الرئيسية » مقالات » حين يكون العنف بديلاً عن خبية الامل متلى تنتهي نستولوجية العراقي ؟

حين يكون العنف بديلاً عن خبية الامل متلى تنتهي نستولوجية العراقي ؟

النستولوجيا(nostalgia ) عبارة الحنين الى الماضي (بصورة قد يعتبرها البعض غير سوية ), او استرجاع وضع يتعذر استرداده مرة اخرى وهو وضع ينتج غالباً عن عدم قدرة ذات الانسان على التماشي والتكيف مع مستجدات ومتغيرات العصر خاصة اذا ما تمايزت بالسرعة والأثر الكبير وعدم القدرة على الاندماج الاجتماعي بالتالي , ومن ثم خيبة امل من تحقق التوقعات . انها نوع من انواع اغتراب الذات الى حد كبير ونرى حالاتها البارزة في قصائد الشعراء وكتابات الادباء في جميع العصور ومختلف البلدان فنراهم يلجأون الى الاحتماء داخل شرنقة يحوكونها بأنفسهم , لينعزلوا عن المحيط الخارجي ويكيلون النقد اللاذع على كل ما لايروقهم في هذا المحيط بأسم الماضي الجميل الذي قد لا يكون كذلك بالفعل . وهذا هو الاغتراب بعينه فالمتغيرات لن تتوقف لان فلاناً رفضها واعتزل عنها فالماضي المحبوب لن يعود ابداً وسيكون الخاسر الوحيد المتخلف عن الركب هو النستولوجي دون غيره .
المسألة هينة لو ان النستولوجي فرد واحد او نفر قليل , ومثل هؤلاء موجودون في الشرق والغرب وفي كل وقت وحين . لكنها تتحول الى اشكالية عندما يكون هذا النستولوجي جماعة بأكملها ,وتصبح الاشكالية اكبر كلما اتسع نطاق هذه الجماعة , لتكون شعباً او مجموعة بلدان .
وبصفة عامة نلاحظ ارتباط الخطاب النستولوجي بوتيرة المتغيرات المعاصرة ووجود احتمالية التحول الى خطاب وسلوك عنف ,
واذا اردنا تعريف النستولوجيا السياسية فهي الفشل في التكيف مع المتغيرات والاحداث ومحاولة استيعابها من ناحية , ورفضها ومناهضتها من ناحية اخرى .
وعندما تتولد لدى النستولوجي قناعة مفادها ان موقفه السلبي لن يؤدي به الى نتيجة ايجابية تحقق توقعاته . عندئذ يطل العنف براسه .
وهذا لايعني ان العنف نهاية حتمية للنستولوجيا ولكنه السلوك المحتمل والمتوقع من الذات الانسانية والمثال على ذلك ما قام به عمال القرن الثامن عشر عندما حلت الالآت محلهم في المعامل واصبحوا عاطلين عن العمل . وفي غمرة الحنين الى الماضي والعجز عن تغيير الحاضر والخوف من المستقبل , وعمدوا الى تحطيم هذه الالات . تعبيراً عن يأسهم المتولد عن الفشل في التكيف والانسجام مع التطورات المتسارعة .
هكذا هم النستولوجيون حول العالم . فعلى الرغم من اختلافاتهم الايديولوجية والتوجيهية , يجمعهم الاتجاه صوب العنف كبديل عن خيبة الامل التي تعتمر نفوسهم لما هم فيه من ظروف واوضاع صعبة . والا ما الذي يجمع جماعات مثل الألوية الحمراء الأيطالية وأيتا الأسبانية والقاعدة العربية , سوى ان افرادها لم يستطيعوا الاندماج مع مجتمعاتهم . فانغمسوا في العنف السياسي , كل مستند الى قاعدته الفكرية الخاصة سواء كانت ماركسية ام انفصالية ام دينية , وترتفع وتيرة العنف وصولاً الى انتهاج اساليب وخطط عملياتية دقيقة تتوحد فيها التوجهات الفكرية والتعبوية والمالية والتنظيمية . ليتحقق عندنا ما ندعوه اليوم بـ الأرهاب , أو الأرهاب الدولي . وفي عالمنا العربي , النستولوجيون المتطرفون سواء كانوا من دعاة القومية ام اسلاميين متشددين , اصبح لهم دعم جماهيري او على اقل تقدير عدم استنكار الراي العام لافعالهم التي قد تميل الى العنف واقصاء الاخر ورفض الحوار .
واذ كانت قولة ان الارهاب الذي هو وليد السبعينيات – بشكله المعروف – ليس ابتكاراً اسلامياً صحيحة . فأن الذي يميزه استناده الى قواعد الدين التي تحض على الجهاد وقتال الكفار والمرتدين , اينما وجدوا , وكأنه يبيح دماء سكان الارض جميعاً . كما كان الارهاب يعد اتباعه بحياة خالدة , ينعمون فيها بالجنان وحور عين وانهار اللبن والخمر .
هؤلاء النستولوجيون الحاملون للفكر الاسلامي المتعصب . ينشدون تحقيق حلم اعادة انشاء امبراطورية عالمية اسلامية تتخطى حدود بلدانهم تطبق فيها حدود الله (من رجم وجلد وقطع), ويحكم خليفة (امير المؤمنين)بأسم الله شعبه السعيد . رداً انفعالياً منهم على التحلل الخلقي الحالي في مجتمعاتهم والفساد المستشري والنفاق السياسي المتفاقم.
ان الانستولوجيا وظواهرها قديمة قدم وجود الانسان نفسه . لكنها تزداد حدة مع تقادم الزمن , وفي ظل المتغيرات . وخاصة بين الجماعات في الدول الاقل قدرة على التكيف والتأقلم مع موجة تغيرات العصر . نتيجة عوامل عدة (اجتماعية , اقتصادية ,تاريخية)وذلك هو العالم الاسلامي والجزء العربي منه بالذات .
وفي العراق نجد ان المعادين للمشروع الامريكي فيه أو ما يسمى (العراق الديمقراطي الجديد)سواء كانوا ملثمين يحملون السلاح ام سياسيين ببدلات رسمية , نجحوا من خلال افعالهم التي تستهدف كل مفاصل الحياة , لتجعل من الضروريات كماليات وترفاً يجب ان ينسى . اقول نجحوا في جعل المواطن العراقي يائساً يتذبذب بين سقوط هاوية الانستولوجيا السحيقة , والرنو صوب بصيص أمل هو مزيج من الكبرياء والتمسك بأذيال الغيبيات الدينية بعبارة اخرى : في حين نجد العراقي متحسراً على ايام استتباب الامن والنظام في زمن صدام نراه تارة اخرى يعود الى رشده متذكراً سلبياته . وعندما يلاحظ انحناء موقفه يستقيم بقامته ويزهو بأنفه ويقول ((الله كريم)) تبشراً بالاتي وارجاع عواقب امور حياته الى جهة لا يستطيع اغلب الناس حوله التشكيك بقوقتها وعائدية الموت والحياة لها واخيراً يبدو العراقي -اعانه الله -اكثر اشقائه العرب انستولوجيتاً ,الذين هم في الاصل الاكثر انستولوجية في هذا العالم الرحب . وهو في ذاك لايلام .
المصادر:
1. نزار قباني (القصيدة السياسية وزيرة للدفاع)جريدة الحياة ,30 آب (اغسطس),1996 .
2.اوليفيه , تجربة الاسلام السياسي , لندن دار الساقي , 1994 ,ص 30.
3.عزيز العظمة , الاصالة او سياسة الهروب من الواقع , لندن , دار الساقي , 1992 , ص 65 4. جيل كيبل , يوم الله : الحركات الاصولية في الديانات الثلاث ,لياسول,قبرص , دار قرطبة للنشر والتوثيق والابحاث , 1992 5. داريوش شايغان , اوهام الهوية , لندن , دار الساقي 1993 ,كذلك النفس المبتورة , هاجس الغرب في مجتمعاتنا ,لندن , دار الساقي 1991 .
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *