الرئيسية » مقالات » يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (6)… من هو المسئول عن الفرهود؟

يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (6)… من هو المسئول عن الفرهود؟

وبقى اللغز يطاردني ويقض مضجعي إلى اليوم، ألم يدافع عنا أبو علوان؟ وإذا كان رشيد عالي الكيلاني قد عفا عني فكيف نتهمه بالتحريض على اليهود واضطهادهم؟ وهل يمكن أن تسنح له فرصة أفضل من هذه للتنكيل بنا؟ إذًا، من هو المسئول الحقيقي لحوادث فرهود عام 1941؟ هل هو رئيس الوزراء رشيد عالى الكيلاني وعقداء المربع الذهبي الذين ساندوه في إعلان الحرب على بريطانيا وضرب مصالحها في العراق، صلاح الدين الصباغ وكامل شبيب ومحمود سلمان وفهمي سعيد ثم يونس السبعاوي الذي انضم إلى هذه الوزارة؟ نعم! قبل هروبهم كانت هناك تحرشات واعتداءات على اليهود ولكن لم يقتل يهودي واحد في أيام حكمهم! هل هم اليهود حقًا الذين تحرشوا بجنود الجيش العراقي عندما ذهبوا بملابس “عيد الزيارة” الذي صادف يوم الأول من حزيران للترحيب بعودة الوصي وحاشيته وصاروا، كما يدعي البعض، يعيرون الجنود العائدين من الجبهة في الحبانية وسن الذبان، بقولهم: “اشلون انمرد المشمش!” أو “الزردالي”، (حسبما ذكر عباس بغدادي في كتابه “لئلا ننسى، بغداد في العشرينات”، عمان، دار الفارس للنشر والتوزيع، 1999، ص 357)، بالإضافة إلى “إطلاق أغاني أم كلثوم (“افرح يا قلبي”) من ميكرفونات سينمات الرشيد والوطني والزوراء في شارع الرشيد وجميعها لليهود، بأعلى صوتها شماتة وتشفيا مما سبب الاضطرابات الدموية في بغداد في اليومين التاليين؟”. أو حسبما جاء في بعض لجان التحقيق الأخرى (أنظر: سلمان درويش، كل شيء هادئ في العيادة، أورشليم – القدس، رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق، 1981، ص 57-58) التي ألقت المسؤولية على عاتق “كل من مدير الشرطة العام، أو المتصرف ومدير شرطة لواء بغداد وبعض مرؤوسيهم، والمفوضية الألمانية في بغداد وعلى رأسها الهر فريتز غروبه والدعاية التي كان يبثها مع زوجته الحسناء، ومفتي القدس الحاج أمين الحسيني وحاشيته والمعلمين الفلسطينيين والسوريين وتحريضهم لطلاب المدارس، ومحطة الإذاعة الألمانية باللغة العربية من “باري” التي سممت الرأي العام ومحطة الإذاعة العراقية خلال شهري نيسان وأيّار 1941 والفتوة وكتائب الشباب؟”
شددتُ الطلب على الأدباء والمثقفين الذين قدموا من العراق لتدوين مذكراتهم لئلا تضيع لتنشرها “رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق”. كنت أريد أن أعثر على الجواب الشافي. كنت أحاول العثور على برهان قاطع لجواب يريح ضميري، إلى أن عثرت على أول “شاهد من أهلها” وهو صديقي أنور شاؤل في ذكرياته “قصة حياتي في وادي الرافدين” (أورشليم – القدس، رابطة الجامعيين، 1980، ص 133)، الذي كان طالبا في كلية الحقوق حيث درّسَـه الكيلاني موضوع “القانون الجزائي”، وقال أنور عنه “بأن الكيلاني كان يحث طلابه على التمسك بالقانون وسيادة القانون وحذار حذار أن لا نراعي حرمة القانون!”. ولكنه كوطني عراقي كان يكره الانكليز وانجرف مع العقداء الأربعة في حركتهم الموالية للنازية ظنا منهم أن ألمانيا ستحررهم من الاستعمار البريطاني البغيض، و”عدو عدوي صديقي”. ولعلهم لم يعلموا أن هتلر كان قد وضع العرب في المرتبة السابعة للأجناس البشرية التي يجب أن يحكمها العرق الآري، ثم خذل حكومة الكيلاني ومستشارها مفتي القدس الحاج أمين الحسيني بتقاعسه عن إرسال مظلة واقية على الجيش العراقي من طائراته كما وعد. ثم جاء الشاهد الثاني، صديقي القصصي المرحوم اسحق بار- موشيه في كتابه “يومان في حزيران” (القدس، رابطة الجامعيين، 2004، ص 106-108) وشهد بنزاهة الوزير يونس السبعاوي في معاملته لليهود حتى في آخر يوم أو يومين قبل الفرهود وبعد فرار الكيلاني إلى تركيا، إذ أمر بدفع ثمن 400 “صوبة” (مدفأة) اشتراها الجيش العراقي من والده بالرغم من عدم وجود وصل بيده سوى اسم ضابط برتبة ملازم بقسم التجهيزات العسكرية وبالرغم من علمهم بأنه يهودي، فقد سمع الضباط يقولون عنه: “إنه يهودي ولا يأكل طعامنا!”