الرئيسية » مقالات » رائحة النفط تزكم الأنوف وتسيل اللعاب

رائحة النفط تزكم الأنوف وتسيل اللعاب

جميل جدا أن نقرأ أن المادة الأولى في النسخة الجديدة لمسودة قانون النفط من أنها تؤكد على أن النفط أينما كان في العراق ملك للشعب العراقي، لكننا لم نكد نمضي كثيرا بالقراءة حتى صدمنا بقراءة المادة الثانية التي تؤكد أن هذا القانون لا يتعلق بتصنيع النفط أو تصفيته أو تصنيع الغاز! أي أن القانون معد فقط للجانب الاستخراجي فقط من هذه الصناعة، ربما سوف يكون هناك قانون آخر ينظم هذه الصناعة الواسعة جدا، وهي التي نطالب بفتحها للمستثمر الأجنبي لأنها مكلفة جدا، أي إن تصنيع برميل من النفط يكلف ربما خمسة أضعاف كلفة التطوير لاستخراجه، كما وإنها بحاجة إلى تكنولوجيا متطورة جدا ولا نملك الكادر الكافي لتطويرها ولا قيم العمل الجديدة التي نحن بأمس الحاجة لإدخالها للعراق الجديد. هذا هو الميدان الذي نطالب به أن يكون متاحا فقط لأي مستثمر كان، أجنبي أو محلي، لأن أي استثمار في الصناعة الاستخراجية ماعدا تقديم الخدمات بكل أنواعها يعتبر التفافا على حق ملكية العراقي بالنفط، بمعنى أن القانون يجب أن لا يسمح بأي نوع من العقود سوى عقود الخدمة فقط، لأنها لا تتجاوز على هذا الحق.
لكن قبل أن نقرأ تفاصيل النسخة الجديدة من مسودة القانون الذي أقره مجلس الوزراء والتي كانت بتاريخ15 كانون الثاني من هذا العام بشكل جيد حتى خرج علينا السيد وزير النفط بتصريحات غريبة على شخصه المعروف بالهدوء والتروي والعلمية، هذا الرجل المحترم راح يكيل التهم جزافا على الذين انتقدوا القانون الجديد! متهما، دون تمييز، كل الذين كتبوا منتقدين بأنهم مدفوعين من قبل جهات لا تريد الخير للعراق! كل ما أتمناه أن لا نكون مشمولين بتعميم السيد الوزير، لأني من أكثر الذين كتبوا في هذا الشأن وقد انتقدت المسودة السابقة في أكثر من مقال وبأكثر من مكان في الصحافة العراقية الحرة المكتوبة والالكترونية.
كما يعرف الجميع أن الذين كتبوا عن قانون النفط قليلون جدا، وكانت كتاباتي، خصوصا بالعربية، هي الأوسع والتي غطت جميع جوانب الموضوع، وبالفعل أخذت اللجنة التي تكتب القانون الكثير من الأفكار التي تهدف لحفظ حقوق العراقيين بنظر الاعتبار، وهو ما أفخر به.
لكن يبدو أن تدخلنا الإيجابي لم يعجب بعض الجهات السياسية التي أسست شركاتها بنية نهب الشعب العراقي، ومع الأسف الشديد أن النسخة الأخيرة من القانون التي بين أيدينا مازالت تمنحهم الحق بالدخول في منافسة مع الآخرين، ستكون بلا شك غير شريفة لأنهم يملكون النفوذ، بالحصول على عقود تطوير وإنتاج، رغم إن اسمها الحقيقي هو عقود المشاركة بالإنتاج، لكن ليعلم الجميع أن مساعينا سوف تستمر لتفويت الفرصة عليهم بتجريد الشعب من حقوقه بملكية النفط.
نعم مسودة القانون أصبحت أكثر نضوجا عما كانت عليه نسخة تشرين الثاني الرثة، وحقيقة أن هناك تقدم كبير، بل الفرق هائل بين النسخة التي وصلتنا حديثا كما أسلفنا وتلك التي اعتمدناها في نقد المسودة السابقة والتي كانت مكتوبة خلال شهر تشرين الثاني من العام الماضي، حيث هي الوحيدة التي استطعنا تحريرها من سجنها خلف الجدران المغلقة والتعتيم المتعمد بحجب المناقشات وما يتمخض عنها، وأعتقد أن من يتحمل الوزر هم ألائك الذين حجبوا النسخة التي تقرر مصير العراقيين جميعا وتحفظ حقهم بما يملكون. لذا كان يجب عليه كشخص علمي ومهني عرف عنه النزاهة أن ينأى بنفسه عن مزايدات من هذا النوع، بل كان عليه كشخص متحضر أن يقبل النقد، فهو من سمات المجتمع الديمقراطي، كما وأن السيد الوزير يعرف حق المعرفة ماذا يعد البعض من أدوات لسرقة حقوق الشعب وفق القانون الجديد.
حين كتبنا وتحركنا لم نكتب بوحي من أحد، لأننا لم ننتمي لحزب ولم نقبض فلسا واحدا عما كتبنا، والجهود الجبارة التي بذلت كانت من أجل ضمان حقوق أبنا شعبنا وبدافع وطني محض، لم نكن ننتظر من السيد الوزير جزاء ولا شكورا، ولا حتى كلمة شكر واحدة بحق من يحاول أن يحفظ حقوق الشعب ويفضح ما يجري خلف الأبواب المغلقة، لكن لم نكن نتوقع منه العكس، وهو الخروج والمزايدة علينا بعد أن فضحنا الأمر وساهمنا كأصوات حرة بإنضاج المسودة حتى وصلت لما عليه الآن. ولمن يشاء أستطيع أن أرسل له نسخة تشرين الثاني لكي يقارنها بنسخة كانون الثاني.
مازلت أناقش تصريحات السيد الوزير، فإنه يقول كما ذكر الملف برس أن لا وجود إلى عقود المشاركة بالإنتاج في القانون! لم هذا الإنكار يا سيادة الوزير؟ هل لأن المسدودة تلاعبت بالاسم وأسمتها عقود “التطوير والإنتاج” بدلا من عقود “المشاركة بالإنتاج”؟ والأغرب من ذلك، نجد أن السيد الوزير يتحدث عن مدة العقود كونها لا تزيد على20 عاما، ألا يعتبر هذا نوعا من الاعتراف الضمني من الوزير بوجود هذه العقود؟ وهي تلك العقود التي تم تغيير اسمها لتمرير هذا النوع المجحف من العقود على العراقيين، على افتراض أنهم مغفلين.
كما وتتحدث المسودة عن عقود المجازفة، ولنا الحق بالسؤال، أين المجازفة باستكشاف وتطوير الحقول العراقية؟ مادام العراق لديه أكثر من400 تركيب جيولوجي محتمل أن يحمل النفط، مستكشف بالطرق الجيوفيزيائية ولم يتم الحفر الاستكشافي بها؟ وكما هو معروف أن نسبة النجاح بالحصول على نفط من هذه التراكيب تصل إلى73% ، والنسبة الباقية فإن وجود الغاز الطبيعي فيها شبه مؤكد، فأين المجازفة باستكشاف هذ الحقول حتى يسمح القانون بمنح تراخيص عقود المجازفة؟ أما إذا كان المقصود هو استكشاف حقول جديدة، فهل الحقول ال400 قد استكمل استكشافها حتى نبحث عن حقول وتراكيب جيولوجية جديدة؟ أم أن المقصود بها هو إيجاد وسيلة لمنح البعض ما لا يستحقون على حساب الشعب العراقي؟ أنا لست من ذوي النوايا السيئة، لكن أتسائل فقط.
