الرئيسية » مقالات » مدينتي كركوك قلب كوردستان – القسم الثاني

مدينتي كركوك قلب كوردستان – القسم الثاني

(1)


أبحثْ أيها الكوردي عن الهوية الوطنية الكوردستانية، فالهوية لا تبحث عنك. ولتكُن رئيسا أو مرؤوسا، غنيا أو فقيرا، مالكا أو مملوكا. أعقْد مؤتمرا نفسيا مع ذاتك، وأسأل نفسك، مَن أنتَ وما هي هويتك وأين وطنك؟ فالألوان المجردة لا تعبر عن الهوية الكوردية.
ينبغي لكل كوردي اليوم أن يبحث عن هويته الوطنية. والشعب الكوردي كله يبحث عن هذه الهوية بالعمل والتنظيم والممارسة الفعالة. وكل هذا وذاك يتطلب توحيد الصفوف ونبذ الأحقاد، والتحلي بالحكمة وطلب المعرفة، ووضع التناقضات الحزبية والقيادية جانبا، وضرورة النضال المشترك لنيل الحرية، فالحرية لا تُكتَسب إلاّ بالعلم والمعرفة والنضال. ولا يمكن لهذه الحرية أن تدوم بدون أن تكون على أرض كوردستان، وطن الكورد. النضال من أجل الحرية في كوردستان، كل كوردستان، ليس تحريضا على القتل والتهجير كما يحلو للبعض من القومجيين المتعنتين الذين يتاجرون بالديمقراطية المزيفة لاستعباد الشعب، كل الشعب في العراق وتركيا وإيران وسوريا. لا تتوقع الخير من الأنظمة التي تستعبد شعبك، ولا سيما إذا كانت هذه الأنظمة حاقدة وجاهلة، وهي ترفضك حين تطلب الحرية، وتقرِبك كسلعة في آلة حين تخضع لها. يجب أن تميز بين الشعوب العربية والتركية والفارسية الطيبة، وبين الأنظمة التي تتحكم بك وبوطنك. كن صديق للشعوب، وثوريا من أجل حقوقك. وأقرأ معي قول شاعر الشعراء زهير بن أبي سلمى في معلقته الذهبية “الطلية” الواردة في (شرح المعلقات السبغ، للزوزني):
ومَن لم يُصانِع في أمور كثيرةٍ يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويوطَأ بِمَنسِمِ
ومَن يجعل المعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ يفِرهُ ومَن لا يتَقِ الشَتم يُشتَم
ومَن يكُ ذا فضلٍ فيبخل بفضلِه على قَومه يُستَغنَ عنه ويُذمِمِ
ومَن يوفِ لا يُذمَم ومَن يُهدَ قلبُهُ إلى مطمئنّ البِرّ لا يتَجمجَمِ
ومَن هابَ أسباب المنايا ينَلنَهُ وإن يكُ أسبابَ السّماءِ بسُلّمِ
ومَن يجعَلِ المعروف في غيرِ أهلِهِ يكُن حمدُهَ ذمّاً عليهِ ويندَمِ
ومَن يعصِ أطرافَ الزِّجاجِ فإنَهُ يُطيعُ العوالي رُكِّبتْ كلَّ لهذَمِ
ومَن لم يذُد عن حوضهِ بسلاحِهِ يُهَدَّم ومَن لا يظلم النّاسَ يُظلَمِ
ومَن يغترِبْ يحسِب عدُواً صريقه ومَن لم يُكَرِّم نفسه لم يُكرَمِِ

وعبر الشاعر الكوردي (هلمت) على لسان طفل كوردي يرجو أستاذه أن يعلمه كيف يكتب أسم كوردستان، عن الحالة المرثية التي يعيشها شعبنا الكوردستاني من كورد وأقليات قومية ودينية في مدينة كركوك الكوردستانية. قال الطفل الذي يبحث عن وطنه لأستاذه: “أستاذي العزيز هل لك أن تعَلمني كيف أكتب أسم كوردستان؟”. هذا الطفل أشرف من الكورد الذين ينكرون لشعبهم هويتهم الوطنية.

يريد الكوردي أن يعتز بكورديته وكوردستانيته، وبكل دولة شرقية وغربية تعترف بحق الشعوب في تقرير مصيرها. لا يريد الكوردي أن يعتدي على أحد، وهو في موقف الدفاع، لأن كوردستان مقسمة بين أربع دول مركزية في الشرق الأوسط.
أريد أن أكون ككل الذين يعتزون بشعبهم ووطنهم. أحب وطني وأحب الأوطان الأخرى التي تعيش مع وطني بسلام ووئام. لا أريد أن أكون خادما لأحد إلاّ لشعبي ووطني. ولا أريد أن أكون سيدا على أحد، إلاّ سيد نفسي بين شعبي وعلى ثرى وطني. فمَن ينكر عليّ ذلك، فالعتب عليه، وأنا لستُ معتدي على أحد. ومّن سامحني في إرادتي، فقد سامح ضميره في إيمانه بالله تعالى وبإنسانيته.
إلى متى يغني الشعراء الكورد مأساة شعبهم وتجزءة وطنهم؟
هذه الحالة المأساوية التي تشعر الأم الكوردية وهي تقيد طفلها الرضيع في المهد وتصارع مع حنانها الأمومي الذي يوبخها، ومع عطفها الفياض الذي يُمزق جدران قلبها، عبر عنها الشاعر الكوردي (هه زار) في قصيدته الرائعة. والأم تدغدغ طفلها لتعلمه أن يتحمل الأذى من ظلم الأنظمة التي تضرب أبناء الشعب الكوردي بالسياط. والشعوب العربية والفارسية والتركية لا تشارك هذه الأنظمة في ممارسة الظلم والاضطهاد، لأنها هي الأخرى محرومة من حقوقها الإنسانية:
إصفح عنّي يا صغيري
لقد أحكمتُ وثاقكَ لأنك طفل كوردي
يوما ما سيمسك بك أعداؤك
من الفرس والترك والعرب
ويوثقونك
عليكَ أن تتعلّمَ احتمال الأذى


(2)


اعتبر هنري سان سيمون 1760-1825 “التاريخ وحدة مستمرة، ودراسة الحاضر لاتكون إلاّ على ضوء دراسة الماضي. وآمن بالتقدم المطرد للإنسانية ودعا إلى دراسة أسباب الثورات والتبديلات التي تنشأ عنها … وأكد السببية في تطور التاريخ، وإمكانية التنبوء بالمستقبل للتاريخ على ضوء الحاضر”. (فاروق سعد ، الفكر السياسي بعد الامير، ص 268).

فلندرس الماضي، لنفهم الحاضر كي نخطط للمستقبل. حيث تراود الكورد أفكارا كثيرة حين كانت القوات السورية تغزو كوردستان العراق عام 1963، طبقا لإتفاقية عسكرية سورية عراقية بين النظامين البعثيين في الدولتين. ووقع عدد من الجنود السوريين في أيدي البيشمه ركه وهم يصرحون أن أهل قامشلو من غير الكورد كانوا يصفقون لهم لأنهم يتوجهون إلى كوردستان المحتلة ليقتلوا الكورد.
وراودتني الأفكار المؤلمة من مواقف تركيا العدائية من حقوق الكورد، ولكل ماهو كوردي في كوردستان العراق ناهيك عن كوردستان تركيا. والنظام التركي يتعاون حتى مع الشيطان لضرب الكورد، واعتبر النضال التحرري الكوردي من أجل حقوقه إرهابا.
أما في إيران، فذكريات محاكم آية الله الخلخالي بقتل الأطفال الكورد في محاكم صورية بأسم الإسلام والإعدامات بالجملة. واغتيال المخابرات الأيرانية زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني الايراني الشهيد عبد الرحمن قاسملو مع ثلاثة من زملائه في فينا عام 1989، واغتيال خليفته الشهيد صادق شرف الدين كندي في برلين عام 1994. القضية مأساوية وعدائية على طول الخط في جميع الجبهات. وفي كل هذه المأساة، لم يقترف الكوردي يوما جرما بحق العرب والكلدو آشور والتركمان والفرس، سوى الدفاع عن حقوقهم وحقوق الأقليات الأخرى باعتبار أن الحرية واحدة لا تتجزء. من هذه الزاوية، أيها القراء فكرت عن الهوية الكوردية الضائعة بين الأحقاد التي تحكم الشعب الكودي وكوردستان بالضياع.

أما على صعيد العراق فالمأساة أعظم وأّمَّرْ. فقد اعترفت كافة الأنظمة العراقية شكليا بحقوق الكورد على الورق، وما لبثوا أن ضربوهم بعد أن ضمَنوا سيطرتهم على السلطة. فبدؤوا بتحطيم آمال الشعب الكوردي في الحرية والتحرر، حتى وإن كانت أهداف الكورد بسيطة كالحكم الذاتي المبتور.
فتح نظام الزعيم عبد الكريم قاسم الطريق أمام الكورد، وألغى الملكية، وأعلن الجمهورية، وجاء بدستور جديد معترفا بوجود الكورد، ومنحهم بعض حقوقهم الثقافية، وسمح للقائد الكوردي الخالد االبارزاني بالرجوع من الإتحاد السوفيتي إلى كوردستان، ولكن لم يلبث أن طوق بعض المتعصبين القوميين السلطة في العراق، وحاصروا الزعيم عبد الكريم قاسم الملقب بأب الفقراء والمساكين، فانقلب النظام على الكورد، وضرب طموحاته مما أدى إلى تفجير ثورة 11 أيلول 1961 بقيادة البارزاني الخالد رحمه الله.
وفي الجمهورية العراقية الثانية بعد انقلاب 8 شباط 1963 مارس النظام سياسة القتل بحق الكورد، وشنت القوات العراقية هجوما واسعا على كوردستان في 6 حزيران/يونيو 1963، وصرح الوزير العراقي طالب شبيب بأنه “لايجوز حتى الحديث عن منح الأكراد الحكم الذاتي، وإذا لم يساوم البارزاني بالقضية الكوردية فإننا سوف نأجل القضية الكوردية طويلا، وسنقضي على المتمردين دفعة واحدة” (أشيريان، الحركة الوطنية الديمقراطية في كوردستان 1961-68، ص 70).
لم يكن الأمر أهون على الكورد بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 برئاسة عبد السلام عارف. استخدم النظام القوة العسكرية لإخماد الثورة التحررية الكوردستانية التي قادها البارزاني الأب. وأعلن رئيس الوزراء العراقي آنذاك طاهر يحيى بأن “الحكومة لا تستطيع أن تمنح الأكراد الحكم الذاتي، لعدم وجود البرلمان المنتخب من قبل الشعب في البلاد” (آشيريان، ص128).
وبعد انقلاب 17 تموز 1968 وما تبعته من حركة انقلابية داخلية في 30 تموز، أصبحت القضية الكوردية هدفا لشوفينية نظام البعث، ووضع النظام جميع قواته العسكرية في مواجهة الحركة التحررية الكوردستانية، بقصد إذلال الشعب الكوردي والقضاء على قضيته العادلة، ولكن إلتفاف الشعب حول قيادة البارزاني الخالد، قائد الشعب والثورة، أفشل كل خطط النظام الدكتاتوري البعثي المستبد، وأجبر النظام بالتوقيع على إتفاقية الحكم الذاتي في 11 آذار 1970، وتعديل الدستور العراقي المؤقت الرابع في 16 تموز 1970 وإضافة فقرتين مهمتين إلى الدستور كما يلي:
أ‌- يتكون الشعب العراقي من قوميتين رئيسيتين هما القومية العربية والقومية والقومية الكوردية. ويقر هذا الدستور حقوق الشعب الكوردي القومية وحقوق الأقليات كافة ضمن الوحدة العراقية.
ب‌- إضافة الفقرة التالية من المادة الرابعة من الدستور: تكون اللغة الكوردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المنطقة الكوردية.
ولكن ما لبث النظام البعثي أن حاكت المؤامرات لضرب القضية الكوردية واجهاض الإتفاقية بين الطرفين. ففي 29 أيلول 1971 خطط النظام الدكتاتوري مؤامرة لاغتيال قائد الشعب الكوردي الخالد مصطفى البارزاني. وفي 16 تموز 1972 خطط لمؤامرة ثانية لإغتال البارزاني الأب. لقد كان نظام البعث جادا في القضاء على الثورة الكوردستانية بكل الوسائل.
دخل النظام البعثي العراقي في الإتفاقية العسكرية العراقية السوفيتية عام 1972. ودخل التنظيم المعروف بصديق الشعب الكوردي، وهو الحزب الشيوعي العراقي في الجبهة مع حزب البعث العراقي عام 1973 وأبدى وموافقته على قانون الحكم الذاتي المبتور في آذار 1974 بهدف إلغاء بنود إتفاقية 11 آذار 1970 في المحك العملي. ونشبت الحرب من جديد، لضرب مواقع الحركة التحررية الكوردستانية، بحجة أن الحركة أصبحت رجعية، معتبرة أن النظام البعثي الذي وقّع الإتفاقية العسكرية والاقتصادية مع الإتحاد السوفيتي أصبح نظاما وطنيا (لتفاصيل حول هذا الموضوع، ينظر كتاب كاتب هذه السطور “كيف تعالج الدساتير العراقية الحقوق القومية للشعب الكوردي”، ستوكهولم، 1990).

استخدم النظام العراقي اتفاقية الحكم الذاتي غطاء لضرب الشعب الكوردي. وانتهت الحال إلى الاتفاقية العراقية الإيرانية الرجعية في 6 آذار 1975 بمشاركة أردنية جزائرية مصرية أميركية، واجهاض الثورة الكوردية ولو مؤقتا، ليستعد الشعب الكوردي من جديد لتهيئة ثورة جديدة. وهكذا استمر الصراع، وازداد نضال الشعب الكوردي، وانقلب نظام البعث الاستبدادي على حلفائه من الشيوعيين، وأدرك الشيوعيون أنهم وقعوا في خطأ استراتيجي بتعاونهم المرحلي مع النظام الدكتاتوري المستبد. وتطور الارهاب البعثي إلى ملاحقة عناصر الحزب الشيوعي العراقي، وانتهاج سياسة إبادة جماعية في عمليات الأنفال بين عامي 1981-82 وقتل 182 ألف مدني كوردي، وحَرق 4000 قرية كوردستانية، واستخدام السلام الكيمياوي ضد الشعب الكوردي في حلبجة وعشرات القرى الكوردستانية عام 1988، وتهجير الكورد الفيليين وتجريدهم من جنسيتهم العراقية ومن أموالهم وممتلكاتهم، وقتلهم وإذلالهم، وقتل ثمانية آلاف من البارزانيين، ناهيك عن الإغتصاب والإذلال. ولكن الله تعالى لا يهمل الظالمين وإن يمهلهم إلى حين.
وفي كل الأحوال، فالشعب الكوردستاني كان ولا زال أعظم من أن يخضع للعدوان. واصل مسيرته تحت قيادته التي لم تستسلم. وواجه الشعب، قاعدة وقادة بالوعي سياسات النظام الفاشي الذي استهدف القضاء على الإرادة الكوردية، كما واصل النضال التحرري الكوردستاني، إلى تفجير انفاضة آذار 1991، مما أسفر عن التدخل الدولي في كوردستان، وتشكيل المنطقة الآمنة. تبعته التدخل الدولي في العراق، ثم الهجوم الأمريكي البريطاني ومعهما الحلفاء في 18 آذار 2003، وسقوط النظام البعثي الدموي في 9 نيسان من نفس العام.


(3)


ونتساءل اليوم فيما إذا يعيد نفسه، حيث يتعاون الكورد مع الشيعة الذين كانوا كالكورد معرضين للأبادة، وهم اليوم يقبضون على السلطة في العراق. ولديهم ميليشيات مسلحة، تعادي بعضها مع الأسف حقوق الشعب الكوردي في الفيدرالية، حتى أن السيد مقتدى الصدر زعيم ميليشيات “جيش المهدي” صرح مرة، بأنه سيجعل من كوردستان جدولا من الدماء بعد انسحاب الجيش الأمريكي من العراق.

فهل تفكر أيها الكوردي بهذه المآسي؟ هلاّ تفيق من غفوتك؟ كن أمينا وفيا لشعبك، والتاريخ يشهد أنك لم تمارس الإرهاب يوما من أجل حقوقك، رغم أنك تعرضتَ لإرهاب الأنظمة التي تضطهدك، ولا تزال تتعرض له. أما الذين يتهمونك بالخيانة لأنك كوردي، فهم لا يجيدون سوى لغة القتل والشتم والتهديد والتهجير والنشريد. لا تستسلم، ولا تعتدي على أحد، كما كنتَ دائما أعظم من الضعفاء الذين يمارسون الظلم والعدوان والإرهاب بحقك.
أنت لا تستقطع من أرض أحد أيها الكوردي الفقير الأسير، ولستَ محتلا لأرض أحد. كل ما تريده أنكَ ترجع حقوقك المسلوبة، بأساليب نضالية نزيهة بعيدا عن الإرهاب، وقد برهنتَ أنك أسمى من الأنظمة التي تحكم شعبك وتحكم شعوبها أيضا بالعلاقات الاستعمارية. النضال الإنساني مشروع في كل الشرائع والقوانين من أجل الحرية.
عاصمة أقليمك كركوك تأكلها الأوساخ، وتعبث بها العابثون، وقد طردوك من بيتك، فأصبحتَ غريبا. هل تجد طريقا للرجوع إلى بيتك؟؟ هل نسيتَ ذكريات طفولتك المعذبة واللذيذة في آن واحد في مدينتك التي ستكون غدا عاصمة أقليم كوردستان بالسلم والمحبة إنشاء الله. ستكون كركوك غدا مدينة جميع الناس الشرفاء الذين يريدون أن يعيشوا في أقليم كوردستان والعراق بأمان ووئام بعيدا عن التفجيرات والتشريد والتهجير والتمييز العنصري.

أين يمكن للكوردي إذن أن يُصَنفَ هويته في دائرة هذه الصراعات والتناقضات المخيفة بين القومية والدين والأممية، وهو لا يملك السلطة في الواقع العملي لأنه يفتقد لكيان أصبح مقسما مجزءا؟ وتتجلى المأساة الكوردية في فقدان الكورد لإستراتيجية بعيدة المدى، وإتخاذ مواقف عفوية على المستويات الكوردستانية والأقليمية والدولية. وتبدو جوانب هذه المأساة الكوردستانية في عشرات الأحزاب والمنظمات والجمعيات والمؤسسات المتصارعة التي تفتقد إلى الخطاب الفكري الموحد، والتوجه السياسي الاستراتيجي المبرمج لتحديد الهوية الكوردية.

هل تسأل نفسكَ يوما أيها الكوردي، مَن يحترمك عندما لاتكون حرا ولا يكون للك كيان؟ إنهض من نومك العميق، وأفِق من سباتك الطويل، واخرج من المغارة المظلمة، وارمي العّصّابة السوداء التي شدها المستَعمر بها عينيك، واخرج من مغارتك المظله إلى ضوء الشمس كما قال الفيلسوف الأغريقي أفلاطون!!! إذا تريد أن تذوق طعم الحرية.

أيها الكورد تصالحوا مع الذات وتصالحوا مع أنفسكم، وجددوا العهد كل يوم أن لكم وطن إسمه كوردستان، وعاصمة إسمها كركوك، وأن لكم أرضا تريدون أن تعيشوا عليها أحرارا.


(4)


في كل الأحوال نتجنب ذكر الأسماء حتى لا نخرج من المنهجية في الكتابة، وحتى لا ننزل إلى مستوى الذين يجيدون تشويه الأسماء وفن الشتائم والمُسبات والمهاترات والتهديدات. نريد أن نقول الحقيقة دون أن نعتدي على أحد. فتبجُح بعض الآيديولوجيين المتطرفين، من أن مطالبة الكورد بحقوقهم، تُعَد دعوة قومية متطرفة تولد الصراعات القومية والطائفية والقتل والتهجير. هذا هراء. ما علاقة الطائفية بالكورد، والكورد لم يعرفوا في تاريخهم الصراع الطائفي مع طائفة دينية معينة. ما علاقة التحرير والحرية بالقتل والتهجير، والكوردي يريد أن يسترد حقوقه بالسلم والأخوة والمحبة، وإن لم يتجاوب الظالمون فما له إلا أن يمارس النضال المشروع الذي يتقبله كل الشرائع والقوانين الدولية، بعيدا عن العدوان الذي تمارسه الأنظمة التي تتحكم بكوردستان وشعبها.

آه من دجل القومجيين الذين يتهجمون على الشعب الكوردي وقياداته في مطالبة الكورد بحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم. ينكرون على الكورد هويتهم، ويعتبرون الكورد غير منصفين حين يطالبون بانضمام عاصمتهم كركوك لأقليم كوردستان. إنها الخوف من الحقيقة، حين يضع البعض كل التناقضات في رقبة الكورد. إنها فعلا “ميكانيكية الدفاع” السيكولوجي، لفشل الأنظمة التي تحكم الكورد في عموم كوردستان بالقهر والأنفال والسلاح الكيمياوي، وتجريدهم من هويتهم الوطنية تحت واجهات النظريات اليسارية واليمينية المتطرفة، وبأسم الديمقراطية المزيفة، لجعلها سلاحا لضرب الديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وأحيانا بأسم العلمانية الإلحادية التي تحارب الأديان والعقائد السماوية، وهي تختلف كليا عن العلمانية الديمقراطية الليبرالية التي تحمي الدين والدولة.
لقد أصبحت القومية المتطرفة القابضة على السلطة في دول المنطقة عالة على الشعوب المظلومة التواقة للحرية. فيقول القومي العربي للكوردي أصلكم عرب، والوطن للجميع. ويقول الفارسي “الكورد بدو الفرس”. ويقول التركي للكورد، أنتم “أتراك الجبال”. فأقرأ معي هذه الأبيات التي نظمها الشاعر العربي المبدع (أبو ثائر) في ديوانه الشعري بعنوان “كردستان في الشعر العربي، ستوكهولم 1990، ص 129).
ففي جبالك كردستان كم مطرت طيارة البعثِ أو ألقت بنيرانِ
وهل تعامى عن الأطفال أم عميت عيناه عن نسوة مرضى ورضعانِ
وهل رأى ما جرى أم لم ير أبدا ما سال من دمنا في حاج عمرانِ
وما تأسى لنا طفل وراضعة في خرمال أو زاخو وجومانِ
وفي ضواحي نوبردان مجزرة وفي حلبجة غدر البعث آذاني
وفي مصايفنا نسرين نائحة وصوت مريم في لولان أبكاني

لقد بلغ التبجح للأنظمة التي تحكم كوردستان بالظلم والحديد والنار إلى التنسيق والتخطيط لضرب الشعب الكوردي. وبلغ هذا العدوان أقصى حدود اللاإنسانية في تعاون هذه الأنظمة مع حلف الناتو، والتنسيق معه وفقا للبرقية السرية التالية:
“إلى/ فق1 رئيسي فق2 رئيسي
من مديرية الحركات العسكرية (العراق)
العدد: 3478/س
التاريخ: 2/7/1963
تم الإتفاق مع السلطات التركية والإيرانية بالسماح لطائراتها باجتياز خظ الحدود والوصول إلى الخط العام المار من سرسنك-عقرة-راوندوز لاستطلاع أماكن تحشدات العصاة داخل الأراضي العراقية والتعاون مع قطعاتكم لضربهم.”(ينظر منشورات الإتحاد، سوريا 1977، في الإتحاد الديمقراطي الكوردستاني، الثورة الكوردية 11 أيلول 1961-6 أيار 1975، ص40).


(5)


رائع أنتَ أيها الشاعر الفلسطيني معين بسيسو وقد أجادت قريحتك الوطنية، لتصرخ بأعلى صوتك في وجه محرفي التاريخ:
كّم أكره مَن علّمني الدرسّ الأول في التاريخ
كرديا كان صلاح الدين
وانتصر وأصبح عربيا
ماذا لو هُزِمَ صلاح الدين؟
لأصبح جاسوسا كرديا.

ينبغي نبذ القومية المتصلبة المتعنتة التي تلغي الآخرين. وينبغي الاعتراف بحق كل شعب في أن يحرر أرضه كالكورد والفلسطينيين والأمازيغيين وغيرهم بعيدا عن التطرف القومي والآيديولوجي ليكونوا مفعمين بالكرامة الوطنية في أوطانهم ككل الوطنيين الآخرين في العالم. لنكف عن الأوتار الحزينة، ونعترف ببعضنا البعض، محبين مؤنسين، يشعر الكل أنه موجود، وأنه مفعم بالعزة الإنسانية والكرامة الوطنية.

فما أصدق قول الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش في قصيدته الرائعة “معكم”:
معكم .. معكم قلوب الناس
معكم عبيد الأرض
معكم أنا .. معكم أبي وأمي
معكم عواطفنا .. معكم قصائدي
……………….
هل خرَ مهرك يا صلاح الدّين؟ هل هوت البيارق؟
في أرض كردستان … حيث الرعب يسهر والحرائق
الموت للعمال إن قالوا لنا ثمن العقاب
الموت للزرّاع إن قالوا لنا ثمن الكتاب
الموت للأكراد إن قالوا لنا حق التنفس والحياة
ونقول يعد الآن فلتحيا العروبة
مرّي إذن في أرض كردستان .. مري يا عروبة
هذا حصاد الصيف هل تبصرين؟
لن تبصرين إن كنتِ من ثقب المدافع تبصرين”.

كلمة شكر
نشكر القراء الذين بعثوا رسائل الفرح والشكر مثَمنين القسم الأول من هذه الدراسة الأدبية السياسية التي نشرت في عشرات المواقع الألكترونية، مأكدين التزامهم بوطنهم ونضال شعبهم. ونشكر أيضا إلحاح القراء الأعزاء الذين ينتظرون نشر أقسام أخرى ضمن نفس الحلقة، رغم أننا حققنا الغرض من نشر موجز لبعض الأفكار في القسم الأول للدراسة الأكاديمية التي نحن بصددها باللغة السويدية. فإننا ننشر القسم الثاني وتتبعه أقسام أخرى، بعد أن تبيّنَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود والحمد لله. وهذا ما كنا نصبو إليه.

ملاحظة: هذه الدراسة جزء صغير من مشروع أكاديمي باللغة السويدية يشارك فيه الكاتب مع بعض الباحثين السويديين منذ أوائل عام 2006، يعالج القضية الكوردية والعملية الديمقراطية في العراق بين 1970-2005. وقد نشر الكاتب بعض المقالات باللغة السويدية في إطار هذا المشروع الأكاديمي في بعض المجلات السويدية. ليس المشروع تعبيرا عن فكر قومي أو آيديولوجي يساري أو يميني للمشتركين في المحك العملي، بقدر ما هو تجسيد عن الواقع الكوردستاني والعراقي، والصراعات السياسية المتباينة في الشرق الأوسط سواء اتفقنا أو لم نتفق مع المحتوى. يضم المشروع أيضا الدساتير العراقية التي تعالج حقوق الكورد، والتدخل الدولي في المنطقة، موثوقا بالوثائق والمصادر الغربية بالدرجة الأولى. وينشر لاحقا في كتاب باللغة السويدية بعنوان يتم الإتفاق عليه في إطار الأسس المنهجية.

28-02-2007
*الكاتب مستقل