الرئيسية » مقالات » المشاريع الثقافية والمثقفين العراقيين في الشتات

المشاريع الثقافية والمثقفين العراقيين في الشتات

إن قضية المشاريع الثقافية وما نتج عنها في الشتات لم تكن وليد الحاضر أو الفترة ما بعد احتلال العراق وسقوط النظام بل امتدت منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين حينما طرحت حينذاك قضية تشكيل جمعيات وروابط ثقافية كان أبرزها رابطة الكتاب والمثقفين والفنانين .. الخ التي عقدت مؤتمرها الأول وانظم إليها العشرات من مثقفينا وكتابنا وفنانينا وأصبحت هذه الرابطة عَلماً ثقافياً بارزاً في سماء الثقافة الوطنية المعارضة للنهج الثقافي الشوفيني وكانت هذه الرابطة فعلاً تمثل أكثرية المثقفين والكتاب والشعراء والفنانين الديمقراطيين العراقيين وساهمت لفترات معينة في خلق ثقافة ديمقراطية معارضة لثقافة البعثصدامي التي راحت تشوه الوعي الثقافي عن طريق إلغاء الآخر وإعادة كتابة التاريخ وحشوه بالتلفيقات والافتراءات وإدخال مفاهيم مغايرة للثقافة الإنسانية التقدمية بحجة الطريق الثقافي التراثي القومي وفي آخر المطاف إدخال الدين بعد فشل المشروع الثقافي القومي البعثصدامي ، وعدم استيعاب مفاصل التاريخ وتعرجاته وتطور الوعي الاجتماعي الذي اخذ يتطور ويستوعب تدريجياً التطوارات والتغيرات المستمرة المتلاحقة في العالم .

ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى بدأت مؤتمرات فروع الرابطة وأصبحت بفعل انتشار هذه الفروع في العديد من البلدان والنشاطات الثقافية والفنية المتنوعة ومواقفها الوطنية الهادفة لإنجاح المشروع الثقافي الوطني لها حضوراً متميزاً على الساحة الثقافية العربية وقد تجاوزتها في بعض الأحيان إلى العالمية إلا أن ذلك الحضور اخذ ينسحب إلى الوراء وبخاصة بعد احتلال الكويت وتحريرها وبعدما اخذ أكثرية المثقفين المنتمين طريقهم للجوء إلى بلدان أوربية والى استراليا وكندا وغيرها من دول العالم وانكفاء النظام الشمولي وتصدع مشروعه الثقافي ، ولم تكن الرابطة كتجمع ثقافي قائم لوحده خارج العراق فقد بدأ العديد من المثقفين في بلدان الشتات المختلفة تأسيس روابط وتجمعات واتحادات ونوادي اجتماعية ثقافية وقد حاول البعض منها تجاوز حدود البلد المعين في سعي ليكون جامعاً ثقافياً لأكثرية المثقفين العراقيين وعلى مختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم الفكرية وكما هو مصير الرابطة فقد فشلت أكثرية المحاولات أو أصبحت مجرد أسماء على يافطات وانحسر نشاط الجميع في حدود ضيقة لا يتجاوز صداها ليس البلد التي تأسست فيه فحسب وإنما المدينة الواحدة ، وأمام هذا الطوفان برزت قضية الخلافات على الأدوار القيادية بين التيارات الفكرية وأصبح الانشقاق أوسع من السابق بسبب المشاريع الثقافية التي يكمن في جوهرها قيام الدولة الدينية أو جعل الدولة قالباً مدنياً بوجهة مدنية وهو تناقض مما دعيّ إليه من فصل الدين عن الدولة مما زاد في بعثرة المثقفين وعدم توافقهم واتفاقهم حول برنامج ثقافي وطني شامل يجعل من تنوع الأفكار والانتماءات الفكرية حالة صحية ممكن الانطلاق منها نحو تأسيس ثقافة على أنقاض ثقافة التعصب القومي الديني ونفي الثقافة الإرهابية وتحرر الثقافة من مسوغات قيدتها

وشوهتها خلال حقب تاريخية طويلة وجعلها ثقافة للأكثرية بدلاً من حصرها في مجاميع وفئات تعتبرها جسراً لتنفيذ أهدافها وتحقيق مصالحها ، لا أريد التوسع في هذه الظاهرة التي لا زمت الثقافة والمثقفين وأصبحت خطراً فعلياً على وحدتهم وعلى مصلحة الثقافة الوطنية. ولهذا سوف أوضح بعض الأمور على ما طرح حول المشروع الثقافي لانعقاد مؤتمر للمثقفين في الشتات وما دار من حوار بهدف إخراج هذا المشروع إلى النور وقد تمخضت تلك الحوارات والنقاشات والمقترحات عن قناعة لأكثرية المثقفين بضرورة إنشاء تجمع ثقافي واضح الأهداف والمعاني له أسس وطنية ديمقراطية لان ذلك سوف يوضح الأهداف الحالية والمستقبلية لهذا التجمع وبالعكس إذا كان انعقاد المؤتمر أو قيام التجمع على قضايا عامة فضفاضة وبدون دراسة وعدم اختيار الكفاءات الثقافية الوطنية المخلصة وربط المشروع بقضايا الثقافة داخل الوطن والتخطيط إلى إقامة علاقات مع اتحاد الادباء في العراق فإننا مقدما سوف نقول لكم على هذا المشروع أو التجمع السلام وسيكون مصيره كباقي التجمعات والروابط والاتحاديات أما إلى مجرد اسم على لافتة أو ينفرط التجمع وكأن شيئاً لم يكن كما هو حال السابقات هذا هو الشرط الأول الذي سيوضح الطريق والهدف وتبقى القضايا الأخرى بما فيها عقد المؤتمر على أسس صحيحة مكملة لنجاح المشروع وقيامه واستمراره ، نشد على أيدي مثقفينا الوطنين ونآزرهم في مسعاهم النبيل وكلنا أمل بأن المؤتمر القادم سيتمخض عن قرارات ومقتر حات وتوصيات تعزز الثقافة الوطنية الديمقراطية ووحدة وإرادة المثقفين العراقيين في ما يخص قضايا الثقافة ومصلحة البلاد في هذه الظروف المعقدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *