراط في تلك الجماعات بالقوة والتهديد بقتل عوائلهم».
من جهته اشار مهند السامرائي،31 عاما، وهو احد منتسبي الشرطة في المدينة، الى انه تلقى تهديدات مباشرة من قبل تلك الجماعات بترك العمل مع الشرطة او انه سيقتل مع عائلته في حال استمراره بالعمل مع الحكومة التي وصفوها بـ«العميلة» وقال السامرائي «ان هذه الجماعات اخذت تحكم قبضتها على المدينة وابنائها في ظل غياب واضح لمؤسسات الحكومة الامنية التي توجد في مركز المدينة فقط وبشكل ضعيف، بينما القوات الاميركية تلعب دور المتفرج على ما يحصل هناك وما تقوم به تلك المجموعات من دون ان تتدخل للقضاء على الجماعات المتشددة بشكل حقيقي، وانما في بعض الاحيان تترك لها الساحة لتفعل تلك الجماعات ما تشاء بالمدينة وسكانها