، ومع ذلك فقد ناداه يونس السبعاوي وقال له: ”هاك الوصل، ومع السلامة!”. إذن، تاجر يهودي يدخل وزارة الدفاع، عرين الحكومة التي ألقيت عليها تهمة مجزرة الفرهود والتي فرّ أعضاؤها ما عدا السبعاوي، يعطيه هذا الأخير الوصل عن بضاعة اشتراها الجيش العراقي في مثل هذه الفترة الحرجة، ولم يسخروا منه ولم يهينوه بل أكرموه واحترموا محافظته على التقاليد اليهودية؟ هل كان يحدث مثل هذا في وزارة الدفاع في المانيا النازية أو أية دولة أوربية متحضرة في أثناء الحرب العالمية الثانية؟ إذن، كيف نستطيع حل هذا اللغز؟ فهذه الشهادات تؤكد أن رئيس الوزراء، الكيلاني، وأحد وزرائه من كبار النازيين في العراق والذي ترجم كتاب “كفاحي” لهتلر ومن الذين اعدموا شنقا فيما بعد وهو يونس السبعاوي، قد تصرفوا في تلك الظروف العصيبة بشهامة وإباء لا يملكهما سوى عراقي أبِيّ النفس عزيزها. إذن، فالنازية التي تمسخ الأوربي إلى وحش كاسر ومن زبانية الجحيم، لا تنال من إنسانية العراقي الشهم الأبي الذي يدافع عن كرامته أمام مستعمري وطنه! وخير دليل على ذلك هو أنه لم يقتل يهودي واحد أثناء حكمهم العراق إلى يوم 31 أيار، 1941.
بدأت مذبحة الفرهود في يوم 1 حزيران في باب الشيخ من قبل الأكراد الشيعة الفيلية بعد أن دس المفوض الألماني فريتز غروبه سمومه النازية وحرض ضد اليهود وبث دعايته العنصرية بين أفراد الشعب والجيش العراقي خلال عدة أشهر مما هيأ الأجواء للإيقاع بهم. ثم جاء اندحار الجيش العراقي، الذي ضمّ بعض الأطباء والضباط اليهود، أمام القوات البريطانية ورفض “مختار محلة الكريمات” السفير البريطاني السر كننهام كورنواليس السماح للجيش البريطاني المحتل بدخول بغداد وإن كانت تقع على عاتقه مسئولية الحفاظ على الأمن فيها. (أنظر، سلمان درويش، كل شيء هادئ، ص 60-62). إذا فالألمان النازيون والانكليز الذين خدمهم اليهود حتى أصبح الشعب العراقي يرى فيهم متعاونين مع الأجنبي المحتل البغيض، هم المسئولون عن مذبحة الفرهود. هؤلاء الإنكليز خانوا العرب ومن ثَمّ خانوا اليهود في العراق ورموهم فريسة لكل من اشترى حطام الدنيا بالآخرة فقتلَ اليهود ونهبَ أموالهم “احتسابا” في الفرهود. أما الأتقياء منهم فقد راعوا الذمة وحموا الذمار، بل ضحوا بحياتهم لحماية جيرانهم اليهود. فالذين شاركوا في مذبحة الفرهود بالقتل والنهب كانوا من صغار ضباط الجيش والشرطة والرعاع والمجرمين الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، هؤلاء هم المجرمون الذين شاركوا النازيين والانكليز في نكبة العراق حين ثأر اليهود لشرفهم ولكرامتهم التي أهدرت. فما أن قامت دولة إسرائيل وتفاقمت موجة الاضطهاد والطرد من الوظائف “ضاق المقام بهم” ولم يعد بهم طاقة على “الصبر الجميل” ورحلوا عن العراق. بقي منهم حوالي عشرة آلاف من أمثال أنور شاؤل ومير بصري وغيرهم ممن لو عرضت عليهم كنوز الدنيا، لما باعوا ذرة من تراب العراق، وإذا الطغيان والظلم يشرد البقية الباقية التي عاشت في العراق زهاء ألفين وخمسمائة عام وفي نفوسهم حسرة على ما حل وما يحل بالعراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *