الرئيسية » مقالات » كوردستان من الثورة الى الدولة.. ايجابية الموقف وموضوعية التصرف

كوردستان من الثورة الى الدولة.. ايجابية الموقف وموضوعية التصرف

بعد سنوات طويلة من مسار الثورة من اجل الحقوق المشروعة للشعب الكوردستاني على مدى الشطر الاخير من القرن التاسع عشر وكامل القرن العشرين، تمكن الكورد اخيراً من تنفيذ الصفحة الثانية من الثورة بعد ان حققت انتصارها الناجز.
لقد واجهت القيادة الكوردستانية مشكلة التحول من الثورة بكل معاييرها ومقاييسها وحركيتها، الى الدولة بكل مواصفاتها وموازينها وانضباطيتها وحرفيتها وتسلسلاتها فكان الربط الموضوعي بين الدولة ومهماتها والثورة ومجالها، احد أهم النجاحات الباهرة التي حققتها القيادة الكوردية على مدى السنوات الماضية.. والمثير في الأمر ان الدولة التي صيرتها القيادة بعد تسلمها على خلفية زوال وجود السلطة الصدامية، قامت على اساس صيرورة الجماهير، اي ان الجماهير ليست اداة الدولة انما هي واقعها وغايتها، وبذلك اصبحت الدولة مسؤولة في الديمقراطية ومسؤولة في سايكولوجية الانسان الاجتماعي.. وذلك لأن الدولة كما هو واضح، ليست مؤسسة تحل محل مؤسسة ولا طبقة تحل محل مجتمع، من وجهة نظر القيادة الكوردية، بمعنى ان الجماهير ليست قوى للانتاج كما يذهب الى ذلك الماركسيون، انما الانتاج هو اداة الجماهير، بحكم كون الانتاج اداة للوعي، وهو في نفس الوقت اداة للانسان في ان يكون انساناً.. اما ان يتحول الانتاج الى وسيلة لقمع الوعي وتحديده، فذلك هو طغيان مبطن باللفظة الثورية والمادية الجدلية والنظرة الشمولية.. اذن لا بد من الدخول اولاً الى ميدان الفهم الدقيق لمعنى الثورة.لربما استعملنا كلمة “ثورة” استعمالاً واسعاً بيد اننا لا بد في النهاية من ان نخضع لمبدأ تقسيم الثورة الى قسمين رئيسين: الثورة القومية، والثورة الطبقية.
ونعني بالثورة القومية، ثورة الشعب في سبيل التحرر من هيمنة سياسية او احتلال اجنبي وتأتي الثورة في مثل هذا الحال تتويجاً لحركة النضال في سبيل الحقوق القومية والوطنية ولربما شملت هذه الحركة، الشعب كله او اقتصرت على فريق من ابنائه، ولربما كانت الروح القومية هي الحافز عليها، او كان هذا الحافز يشكل الجزء غير الظاهر.
اما الجزء الظاهر فهو الحاضر الوطني وايا كان حافز الثورة، فهي في النهاية تعني حق الشعب في تحقيق ما يصبو اليه الشعب ويؤدي نجاحها في طريق التقدم امتلاك الشعب ارادة التكوين القومي.
وفي الواقع اننا عندما ندرس ثورة ايلول 1961 على سبيل المثال، نجدها تتميز بكونها متواصلة غير منقطعة رغم ما تخللها من فترات انتظار وترقب وتحسب ليراجع المستبد موقفه، فهي لم تتبن مبدأ العنف الا للضرورة القصوى.. الى جانب التطابق النظري والعملي بين ما هو قومي وما هو وطني، فرفعت شعاراً موضوعياً جسد بعملية الوعي النوعي والثوري للثورة باعتبارها ليست هدفاً مطلوباً لذاتها، بل هي مطلوبة لأنها استجابة لضرورات ليس في وسع الانسان المقتدر والمتفوق على اسباب الشد الى الخلف تجاهلها او اهمال التجاوب معها باعتبار ان ما يملكه من قدرات وامكانيات ما كان لها ان توجد لديه لو لم يكن هو الهدف وهو الأداة.. فالحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق.. توليف لولادة مثلت اكثر من كونها حدثاً تاريخياً اطاح بكل عوامل واسباب انهيار القدرة في تغيير الواقع والثورة عليه لاقامة واقع يقوم بصياغته كل اولئك الذين اعطوا الثورة دماً او عرقاً نقياً.
وتكمن مميزات ثورة ايلول في كونها مميزات، ليس لها “ثرميدور” اي – ثورة مضادة- كما للثورات الاخرى بكل اقسامها واشكالها.. والسبب هو ذلك الوعي الكامل لأهدافها بعيدة المدى وقريبها حيث اخطأ كثيراً اولئك المفركين عندما اتفقوا على ان للثورة دورتها التاريخية وهذا تعميم غير صحيح، لأن لكل ثورة خصائص تختلف عن خصائص غيرها، والتاريخ لا يعيد نفسه لكنه يعيد ابراز النزعات الثابتة في النفس الانسانية وليس لجميع الثورات الكبرى سلسلة واحدة من العواقب، وليس نفس النتيجة.. فثورة العشرين وثورة الشيخ محمود الحفيد وثورة المختار وثورة عرابي وثورة عبد القادر الجزائري وثورة الشريف الحسين وثورة الشيخ خوام العبد العباس وغيرها من الثورات المشابهة، هي ثورات يفتخر المعنيون بها بما حققته من نتائج رغم عدم نجاحها في تسلم السلطة.
من هنا فان ثورة 1961 امتلكت ايضا خصوصية انعدام التطرف، ليس لأن ظاهرة التطرف كغزيرة غير موجودة بل لأن الصياغة المبدئية والاخلاقية لبرنامج الثورة ولأداة تنفيذ هذا البرنامج .. تطابقت تطابقاً موضوعيا غير قابل للانفصام.. ويعود الفضل في ذلك الى شخصية قائد الثورة المغفور له الملا مصطفى البارزاني من جهة ولشخصية الفرد الكوردي الذي عرف ببساطته وعزوفه عن العنف وتبنيه التسامح.
لذلك فأن النظرة الموضوعية والتفكير العلمي المنظم للثورة والدولة لا يقعان في خط مستقيم وانما يقعان في خط ترتبط به عدة زوايا.. وهذا هو ما جسدته القيادة الكوردية بعد انتقالها من نضال الثورة الى جهد البناء عبر مؤسسات الدولة.. منطلقة من قاعدة اساسية مقدسة وهي: اعتبار كل انسان في موقعه مطلوب منه ان يفهم الحياة بشموليتها لا ان يفهم اختصاصه فحسب، غير انه مهما كان فهم هذا الانسان للحياة واسعاً فهو غير قادر على الالمام الكامل بها.. ولكن عندما تلتقي امكانياته مع امكانيات الآخرين من زوايا ومن اختصاصات ومن مواقع وروافد متعددة فان الفهم والحل يكونان اعمق واشمل.. وهكذا غدا المجتمع الكوردستاني بشكل خاص والمجتمع العراقي بشكل عام، موضوعة الدولة التي قامت كنتيجة للثورة بكل صفحاتها المبدئية والاخلاقية والفكرية.
وقد كانت ضمانة ذلك العصمة القيادية التي برهنت على قدرة غير طبيعية على امكانية التطابق بين الفكرة والتطبيق العملي بين الشعار والتنفيذ الفعلي، بين الهدف كقضية مشروعة ووسائل الوصول له.
وعلى مدى اكثر من اربعين عاماً برهنت القيادة الكوردستانية انها واحدة من بين احسن وافضل القيادات في تاريخ العراق المعاصر، بل وفي تاريخ العالم ايضا.. فهذه القيادة تمثلت فيها الكثير من الخصال الايجابية كالجرأة والمقدرة والحنان الاخوي والأبوي تجاه الشعب وقواه الكادحة.. فتمكنت بكفاءة عالية من ان تحصل على ثقة الشعب بها ليس بوصفها قد نجحت عمليا في شد الترابط بين الثورة كمقدمة صحيحة وبين الدولة كنتيجة صحيحة ايضا ولكن ايضاً لأنها حققت سبقاً رائعاً في مجال توزيع فعالية الجماهير في الاشياء والزمن وعمقت نظرية الثورة في تجربة تسلم السلطة الى جانب ان عين القيادة كانت قد ركزت منذ اللحظة الاولى لتسلم السلطة على فتح عقول وقلوب افراد الشعب في كوردستان العراق على معرفة اسس الزمن الحديث بما فيه من تحديات ايجابية كالتواصل الحضاري والتقدم العلمي والأخذ بأسباب التطور ومكافحة الامية الابجدية والحضارية والالمام الواسع بمفاهيم وقوانين حركة التاريخ وفهم اسباب انتقال الاخرين في العالم الى ما هم عليه من تقدم حضاري وتفوق علمي وتحديات سلبية كمحاولات اجهاض الثورة بتأزيم تناقضات مرحلة قيام الدولة وعدم قدرة البعض من الثوار التأقلم مع مرحلة ما بعد الثورة وضعف او قلة الامكانيات المادية وتغليب الذاتي والشخصي عند البعض على العام والشامل والتآمر من الداخل والخارج على الدولة الفتية وظهور البيروقراطية بعد ان يتسرب الى داخل نفوس البعض ممن لم تتهيأ له استلهام دروس القيادة الكوردستانية في التواضع وفي شعبية التفكير والتصرف.
ان الاشكالية الوحيدة التي ظهرت الى حيز الوجود بانبثاق السلطة الكوردستانية هو: هل المهمات القومية والمتعلقة بحق تقرير المصير والوحدة الكوردستانية شأن من شؤون الدولة أو هي واجب الثورة القيادة الكوردستانية متمثلة بالاستاذ مسعود البارزاني رئيس اقليم كوردستان العراق، ترى ان الثورة أنجزت اهدافها بقيادة السلطة الكوردستانية، على ان خيار الثورة يظل قائما طالما ثمة امكانية لتحقيق كامل طموحات الآفة الكوردية.. اي ان هناك الآن تدرج في التعاطي والتعامل.. ففي كوردستان العراق الآن سلطة دولة كوردية هي جزء من العراق الاتحادي، برضا واختيار الشعب الكوردستاني وبقرار من ثورته. والتعامل.. ففي كوردستان العراق الآن سلطة دولة كوردية هي جزء من العراق الاتحادي، برضا واختيار الشعب الكوردستاني وبقرار من ثورته.. ومتى ما وجد الشعب ان الدولة اصبحت عبئاً على اهداف الشعب وطموحاته عندئذ يجري البحث في اي السبيلين يمكن انجاز تلك الطموحات “الثورة ام الدولة. صمام امان
يقول ماوتسي تونغ القائد الصيني المعروف، الدولة مقبرة الثورة.. ويقول فيدل كاسترو ان لم تكن هناك حصانة مبدئية، فالدولة هي سرطان الثورة.. فيما يرى جمال عبد الناصر ان معيار استمرار الثورة كأداة استلهام وتنفيذ في آن واحد بين الدولة، هو مدى قربها من الجماهير باعتبارها هدف الثورة وغايتها.. لكن ذلك من منظور كوردستاني ليس هو الاساس في استمرار التواصل بين روح الثورة ومنطلقاتها والدولة ووظائفها باعتبارها نتيجة وحصيلة نضال وكفاح مرير ينبغي ان يجسد المسوغ العملي لقيامها ومن ثم استمرارها.. ذلك انه لا يجوز من الناحية العملية الاكتفاء بتناول احوال الجماهير لطبقات وفئات تختلف في درجة تجاربها مع التغييرات الجديدة.. وفي ضوء التجربة الكوردستانية فان ذلك قد توضحت سماته وخصائصه في الطور المبكر من اطوار هذه التغييرات، فكان حدوث الانسجام الطبقي والاجتماعي على مستوى كوردستان الظاهرة الاكثر بروزاً وكأن الجميع يؤدون مهمة قتالية وليس تعاطيا سياسياً، فكانت الانتخابات البرلمانية وكان الاداء الوظيفي وكان الابداع احد اهم اشكال التحول الهادئ والمتوازن من ميادين المواجهة في معاقل الثورة الى ساحات العمل من اجل تحسين وتطوير الخدمات للمواطنين والذي ظل محروماً منها عشرات السنين ومن اجل بناء التجربة الكوردية وايجاد نوافذ التواصل مع عالم يكاد يجهل وجود شعب كوردستاني ظلمته الحياة وغبنته الجغرافيا وغيبه التاريخ.
وكانت القراءة الكوردستانية لمسألة الثورة والدولة، قد نهضت على اهمية وجود صمام الامان والمعني به القائد والقيادة، دون ان يكون ذلك بالضرورة وصفة مفيدة لكل الشعوب ولكل الحالات.. فصمام الامان كحالة ايجابية ضرورية لن تكون كذلك الا اذا توفرت لها خصوصية: تصرف وموقف وسلوك وتواصل وفطرة، وهي التي افرزتها القيادة الكوردستانية عبر مسارها التاريخي دون ان يكون للافتعال والتمثيل والتملق او التحايل او الغش اي دور مهما كان في تعبئة الناس، ولأن القيادة الكوردستانية لم تسقط الوسائل السلمية للوصول الى اهداف الثورة، فانها لم تسقط الصلابة المبدئية في الوصول الى اهداف المرونة.. وكان هذا التفاعل والتواصل قد شكل الاساس المادي للدور اللاحق الذي لعبته القيادة على مستوى التجانس والتكامل في الاداء الوظيفي والاداء الشعبي تحت خيمة الدولة.. على ان ذلك لا يعني انعدام وجود صعوبات ومشكلات اساسية واجهتها القيادة بمنتهى الحكمة والحنكة والدراية وبدون اي تشنج او عصابية.
والانصاف يدعونا الى ان نقول ان معظم المشكلات والصعوبات التي ظهرت على سطح الممارسة العملية في الدولة لم يكن منشأة وجود تعارض او تناقض بين اخلاقيات وسلوكيات العمل النضالي من خلال الثورة والعمل الوظيفي من خلال الدولة.. رغم ان لهذا الأمر بعض القسط في ذلك.. بيد ان السبب الاساسي والرئيس هو ما جبل عليه الجهاز الوظيفي قبل تسلم سلطة الثورة لمقاليد ادارة الدولة.. فالبيروقراطية وتدني الكفاءة والرشوة والفساد الاداري والمحسوبيات ومحاربة الكفاءات والعناصر النزيهة وغيرها هي في الواقع تبعات وتركات موروثة تقبلت الثورة الكوردية فكرة التعايش معها في لحظات تغليب التسامح على الثأر والعفو على العقاب عند نجاحها في تسلم السلطة.
الديمقراطية والتجربة الكوردستانية
من حسن الحظ، ان بناء مؤسسات الدولة في كوردستان قد تزامن من الناحية العملية مع قرب بناء الأساس المادي لتحولات ديمقراطية في العراق، وبذلك فأن طرفي المعادلة التي انطلقت ثورة 1961 من اتونها، قد دخلتا من الناحية العملية في ميدان التنفيذ الفعلي وبذلك كان التوافق والتناغم في التصرف والسلوك والمواقف هما السمة الاكثر بروزاً في التجربة الكوردستانية خصوصاً والتجربة العراقية عموماً.. فلا يمكن في ضوء تجارب الماضي ان يفهم معنى المتغيرات في بناء الدولة الكوردستانية الا من يعي اهمية وضرورة الديمقراطية للعراق وبالتالي يسهم في بناء وارساء التحولات الديمقراطية على وفق ما يفسح المجال امام بناء عراق تعددي اتحادي مؤسساتي شفاف، ديمقراطي ليبرالي، وهكذا بدأت مهمات انجاز برنامج الدولة في الاخذ بيد الشعب الكوردي في كوردستان تتصاعد وتائرها تدريجياً دون ان يتسرب الى داخل القيادة وهم السير على طريق مفروشة بالرياحين والزهور.. بل هي كانت وباستمرار تزداد يقينا بأهمية وضرورة بذل المزيد من الجهد على طريق التوضيح والتسويغ وتعميق الوعي وهي مدركة تماما ان فهم قضاياك من قبل الاخرين لن يكون بنفس مستوى وطبيعة فهمك لها.. وعندما تكتشف ان الطرف الآخر ليس في وضع يسرك من حيث التفاعل مع ما تريد، فان ذلك يدعوك لبذل المزيد من الجهد للتوضيح والايضاح، لا ان تعلق عجزك وعدم قدرتك على ايصال ما تفكر به الى الآخرين على شماعة غيرك.
وبذلك فان الوضوح والصراحة والمصداقية هي العوامل الاشد أهمية في معالجة كل المشكلات والمقومات التي اعترضت طريق بناء الدولة.. لقد كانت القيادة الكوردستانية على قدر كبير من الحنكة والحكمة عندما ادركت ان التجزئة في زمن الثورة، قد تكون في بعض جوانبها ظاهرة ايجابية.. وفي مقدمة هذه الظاهرة قدرتها على التصدي لعمليات الاجهاض، فاذا تمكن الاعداء من محاصرة جناح من جناحي الثورة، استطاع الجناح الآخر ان يواصل المهمة.. بيد ان ذلك لم يكن ولن يكون مفيداً على مستوى بناء الدولة .. لذلك كانت عملية التوحيد واحدة من بين اهم الانجازات التاريخية للقيادة الكوردستانية.. فقد سجلت عملية التوحيد التحول المطلوب في التمهيد لانجاز اكبر المهمات واعقد القضايا لصالح عملية البناء والتطور ورفع المستوى المعاشي للمواطنين والارتقاء بمستوى الاداء والنوعية على مستوى اجهزة الدولة المختلفة لاسيما المدنية رغم التدهور المريع للوضع الامني في العراق والذي تأثرت به كوردستان سلباً كما استطاعت التأثير عليه ايجابياً من خلال رفد القدرة العراقية الدفاعية والهجومية وتعضيد العمل الاتحادي لبناء المؤسسات الاتحادية والثروة الوطينة.. وباختصار شديد يمكن القول دون الخوف من الوقوع في مهاوي المبالغة.
ان انتقال الكورد من مرحلة الثورة الوطينة الى مرحلة بناء الوطن وتشييد صرح النهوض التنموي والتطور الانساني هو بدون ادنى شك مفخرة للشعب الكوردي بشكل خاص والشعب العراقي ومعه كل شعوب العالم المحبة للحرية والتقدم .
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *