الرئيسية » مقالات » وعادت كركوك الى احضان كوردستانها

وعادت كركوك الى احضان كوردستانها

لا توجد على وجه البسيطة مدينة تعرضت الى اشكال من القهر والاضطهاد ومحاولات الطامعين تغير واقعها السكاني قدر ما تعرضت لها مدينة كركوك……وابتدأت عمليات التغيير هذه منذ اكثر من قرن ونصف , حينما حاولت الامبراطورية العثمانية البائدة في اواخر ايامها اصباغ صفة التتريك عليها وذلك باسكان عدة عوائل تركية من موظفيها وقادة جندها بعد منحهم امتيازات في مسك الوظائف الحساسة في المدينة واعطائهم كذلك الامتياز في استخراج النفط الاسود من الابار الضحلة في منطقة بابا كركر القريبة من المدينة , وكذلك فرض اللغة التركية في المعاملات الرسمية وفي الاوساط الثقافية حتى باتت منظر المدينة وكأنها مدينة تركية فعلا, والادهى من ذلك تأثر الكثير من العوائل الكوردية الاصل والتي كانت تنزح اليها من القصبات الكوردية المجاورة بذلك الجو التركي وفقدت مع مرور الزمن وبغياب الوعي القومي لغتها وتقاليدها الكوردية لتذوب في بودقة الثقافة التركية السائدة أنذاك …. ونفس الحالة تكررت في اربيل وخانقين وكفري وغيرها ….. صحيح ان هذه العملية التتريكية لم تنفذ بالقوة والاكراه كما حدثت لاحقا على ايدي البعث بعد قرن من الزمان , ولكن تأثيرها كانت اقوى في تجريد الآلاف من السكان الكورد من هويتهم القومية , واتخذت طابعا منظما في الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي بتشجيع من الاوساط التركية في تركيا الكمالية خليفة الامبراطورية العثمانية المهزومة وبالاخص بعد اكتشاف النفط بكمياتها الهائلة في حقول بابا كوركور….وظهر الى سطح الاحداث مسميات واحزاب طورانية والتي اغلب شخوصها هم من الكورد المستتركين تدعو الى تركمنة كركوك وتعادي الكورد بنفس النفَس الطوراني التركي المقيت لانها في حقيقتها كانت (ولا تزال بعضها) ادات تنفيذية استحدثت ومّولت لغايات تركية طماعة في ولاية الموصل التي تنازلت عنها تركيا بعد الحرب العالمية الاولى وفق صفقة مالية كبيرة وكاستحقاق من استحقاقات الحرب ولقاء السماح لها بتشكيل الجمهورية التركية بحدودها الحالية(والا كانت تركيا ستمزق الى مكوناتها اليونانية والارمنية والكوردية الاصلية), ويبدو ان غول لا يدرك كيف تأسست الدولة التركية الحديثة ووفق اية شروط !!!!! حينما يصرح مؤخرا ان تركيا ستلغي اتفاقية عام 1926!!!!!! ) والتي جاءت كحل نهائي واخير لما سمي حينذاك بمشكلة الموصل.

ان الذي حدث في العراق بعد عملية اسقاط النظام البعثي الجائر كان زلزالا مدويا والذي من شأن تداعياته الكبيرة والمؤثرة ان تؤسس لوضع جديد ليس في مدينة كركوك التي عربت وتم تغيير ديموغرافيتها السكانية لصالح العرب وعلى حساب الكورد بالدرجة الرئيسية بل ان دوي الزلزال ستطال مجمل المعادلات السياسية في العراق والمنطقة عموما ولسنين لاحقة, يبدو ان الكثيرين لا يدركون حقيقة ما حصل… فهم بجهلهم لمجريات الاحداث لا زالوا يقيسون الامور بموازينها السابقة ….صحيح ان تسلط الفكر العروبي الشاذ على مقدرات الشعب العراقي قد خلق اوضاعا استثنائيا وكان مثار ارتياح وطمأنينة للكثيرين من اعداء الكور د التقليدين منهم على الخصوص (الاوساط الطورانية, والعروبية الشوفينية وبالاخص عرب الحويجة الطارئين على كركوك ) فكانت كل عمليات تغيير الواقع القومي في المدينة واطرافها في مصلحتهم وباتت اغلب المصالح التجارية والاراضي الزراعية تحت تصرفهم دون عناء او تعب, فكل مواطن كوردي كان يترك المدينة مرغما كان موقعه الوظيفي او محله التجاري او ارضه الزراعية توؤل الى التركمان, او الى عربان الحويجة لكون الاخيرين عربا اولا, وجزءا من اجهزة مخابرات وجيش صدام ثانيا, وباثمان رمزية كانت تقترب من الهبات المجانية (وهذا هو سر تكالب عربان الحويجة هذه الايام ومعاداتهم العلنية لتطبيع الاوضاع في كركوك واسنادهم لكل العمليات الارهابية التي تنطلق من قراهم صوب الآمنين من سكان كركوك … لان التطبيع سيعني بالتأكيد سحب تلك الامتيازات الضخمة منهم واعادتهم الى النقطة التي بدأو منها ( حياة البداوة وجمع الملح)…..

اما عرب( العشرة آلاف) اي المستوطنون الجدد ,والذين اغلبهم من العشائر الشيعية في الجنوب , فقد كانوا اداتا و ضحايا لتلك الحملة التعريبية الظالمة التي قصد النظام الهاءهم بفتات خبز لقاء تركهم ارض آبائهم واجدادهم واسكانهم في موطن جديد يبعد مئات الاميال عن مسقط رأسهم , واستخدامهم في نفس الوقت كطعم ضد الكورد وحركته التحررية , وها هم اليوم يبدون رغبتهم في العودة الى مواطنهم رغم تظاهر التركمان وعرب الحويجة في منعهم من العودة في الوقت الذي كانوا يناصبونهم العداء ايام صدام لكونهم منحوا امتيازات كان يجب ان تعود لعربان الحويجة وكونهم شيعة ايضا, وبالنسبة للتركمان كانوا مستائين من وجود عرب التعريب في المدينة لانهم اخلوا بالنظام الاجتماعي المحافظ الذي كان سائدا في المدينة قبل مجيئهم اليها وكون الكثيرين ممن اختاروا الاستيطان في كركوك كانوا يشكلون حثالات مجتمع الجنوب……!!!!!!.

والآن نرجع الى عنوان المقال…. لماذا نحن واثقون ان كركوك قد عادت الى احضان كوردستان……

أولا _:

لقد ولى والى الابد سلطة البعث الذي كان حزبا شوفينيا حاقدا استخدم ابشع الوسائل دمارا واكثرها همجية في اضطهاد الكورد في المدينة ومنعهم من العيش والعمل والتملك بل وحتى ترميم البيوت التي كانت آيلة للسقوط فضلا عن تنفيذها لعمليات الانفال السيئة الصيت والتي ذهبت ضحيتها اكثر من مئة الفا من سكان القرى الكوردية السبعمائة المحيطة بكركوك بل واجبارهم حتى بتغيير قوميتهم الكوردية!!!!,فكان كل كوردي في المدينة عرضا للاعتقال والطرد والملاحقة والنقل في اية لحظة وتحت اية تبريرات وحجج,وبالمقابل كان للعربي (المستوطن والحويجي) كل الحق في تبوء اية مناصب في الدولة او امتلاك اية عقارات او اراضي زراعية ولقاء اثمان رمزية .
وبغض النظر عن التسلسل القانوني والزمني لتطبيع الاوضاع في المدينة فان الكورد الان احرار في كركوك , يسكنون ويمتلكون ويعملون , هذا ما حدا باعداء الكورد ان يفقدوا صوابهم , فلم تعد كلمة الكوردي تعني جرما بحد ذاته كما كان بالامس, ولم تعد لجان ومرتزقة المخابرات و الجيش الشعبي السيئة الصيت تداهم بيوت الكورد ليلا ونهارا من اجل ترحيلهم من المدينة, وها ان سكان كركوك من الكورد قد باشروا بالعودة الى المدينة , الى ارض الآباء والاجداد…. وهذا بحد ذاته انجاز كبير للكورد في المدينة …..ولم يتبق امام اعداء الكورد من الطورانيين والعروبيين ايتام صدام الا العويل والزعيق وهذا (لا يودي ولا يجيب) كما يقول المثل العراقي الشعبي.
ثانيا :
حينما كانت هناك قرارات جائرة تتحكم بمصير الكورد في كركوك ابان الحكم البعثي المقبور والتي كانت تتضمن خطوات خبيثة مبرمجة ومدروسة تهدف في نهاية المطاف الى تفريغ المدينة تدريجيا من سكانها الكورد, يوجد الآن اتفاق شارك في صياغته اغلبية الشعب العراقي وصوت عليه, تؤطر العمل الجاد والمبرمج لحل مشكلة كركوك على اسس عادلة وقانونية وفق جدول زمني محدد وآلية واضحة تؤدي في النهاية الى تحديد مصير كركوك , ومن المؤمل الانتهاء منها في نهاية العام الحالي, قد يتعالى هنا او هناك اصوات شاذة تشكك في الدستور العراقي وتدعو يائسا الى اعادة النظر في بعض مواده ومنها المادة 140, الا ان هكذا ادعاءات جاهلة وباطلة تجهل او تتجاهل كيف تم صياغة الدستور العراقي والذي استغرق شهورا من العمل المضني واغلب مواده قد تم الاتفاق عليها بالتوافق, اي ان الاخلال باي بند وخاصة فيما يتعلق بحقوق الكورد المهظومة سيؤدي بالنتيجة الى تخريب الدستور وتعطيله والعودة الى نقطة الصفر, وهذا وَهم ما بعده وَهم .
وها ان القرار الخاص بعودة المستوطنين قد صدر ويكون قيد التنفيذ قريبا, وكما هو معلوم ان العرب العشرة آلاف قد باعوا اوطانهم بثمن بخس وكانوا اداتا رخيصة بيد النظام السابق وعلينا نحن الكورد ان لا ننتقم منهم (ولاسباب انسانية , وحرصا على الوشائج الوطنية التي تربطنا واياهم, علينا ان نسعى لارجاعهم الى مواطنهم السابقة طواعية اي نجعلهم يتركون ديارنا لقاء تعويض مناسب , ولو اننا كنا قد حرمنا منها حينما اجبرنا الى ترك المدينة في جنح الظلام وعلى ظهر الشاحنات وتحت تهديد السلاح ), وها ان آلاف العوائل المستوطنة ابدت رغبتها للعودة الى اماكنها السابقة لادراكها ان البقاء في كركوك ستكون استمرارا لخطأها السابق في القبول بتنفيذ سياسة ظالمة لسلطان جائر وديكتاتور ظالم على حساب اخوتهم الكورد.

ثالثا:
كانت الحكومة المركزية في بغداد حكومة ديكتاتورية لا تمثل الا الا تجاه العروبي الفاشي ممثلا في حزب البعث وشخص الدكتاتور المقبور والمقربين منه,والان هناك حكومة ائتلافية ممثلة لاغلب اطياف الشعب العراقي وللكورد فيها ممثلين مقتدرين من وزراء ومستشارين ولهم باع طويل في السياسة تمتد الى عقود من الزمن اضافة الى تجربة ناجحة في ادارة الحكم ومناوراته السياسية ,ورئيس الجمهورية قيادي كوردي مخضرم معروف لدى القاصي والداني وهو نفسه ممن تربوا في كركوك وتكية الطالبانية شاهد على ذلك .

رابعا:
الكورد يملكون قوة عسكرية منظمة مدربة موحدة خبيرة في القتال بمختلف اساليبه, امضت سنين طويلة في مقارعة النظام العفلقي حينما كان في اوج قوته وجبروته, وجزء كبير من هذه القوة الان منضوية تحت لواء الجيش والشرطة العراقية وهي التي تتصدى يوميا لعصابات الارهاب في كركوك وسائر مناطق العراق , ولن تسمح لنفوذ الارهابيين من الصداميين وايتام البعث والميت التركي ان تفعل ما تشاء في كركوك …. والارهابيين ولو انهم يستهدفون الابرياء وينفذون افعالهم الشنيعة باساليب بربرية وجبانة واغلبهم يتخذون من قرى الحويجة مأوى لهم الا ان ذلك سيشكل في النهاية وَبالا على اهل الحويجة التي تشهد قراها وقصباتها حملات دهم وتفيش واذلال وتخريب للحياة الاقتصادية والاجتماعية وفي النهاية ستعيد هذه المناطق الى سابق عهدها من التخلف والجهل والفقر والبؤس.

خامسا:
على المستوى الاقليمي والدولي …. الدولة الاقليمية الاكثر عداءا للكورد(تركيا الكمالية) تعيش حالة من التخبط واليأس لا تحسد عليه , فهي قد فقدت حليفتها التي كانت تشاطرها اضطهاد وابادة الكورد (النظام البعثي المقبور), كما انها لم تعد الابنة المدللة للغرب كما كانت ايام الحرب الباردة , اضافة الى موقفها السابق في عدم السماح للولايات المتحدة من اتخاذها قاعدة للانطلاق صوب تحرير العراق وذلك خوفا من انتقام النظام الصدامي آنذاك ولكونها كانت بشكل او بآخر حليفة نظام صدام في المنطقة وطالما فرطت حتى بحقوق التركمان التي تدعي اليوم بالدفاع عنهم وتذرف دموع التماسيح عليهم…….. وبالمقابل اصبح الكورد هم قادة انفسهم في اقليمهم الفيدرالي بل ان رئيس الجمهورية ووزير خارجية العراق هم من المناضلين الكورد(وبذلم من ليس باستطاعة الترك التآمر على الكورد كما كان يحدث سابقا) , اضافة الى ان محاولاتها اليائسة في حشر انفها في قضية كركوك قوبلت برفض تام من كل القيادات العراقية العربية ومن القوة العضمى الوحيدة في العالم (الولايات المتحدة) التي ابلغت القيادات التركية ان التدخل في كركوك هو خط احمر, على تركيا ان ترضخ لها مجبرا وصاغرا ,ناهيك ان الكورد انفسهم سوف لن يفرشوا الورود لاية قوة تركية حمقاء تفكر ان تعبرحدود كوردستان الجنوبية, بل ستغرق في المستنقع الكوردستاني والتي قد تكون الشرارة التي ستحرق نظامها الفاشي وتدق المسمار الاخير في نعشها , والتي ستقسم اوصالها الى اكثر من دولة وتعيد بلاد الاناضول الى مكوناتها الاصلية قبل الغزو المغولي العثماني المقيت .

سادسا: كل الاتجاهات والابواق التي تعادي الكورد في داخل العراق وخارجه هي اصوات نشاز محسوبة على الاتجاه الارهابي المتطرف التي تسبح عكس تيار الديمقراطية والسلام وبناء شرق اوسط جديد خالي من الدكتاتورة و الافكار والحاضنات الارهابية قومية كانت ام دينية,ويشكل الكورد ومعهم كل الخيرين في المنطقة راس الرمح لاجهاضها واعادتها الى كهوفها ومغارات افكارها الدينية او القومية المتطرفة وتحرير شعوب المنطقة والبشرية جمعاء من شرورها…. فالكورد مع حركة التأريخ واعدائهم ضدها, ولا بد للبشرية ان تخطو الى الامام دوما …..رغم حقد الحاقدين وخسة اعمالهم وضحالة افكارهم وبطلان ادعائاتهم, فعصرنا الآن عصر النهضة الحضارية ونشر مفاهيمها الانسانية واحقاق العدالة, وكنس مخلفات الماضي المقيت ولهذا نجد ان القوى الظلامية بمختلف مسمياتها, قد تكالبت على الوقوف ضد مسيرة التأريخ لانها تدرك ان زمنها قد ولى وهي آيلة الى السقوط لامحالة .

وختاما بشرى للكورد اينما كانوا, ولضحايا التعريب الذين لا زالوا في خيمهم البالية ينتظرون…… ان كركوك قد باشرت بعودتها الى حضن كوردستانها الام , وسحقا لاحلام الطغات والحاقدين الذين يروق لهم ان يكتبوا التاريخ على هواهم , ويقفزوا فوق الوقا ئع والحقائق , فكركوك اسسها الكورد الميديين وعاشوا فيها جيلا بعد جيل وستبقى شعلة بابا كوركور الازلية رمزا لمشعل ونور رزادشت, الى أبد الآبدين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *