الرئيسية » الآثار والتنقيبات » كلكامش ، الذي رأى ، ما عاد يليق به البكاء

كلكامش ، الذي رأى ، ما عاد يليق به البكاء

ترجمة وتقديم / صباح محسن جاسم

” أخبرني يا صديقي عن أحوال العالم الأسفل الذي رأيت”
أجابه صديقه أنكيدو :-
” لن أقص عليك أخبار العالم الأسفل يا صديقي
وإذا كان لا بد من إخبارك فعليك أن تجلس وتبكي”
فأجابه كلكامش: ” سأجلس وأبكي”
( اللوح الثاني عشر من ملحمة كلكامش)

تقدمـة
تعتبر حضارة العراق القديم ، التي برزت في الألف الثالث قبل الميلاد تحت ظل السومريين والأكديين، وبلغت أوجها في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد زمن البابليين والآشوريين، بمثابة تحصيل حاصل لتعاقب أجناس بشرية ينتمون إلى أصول ولغات متباينة جدا. وهي إنما تعكس نظاما روحيا متماسكا مع تنوع داخلي مستندة على نظرة طقوسية شاملة للكون، وبرغم تطورها التاريخي الممتد وذلك التنوع الذي تحويه فهي ذات طبيعة متجانسة بصفتها الحضارية حيث ترعرعت ونمت في بلاد ما بين النهرين وحولها والتي حمل العراق أسمه من رحمها الخصب. حيث كان عصر السلالات ، عصر دويلات المدن بعد إن أسس الملك سرجون الإمبراطورية الأكدية تلتها فترة جمود أيام حكم “الكوتيين” حتى ازدهرت الحضارة من جديد في عهد – أور نمو- فشيدت أولى الزقورات ووضعت أول شريعة للقوانين في العالم. وبتعاقب مجرى الأحداث السياسية وزوال نفوذ السومريين والأكديين أصبح الكنعانيون في بابل والآشوريون الذين استوطنوا المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والزاب، هم الممسكون بزمام السلطة في البلاد. وتبعا لذلك غدا – مردوخ – وآشور- الرئيسين الروحيين لحضارة بلاد بين النهرين ولا بد أن نذكر حمورابي العظيم 1750 ق.م الذي سن القوانين وأرسى دعائم العدل من خلال مسلته الشهيرة المعروفة بإسمه.
احتفظت النصوص الدينية وغيرها من نصوص مهمة باللغة السومرية كلغة مقدسة مدة طويلة جدا حتى انتشرت الأكدية وتفرعت إلى اللغة البابلية ثم الآشورية ثم الآرامية القديمة وقد نبغ كتبة ومؤرخون وأدباء خلّدوا ملاحم وأساطير ونصوص أدبية أشهرها ملحمة كلكامش وملحمة اينوما ايليش، بالإضافة إلى أقدم القوانين والشرائع وأهمها قوانين اورنمو وحمورابي ولبوة عشتار وكذلك نصوص رياضية وفلكية ودينية مدونة على ألواح طينية لا تحصى تجاوزت الألوف ، وهي ثروة تفوق أي ارث حضاري عالمي آخر وما تزال آثار قسم منها شاخصة كزقورات أور وعقرقوف والنمرود وقصر بابل ونينوى وآشور وغيرها وقد بينت دراسات جديدة مدى تأثر الحضارات العالمية القديمة بحضارة وادي الرافدين فهناك عشرات من الحكايات والقصص في التوراة مستمدة من تراث وادي الرافدين أبان السبي البابلي.
كلكامش ، هو الذي رأى الهاوية وما حولها

كلكامش بطل ملحمة عرفت باسمه هو خامس ملك من ملوك سلالة مدينة الوركاء الأولى ( 2800 – 2400 ق.م ) دام حكمه 126 عاماً كما ورد في إثبات الملوك السومريين وعاش في العصر المسمى عصر فجر السلالات (2800-2400 ق.م). اعتبر بحسب تاريخ أدب وادي الرافدين من أشهر أبطال القصص والملاحم والذي أصبحت أعماله ومغامراته مادة لملاحم وقصص سومرية وبابلية عديدة. ورد اسمه في إثبات الملوك السومريين من سلالة مدينة الوركاء الأولى وهي السلالة التي حكمت من بعد الطوفان والتي نشأت في أعقاب سلالة كيش. تخاطب ملحمة كلكامش مواضيع غيبية مهمة ، كما تركز على أهم موضوعة إنسانية ألا وهي الصداقة فتحكي قصّة صديقين، كلكامش وأنكيدو، وولاء أحدهما للآخر حتى بعد الموت.
عموما، تَحتوي الملحمة كل شيء نتوقعه من الأدب الملحميِ العظيم : السمات الجغرافية الرائعة والأشخاص ألغريبي الأطوار؛ المساعي المُنهِكة والرحلات الصعبة؛ المعارك البطولية مع الوحوش، كائنات خارقة، وقوى طبيعية. وهي، قبل كل شيء، القصة المثيرة لبطلِ ملحمي سيق ليلاقي مصيره ومواجهة أي من التحديات بشجاعة وتصميم. وهي التي تضمنت شيئا مهما من فلسفة الوجود في معادلة بسيطة ومهمة مفادها العمل والنماء والسعي لحياة أبدية.

تنسب المآثر إلى كلكامش انه بني سور الوركاء ولعل بقايا السور البالغ محيطه نحو ستة أميال والذي يرجع زمنه إلى عصر فجر السلالات ( منتصف الألف الثالث ق.م) ما يزال ماثلا إلى الآن. تلكم المنجزات تمثل في الواقع أعمال كلكامش.

عثر على الألواح الطينية للملحمة في الموصل في دار كتب الملك الآشوري – آشور بانيبال (668-626 ق.م) . بلغ عددها اثنا عشر لوحا، وكل لوح مقسم إلى ستة حقول. يحتوي اللوح الواحد على نحو 300 سطر باستثناء اللوح الثاني عشر الذي يحوي على نصف هذا المقدار.
أما اسم كلكامش فقد ورد في جملة صيغ بحسب نظام الكتابة المسمارية ، أهمها:
بالسومرية GISH-BIL-GA-MESH ( كش- بل- كا- مش)
الرمزية IS(GISH)-TU-BAR ( كش- طو- بار)
ألواح العهد البابلي القديم ( الألف الثاني ق.م) كتب مختصرا بالعلامة : (iI)GISH
في الحيثية : GISH-GIM-MASH ( كش- كم- ماش)
كما ورد ذكره لدى بعض الكتاب الرومان ( كلوديوس اليانوس) باسم كلكاموس. Gilgamos
ذكرت بعض النصوص الأكدية ترجمة للاسم بمعنى ( المحارب الذي في المقدمة) أما الاحتمال الأكبر ما ورد في الترجمة عن السومرية : ( الرجل الذي سينبت شجرة جديدة) بمعنى الذي سيولد أسرة جديدة.
ُيمثل كلكامش في المنحوتات الآشورية بهيئات مختلفة أشهرها بهيئة شخص يحمل جديين قربانا إلى الآلهة شمش. كما وجدت له منحوتتان كبيرتان في قصر الملك الآشوري ” سرجون” ( 721-705 ق.م) وهو يحمل بإحدى يديه “ساطورا” وبالأخرى أسدا بولغ في صغر حجمه تأكيدا على قوة وضخامة البطل. وفي اغلب المنحوتات وأختام عصر فجر السلالات تم تصويره على شكل بطل يصارع الحيوانات المفترسة وعلى رأسه زوج من القرون إشارة من شارات الإلوهية والتقديس.
تعد ملحمة كلكامش بشكلها الأكدي نتاجا بابليا صرفا يضعه الباحثون في مصاف الآداب العالمية المتميزة. ويعود زمن تدوينها إلى العهد البابلي القديم (2000-1500 ق.م).
وعلى ما يبدو إن ( سين- ليكي- أونّنّي) Sin-leqe-unninni هو ناسخ للملحمة إذ عرف في حينه بشأن كتابة الملاحم إن الناسخ يدون رؤية من التي ترد إليه في الأحلام ، تملي عليه نص القصيدة وما أن يستيقظ حتى يدونها دون أن يضيف إليها أو ينقص منها شيئا باعتبارها إملاء من قبل الإله.
الملحمة أساسا مجموعة من ألواح ، يعود زمن اكتشافها إلى عهد الاستكشافات الأثرية التي قام بها هواة الآثار من دول أجنبية جاءت إلى مدن العراق القديم الشمالية في منتصف القرن التاسع عشر.نذكر منهم ” اوستن هنري لير” و” هرمز رسام” و ” جورج سمث”. حيث وجدوا تلك الألواح في خزانة كتب الملك الآشوري ” آشور بانيبال” على انه لم يفطن إلى أهمية الاكتشاف الآ في عام 1872 حين أعلن ذلك البحاثة الآثاري ” جورج سمث” نبأ اكتشافه لخبر الطوفان المتوفر في التوراة وكيف أنه مشابه لما ورد في أحد ألواح ملحمة كلكامش في محاضرة ألقاها على الجمعية الآثارية للتوراة في لندن فأثارت ضجة وحماسا بالغين مما حدا بجريدة ” ديلي تلغراف” أن تتبرع بألف جنيه لينفقها “جورج سمث” في مواصلة الحفر في خرائب نينوى. وقد نجح فعلا في العثور على أجزاء أخرى مكملة ونشر بحوثه قبل وفاته المفاجئة عام 1876.
بدأت البعثات التنقيبية تتحمس للبحث عن شيء مفقود في الملحمة وحولها. عام 1973-1974 وجدت بعثة تنقيبية ألمانية في الوركاء كسرا من نصوص الملحمة لم تنشر بعد. وما يشجع على البحث والتنقيب هو ما يزال في الملحمة الكثير من النواقص والخروم في عدة مواضع بحاجة إلى تكميل .
ومنذ نشر “جورج سمث” ترجمته لبعض الأجزاء الخاصة برواية الطوفان عام (1873) أخذت البحوث بالازدياد. وتعددت الترجمات لهذه الملحمة الخالدة وصارت هذه البقعة من البسيطة محط اهتمام وقلق البحاثة ورجال السياسة والدين.
كما ترجمت الملحمة إلى اللغة العبرية من قبل : S. Tschernichowsky
وتعددت التراجم إلى اللغات الجورجية والايطالية والهولندية والفنلندية والدنمركية والألمانية والانكليزية.
أوائل ملوك سلالة الوركاء التي جاءت بعد سلالة كيش :
مسكياك كاشر 322 عاما
أنمر كار 420 عاما
لوكال بندا المقدس 1200عاما
دموزي الراعي المولود في أريدو 100 عاما
كلكامش واسم أبوه ( للا) كاهن مدينة (كلاب) مدينة الوركاء في أوائل عصر فجر السلالات ، 126 عاما
أور- ننكال أو ( أور- لوكال) ابن كلكامش 30 عاما.

جغرافية التنقيبات المكتشفة للملحمة

في حدود سنة 300 ق.م. وفي مدينة أوروك ( الوركاء الحديثة ) الموطن المقدس للآلهة أنانا – سيدة السماء- السومرية، ظهرت مجاميع معقدة من أبنية ما تزال تعد حتى اليومٍ من أفخم الأعمال العمرانية وأكثرها تأثيرا حيث تم تمييز بدايات الكتابة المسمارية مع أصول الأختام الأسطوانية الخاصة بإدارة المعبد والى الشمال الغربي من الوركاء في منطقة آنو المقدسة ، كما وجد معبد آخر في تل العبيد يعود تاريخ بنائه إلى فترة العبيد من عصور ما قبل التاريخ تقدر من 4500 – 3800 ق.م حيث وجدت بقاياه في سبع طبقات من الطبقة العاشرة حتى الرابعة. وقد تميز القسم الأخير من عصر الوركاء بظهور النقوش على أختام اسطوانية وأخيرا بظهور الكتابة الصورية الأولى.

ترى الدراسات الآثارية إن زمن تدوين الملحمة يرقى إلى مطلع الألف الثاني ق.م أي إلى العهد البابلي القديم
( 2000-1500 ق.م) والمرجح إن الملحمة خرجت بشكلها النهائي ما بين العصر البابلي القديم والعصر الكشي (2000- 1200 ق.م) وعلى وجه التخصيص بحدود 1500 ق.م.
جاءت نصوص الملحمة (11 لوح أساسي + 1 ملحق يمثل مسحا أخلاقيا ووعظيا فلسفيا لثيمة الملحمة) من القرن السابع قبل الميلاد حيث يرجع إليه القسم الأعظم من النصوص. كما أخذت التحريات الآثارية تزداد منذ نهاية القرن التاسع عشر سيما وقد خبر الباحثون الآثاريون معرفتهم بالخط المسماري واللغات المدونة به.
بدأت جامعة بنسلفانيا الأمريكية التشجيع على جمع الألواح الطينية من خلال شرائها كل ما توفر من كسر ألواح طينية وأختام اسطوانية فاشترت جزء كبيرا من لوح طيني يحتوي على ستة حقول من الكتابة المسمارية ثبت انه اللوح الثاني من الملحمة كما اقتنت اللوح الثالث والأول منها.
أما المنقبون الألمان فقد عثروا في آشور ( قلعة الشرقاط ) قبيل عام 1914 على جزء كبير من اللوح السادس. وبالمثل وجدوا عام 1928 في مدينة الوركاء على قطعتين كبيرتين تعودان إلى اللوح الرابع يرجع زمنهما إلى القرن السادس ق.م.
كما وجدت كسرتان في – تل حرمل- عام 1945 – 1960 .
وحديثا تم العثور على أجزاء أخرى عام 1951 في الموضع المسمى “سلطان تبه” جنوب تركيا قرب مدينة حران .
كما عثر على بعض الأجزاء من اللوح الخامس في العاصمة الحثية “حاتوشاش” – بوغازكوي- حاليا.
أما ما اكتشف مؤخرا في منطقة “مجدو” الفلسطينية فيعود زمنها إلى القرن الرابع عشر ق.م. حيث يعكس هذا الاكتشاف إلى الأهمية التاريخية للاتصال المباشر بين العبرانيين وبين المآثر الأدبية والدينية في حضارة وادي الرافدين.
كذلك وجدت البعثة الألمانية في الوركاء عام 1973- 1974 كسرا من نصوص لم تنشر بعد.
يبقى عنصر مهم آخر يتركز في انه مع هذه النصوص الكثيرة التي وصلت إلينا فلا يزال في الملحمة الكثير من ” النواقص والخروم في عدة مواضع ” بحاجة إلى البحث والتنقيب والاستكشاف.
لقد كشف عالم فجر التاريخ في بلاد سومر والذي بلغ نضجه في الوركاء تواشجا متفردا يمثل وحدة عالم الآلهة المقدس وعالم الإنسان الدنيوي. العالم الحقيقي والخرافي ، عالم الطبيعة والتجريد. فقد أوضحت طبيعة الحياة وآفاقها في تلك العصور بتداخل حياة الآلهة وحياة البشر. ذلك إن الإنسان لم يكن آنذاك قد أصبح فردا منفصلا عن مجتمعه إذ كانت له بواسطة أنثاه علاقة متينة تربطه بالآلهة وقد شارك من وجوده وبطريقة ما في الحياة الأزلية ذاتها. وإذن فلم يكن قد وعى وجوده كفرد بعد. فلم يكن ليستشعر بالخوف من الفناء. ذلك ما مهد السبيل أمام تنظيم مدينة المعبد السومرية.
يقول المؤرخ والعالم العراقي طه باقر في مؤلفه – ملحمة كلكامش- : « جاء في إحدى كتابات الملك السومري ” أور نمو” مؤسس سلالة أور الثالثة، إن كلكامش صار قاضيا في العالم الأسفل. فقد جاءنا نص طريف عن موت كلكامش وكيف انه وزع الهدايا لأتباعه هناك وكان معه كثير من المتاع والأثاث الأمر الذي يضيء لنا جانبا مهما من مشكلة المقبرة الملكية الشهيرة في أور. وفي رواية رثاء الملك” أور نمو” ُذكر كلكامش على هيئة مرشد أو موكل بإرشاد ساكني العالم الأسفل إلى قواعد السلوك في ذلك العالم، وذكر بهذه الصفة في تعويذة دينية باسم الإله “كلكامش” . ولعل أقدم كتابة ذكرت أسم كلكامش واسم “لوكال بندا” بصفتهما مؤلهين جاءت في الألواح الصورية. »

نقرأ في مقدمة كتاب (The Babylonian Gilgamesh Epic):
« كلكامش الملحمة الأكثر عراقة في التراث الأدبيِ الدائم للعراق. لـ130 سنة خلت أَو أكثر، ومنذ اكتشاف مواز لقصّة الطوفان التوراتية بين الألواح المسمارية للمتحف البريطانيِ، اهتم علماء على نحو استثنائي بهُوس قصةَ البطلِ الرمزي للحب والصداقة ، الموت والمسعى لحياة أبدية. »
عنوان أسطورة الخليقة البابلية المشهورة المأخوذ من أول عبارة فيها : ( حينما في العلى ) وبالنص البابلي ( اينما إيليش) وعنوان النص المضاهي لقصة أيوب في التوراة (( لأمجدن رب الحكمة)) وفي اللغة البابلية (Ludlul bel nemeqi ) يأتي من بين الأمور المهمة في شأن ذلك الهاجس ألآثاري الملهم بالسحر وتجليات الاستكشاف الخاص بشكل استثنائي وتواصل ذلك بالمصير التراثي لليهودية حيث استدل علماء اللغات من وجود وشائج بين اللغة السامية واللغة العبرية. فموضوعة الطوفان قد اكتشفها ألآثاري الشاب “جورج سمث” عند اطلاعه على نصوص من ملحمة كلكامش وترجمته لخبر الطوفان كما ورد في التوراة – سفر التكوين ، (الإصحاح السادس – التاسع) . لكن لسوء الحظ توفي الرجل ولم يناهز السادسة والثلاثين فخسر علم الآثار بوفاته أحد خيرة نشطائه البارزين!


العثور على قبر كلكامش!

« من بمقدوره المقارنة وإياه في الملوكية ؟ وهل يجرؤ أحد قول ذلك أمام كلكامش الذي يعلن : ” أنا الملك » ؟

صرح علماء آثار في العراق بأنهم ربما عثروا على القبر المفقود للملك كلكامش- موضوع أقدم” كتاب” في التاريخ بملحمته التي خلدت حياة حاكم مدينة أوروك، حيث استقى العراق اسمه منها.

مؤخرا اكتشفت بعثة آثارية بقيادة ألمانية ما كان يعتقد أنه مدينة أوروك الكاملة- بما في ذلك ، وحيث يجرى الفرات هناك ، مرقد ملكها الشهير.
” لا أود التصريح قطعا من انه قبر الملك كلكامش، على أنه يبدو مشابه تماما لما جاء وصفه في الملحمة ذاتها” . ذلك ما صرح به السيد جورج فاسبندر من قسم الأنصاب التاريخية ، إلى برنامج علم الخدمة العالمية في ميونخ التابع إلى هيئة الإذاعة البريطانية.
الفوارق المغناطيسية :
الكتاب أساسا يشتمل في الواقع على مجموعة من مدونات جداول لألواح طينية – حيث وكما وصف من أن كلكامش قد دفن تحت نهر الفرات، في قبر قد بني على ما يبدو عندما تفرقت مياه النهر القديم أثر موت كلكامش.

قال السيد فاسبيندر ” لقد وجدنا خارج حدود المدينة تماما منطقة وسط موقع مجرى نهر الفرات السابق بقايا مثل هذا البناء الذي ممكن تفسيره على كونه ذلك المدفن”.
كما أضاف إن الاكتشاف المدهش للمدينة الآثارية القديمة جنوب الصحراء العراقية قد أمسى ممكنا من خلال التقنيات الحديثة للتنقيب والبحث الآثاراي.
” فمن خلال التباينات في مغناطيسية التربة، يمكننا من تفحص الاختلاف الموجود في الطابوق الطيني ورواسب نهر الفرات تعطي تفاصيل تركيبية واضحة تماما”.وهذا ما يؤسس لعمليات القراءة الرقمية المغناطيسية حيث ستقرأ المخططات الآثارية بالدقة التي توضح المخطط التاريخي الموضوع لمدينة أوروك.
” مدينة البندقية ولكن في الصحراء”
” الأكثر دهشة إننا عثرنا على تراكيب وصفت من قبل كلكامش نفسه.” ذلك ما ذكره السيد فاسبندر، ” لقد مسحنا أكثر من مئة هكتار من الأراضي. فوجدنا تراكيب لحديقة وأخرى لحقل زراعي تماما كما ورد وصفه في الملحمة كما تم العثور على بيوت بابلية”.
غير أنه عقّب قائلا: ” ما أدهشنا حقا هو ما وجدناه من نظام إروائي معقد ومتطور جدا بشكل لا يصدق.”
” واضح تماما إننا استطعنا أن نتبين في تلكم الأقنية مقدار ما أحدثه الفيضان من تدمير لبعض المنازل، والذي يوضح كونها منظومة متطورة جدا.”
” أنها” أشبه بمدينة البندقية ولكن في صحراء !

رابط ما قبل وما بعد

يورد المؤلف – ثاكارا – في كتابه ملحمة كلكامش – سيرة ذاتية روحية ، موضوعة مهمة :-
كلكامش « ذلك الذي رأى الهاوية. كان حكيما وعرف كل شيء، كلكامش هو من عرف الأسرار، كشف عن الأماكن المخفية ، وعاد بحكاية الزمن ما قبل الطوفان ، لقد جاب الطريق، هو القلق المتعَب بالجهد الشاق، وعند أوبته نقش القصة على حجر».

ربما بعد كل الذي حصل من استغلال للموجودات الآثارية نفاجأ يوما أحد المستثمرين المهتمين مقترحا – تحت أي حجة أروائية – تعديل مجرى نهر الفرات ، عند المنطقة التي تؤشر الدلالات الآثارية عن المكان المحتمل لذلك القبر !
قد يجد متأمل بعد كل الذي حصل من وراء غزو العراق والانفلات وعدم الحرص على المقتنيات والآثار بالذات ، نوعا من رابط بين ما وقع من أذى لتاريخ وتراث وأوليات حضارة تُعد من اعرق الحضارات في العالم، والسعي الحثيث لـ (فردشة) كل شيء له ماض بحثا عن جواب سحري لسؤال قض على البعض مضجعهم.
فالضياع والقلق من مصير محتوم يزيدهم قلقا في أن يسعوا بكل ما أوتوا من حيلة وقوة لتأجيل وعرقلة (المحذور) . هؤلاء البعض المتطرف يرون إذا ما شاء للنبوءة أن تتحقق أن لا يشملهم ( الخراب) لوحدهم فحسب.
وكأنه أمر له دلالته أن تستقر قوات بولونية في مدينة بابل ، أثر إسقاط صنم الدكتاتورية، ، عند منطقة آثار (كيش) – الأحيمر حاليا تقع 15 كم شرق بابل ، كان سكانها من الساميين ظهرت فيها خمس سلالات حاكمة أقدمها أول سلالة حكمت بعد الطوفان. آخر تنقيبات فيها استمرت للفترة (1922-1933 ). ولتبسط سيطرتها امتدادا تجاه شمال المدينة مرورا بتل ” جمدة نصر” – تل صغير واقع في النهاية الشرقية لمشروع المسيب الكبير لمحافظة بابل حيث وجدت فيه مقومات لحضارة تميزت بكتابة متطورة قليلا عن الصورية ، ثم (تل العقير) وهو منطقة آثرية تظم معبدا مشيدا فوق مصطبتين ، تقع على بعد 50 كم جنوب بغداد ومرورا بقضاء المحمودية حيث المرتفع المعروف بـ (الإيشان) ” سبار” أو تلال منطقة ” شيشبار” الآثارية التي وجد فيها اللوح الثالث من ملحمة كلكامش. علما إن هذه المنطقة بالذات قد تعرضت منتصف ستينات القرن الماضي إلى حملة ” اجتثاث” – شهد أحداثها شخصيا كاتب المقال – بحيث تم جرف أكبر كمية من تلّتها الترابية لدفن شارع مدينة المحمودية الرئيس بغرض إعادة إكسائه فامتلأت الطرقات برفات الأموات المدفونة على طول شارع المدينة الذي يشطرها وعلى جانبي تلك التلة.
جاء في الصفحة 40 من– ملحمة كلكامش ، لطه باقر- « في نهاية القرن التاسع عشر اقتنى العالم الأثري ” برونو مايسنر” كسرة كبيرة من باعة الآثار في بغداد ثبت من دلالة نصوصها إن مصدرها من المدينة القديمة “سبار” ( أبو حبة الآن قرب المحمودية) يرجع زمنها إلى العهد البابلي القديم وإنها تعود إلى نصوص اللوح العاشر. »
وأخيرا وليس آخرا منطقة آثار ( اشجالي) الواقعة شمال شرق المحمودية.
جاء في موقع – الموطن السرياني – ليوم 8 ديسمبر / كانون أول 2006 ما يلي:
لصوص الآثار يهددون بالقضاء على الحضارة السومرية
« وقد ذهب مدير مفتشية آثار محافظة ذي قار عبد الأمير الحمداني إلى أن لصوص الآثار يهددون بالقضاء على الحضارة السومرية. … معقل الحضارات في العالم. … والنهب الذي تتعرض له المواقع الأثرية منذ بداية الحرب يفوق كل عمليات السرقة التي تعرضت لها في تاريخها الذي يمتد لآلاف السنين … أن عدد المواقع الأثرية داخل حدود محافظة ذي قار يتجاوز 800 … ففي بعض المواقع توجد 18 طبقة حضارية» كما أكد : « المواقع التي يستهدفها اللصوص ممتدة على يمين ويسار مجرى الفرات القديم (وادي الرافدين) وتقع على شريط حدودي بين أربع محافظات من جنوب العراق» إن « 100 حارس مدني يقومون بالإبلاغ عن التجاوزات التي تحصل في المواقع القريبة منهم، وهناك قوة حماية الآثار التي زود 25 في المائة من أعضائها بالأسلحة.. ولكن لا تمتلك هذه القوة إلاّ تسع سيارات تعمل في المحاور الأربعة للمحافظة، وهذا عدد غير كاف وخاصة مع تزايد عدد المواقع الأثرية».
« يأتي المهربون وتجار الآثار من المحافظات البعيدة، كبغداد وكربلاء وإقليم كردستان ويدفعون الأموال الطائلة للحصول على القطع الأثرية التي نُبشت. وهذا ما يفرغ المنطقة من إرثها الحضاري » . ثم يختتم الموقع تحذيره قائلا : « وإن لم تقدّم الحكومة العراقية أو قوات الاحتلال الدعم اللازم في القريب العاجل فستخسر البشرية جزءاً مهماً من ذاكرتها الحضارية».*
هذا ما حصل ويحصل حاليا وحتى هذه اللحظة ! لا ندري هل إن التغيير الذي جاءت به سياسة الغزو المسلح هو بغاية التغيير السياسي للبلاد لإنقاذها من دكتاتورية بغيضة أم هو يشمل أيضا بعثرة وتدمير آثار وحضارة أعرق بلاد عرفها التاريخ بكل ما فيها من معالم آثارية وحضارية!؟ هناك من يبرر تحامقا أن الآثار التي تنهب ستعود إلى من يعتني بها (!) ترى هل سيتم ( الاعتناء) بها وفق ما يعزز حضارة سومر وما تبعها من حضارات أم سيتم (غربلة) تلك الآثار بحثا عن ذلك ( الكنز المفقود) وبالمثل تدمير (كنز) آخر ما عاد بالمرغوب !؟
هكذا دفعت البلاد إلى أن يأتي زمن يقتتل فيه الأخوة ( الأعداء) ويذبح بعضهم الآخر في فتنة طائفية وعرقية ودينية مقصودة يساهم فيها أيضا تغييب الوعي وتخدير الناس بشعائر غريبة عن البلاد. وأمام كل ذلك تنهب آثارهم ، بل الأنكى ُتدمّر ، وُتنتهك حضارتهم العريقة بطرق وتقنيات بدائية ابتغاء تغييب الذاكرة الحضارية للبلاد وأمام مرأى العالم.
مما لا شك فيه أن المتقاتلين لا يعرفون تماما أوليات تراثهم وتاريخهم العريق ، وإلآ لو عرفوا قيمة ما وهبهم الله من الخيرات والنعم ، لما حصل كل ذلك .. ولما صنعت لنا دول الجوار كل تلك (القنابر والقنابل) وصواريخ (الكاتيوشا) لـ (غرض) تحرير بلادنا من روحها الفعالة.
هل سيأتي اليوم الذي تعاد فيه أمجاد شعب كلكامش ؟ هل يأتي اليوم الذي تتوفر فيه هذه الملحمة بشكلها المنصوص والمترجم في مجلد يشبه الأصل يوضع في كل مكتبة من مكتبات العراق وهل سيشهد العراقيون مهرجانهم الذي ستضج فيه كرنفالات ومباهج تملأ بها الساحات بالألوان وجمهور يسير بإيقاع وموسيقى ُتشنّف لها الآذان وتُستذكر فنون شعائر قديمة قيّمة يرافق كل ذلك جميل الرقصات ؟
رغم كل ما يحصل من تدمير وفتك وتغييب لو خير لكلكامش أن يعاود السؤال بعد كل الذي حل بأحفاده ، وان يلتقي روح صديقه انكيدو ، الذي سيجيبه :
” لن أقص عليك أخبار العالم الأسفل يا صديقي
وإذا كان لا بد من أخبارك فعليك أن تجلس وتبكي.”
فلا أظن سيمتثل كلكامش لذلك بعد كل هذا الذي يدور الآن ، وليقول:
” سأجلس وأبكي” !
أليس هو الذي معنى أسمه ( الرجل الذي سينبت شجرته من جديد)؟


***************************************************************************************
المصادر:(ملحمة كلكامش) تأليف الأستاذ والعالم العراقي طه باقر
Story from BBC NEWS:-
http://news.bbc.co.uk/go/pr/fr/-/2/hi/science/nature/2982891.stm
Published:2003/04/29
BBC NEWS/Science/Nature/Gilgamesh tomb believed found
– A.R. George, The Babylonian Gilgamesh Epic: Introduction, Critical Edition & Cuneiform Texts, 2 Vols.Oxford University Press, 2003 pp.xxxvi
– The Epic of Gilgamesh: A Spiritual Biography, By W. T. S. Thackara
– The Art of Ancient Mesopotamia , by Anton Moortgat, translated by Dr. Issa Salman & Saleem Taha Al-Tekriti –
– Dalley, Stephany. Myths From Mesopotamia: Gilgamesh, The Flood, and Others.

الكتاب المقدس – الترجمة المشتركة
مؤلفات وأعمال الخوري بولس الفغالي
– * Syriac homeland الموطن السرياني ܐܬܪܐ
http://bethnahrin.friendsofdemocracy.net/default.asp?item=222783