أعود وأتحدث عن موضوع النسب المبالغ بها التي تحدث عنها المنتقدون والتي تصل إلى أكثر من50% ، فهي تتحدث عن عقود كوردستان والتي تؤسس إلى سنة مقوننة في العراق، يستفاد منها ألائك الذين أسسوا شركاتهم خارج وداخل العراق وينتظرون على أحر من الجمر المصادقة على عقود كوردستان ليطالبوا أن يعاملوا بالمثل ويحصلوا على نفس الحقوق، طبعا وفق الدستور والقانون الجديد! خصوصا وإن الدستور يعامل العراقيين بالمثل! أليس كذالك يا سيادة الوزير؟
قد تكون هذه الأرقام المبالغ بها غير صحيحة، وهذا أمر ممكن، فهل نشرتم يا سيادة الوزير محتويات أحد العقود الأربعة التي وقعت في كوردستان؟ أو على الأقل مختصر لها لكي لا نضطر إلى البحث عن تفاصيلها بطريقتنا الخاصة؟ سمعنا أيضا أن النسب بهذه العقود قد تغيرت، وهذا أمر ممكن لأنها فعلا مبالغ بها إلى حد اللعنة، لأن النسب الطبيعية بمثل هذه العقود لا تزيد على3% وإن بالغنا بها تصل إلى4% فهل حصل هذا الأمر؟ وما هي التعديلات الجديدة؟ فهل هذا النفط المتعاقد عليه ليس نفطا عراقيا؟ وإذا كان كذلك، ألا يحق للعراقي الذي يملك حصة بهذا النفط المطالبة بقراءة هذه العقود وغيرها حاليا وفي المستقبل؟ أم إن السيد الوزير ينكر علينا هذا الحق؟ وحتى لو لم نملك هذا الحق بالملكية، فلنا حق المواطنة، والدستور يضمن لنا، كمجتمع مدني، حق مراقبة جميع أجهزة الدولة، كما ولا أدري لماذا اعتبر السيد الوزير جميع المنتقدين مدفوعين من قبل جهات لا تريد الخير للعراق؟ فهل المقصود من هذا الاتهام هو الإرهاب الفكري لكي نكف عن متابعة حقوق شعبنا المظلوم بهذا الوطن المستباح؟
ما هو إيجابي فعلا أن القانون قد أعطى لشركة النفط الوطنية الحق بالدخول مع المستثمر، أجنبي أو محلي، بالدخول كمنافس باستكشاف وتطوير الحقول وفق أساليب المنافسة الشريفة، لكن هل شركة النفط الوطنية جاهزة فعلا للدخول بمثل هذه المنافسات حاليا؟ أتمنى ذلك.
نقلا عن صحيفة الحياة، يقول السياسي المخضرم والصريح جدا الدكتور محمود عثمان أن الأمريكان والبريطانيين، الذين كانوا متعجلين لإقرار مشروع قانون النفط والغاز، كان لهم دور كبير في إقناع الكورد بقبوله، وهذا يعني أن ما ذهبنا إليه ليس محض خيال، بل هو صلب الموضوع، وإن تصلب الجانب الكوردي بالقبول بعقوده العتيدة كانت صحيحة حتى تدخلت الدولتين العظميين في التفاصيل، وهو ما يشي بأكثر قضية تكمن وراء الإسراع بإصدار هذا القانون، إذ ليس الكورد أو إخوانهم العرب من المتنفذين سياسيا لوحدهم وراء الموضوع، لأننا لم نسمع عن هاتين الدولتين قد فعلتا شيء لوجه الله تعالى!
وما أعلنه الدكتور عثمان أيضا كان غاية بالأهمية ونطلب من السيد الوزير توضيحه بشكل مفصل، حيث أن الرجل قد قال، على ذمة صحيفة الحياة: “إن الحكومة الكردية كانت تريد أن تتمتع بصلاحية بيع عقود النفط واستخراجه ومنح تراخيص إلى الشركات بصفة ذاتية على أن يكون هناك ممثل عن الحكومة المركزية، في وقت كانت الحكومة في بغداد تطالب بالإشراف على العقود الموقعة مع وجود ممثل عن الكورد”، وقد أضاف “تم حسم ذلك بعد الاتفاق على أن تكون نصف العقود الموقعة تحت تصرف حكومة إقليم كوردستان”! وهنا ينشأ سؤال كبير جدا إذا كان الأمر كذلك، فعن أي قانون نتحدث؟ فالنسخة التي بين أيدينا والمنشورة على بعض المواقع الالكترونية لم تذكر شيئا عن هذا الاتفاق، فهل يوجد قانون غير القانون الذي نقرأه؟ وهل هذا النصف من الحقول قد تمت مصادرة ملكيته ولم يعد ملكا للشعب العراقي ونحن لا نعرف؟ أم إن هذا النصف من الحقول يقع خارج حدود خارطة العراق التي نعرفها؟
أخيرا أقول سيبقى الحديث عن القانون الجديد مستمرا رغم الإرهاب الفكري والاتهامات الغير مبررة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *