الرئيسية » مقالات » هل ستوصل الخطة الأمنية الجديدة العراق إلى شاطئ السلام ؟

هل ستوصل الخطة الأمنية الجديدة العراق إلى شاطئ السلام ؟

ما من أحد يمتلك ذرة من الوطنية الصادقة، والحرص على مصالح الشعب والوطن، إلا ويتمنى أن يعم الأمن والسلام في ربوع العراق ، وينجح السيد رئيس الوزراء نوري المالكي في إنهاء هذا الصراع الدموي الذي تقوده القوى السياسية الطائفية المدعومة من دول الجوار شيعة وسنة من جهة، والقوى البعثية المستميتة في محاولتها الشرسة لاستعادة السلطة من جهة أخرى، ويعود المهجرون إلى ديارهم، ويعود الصفاء والوئام بين سائر مكونات الشعب، كي يضمد جراحه العميقة، ويواصل مسيرة الحياة والبناء من جديد ، بعد هذه السنوات الأربع العجاف التي جاوزت كل توقعات الباحثين المتتبعين لعملية الغزو الأمريكي للعراق في العشرين من آذار عام 2003، وما يمكن أن يحل بالعراق من خراب ودمار، وبالشعب من ويلات ومصائب ومحن فاقت كل تصور، حيث قادته من كارثة الصراع السياسي الدموي الذي خاضته قطعان البعث الفاشية نحو كارثة أشد واخطر، تلك هي كارثة الاحتراب الطائفي البغيض بأبشع صوره وأشكاله ، حيث انفلات الغرائز الهمجية الوحشية والسادية التي لم يشهد الشعب العراقي لها مثيلاً في كل تاريخه الحديث، وباتت التصفية الجسدية الجماعية منها والفردية هي السبيل الوحيد للتعامل بين أبناء الوطن الواحد على الاسم والهوية، باسم الطائفية المقيتة، وحيث يجري العزل السكاني بين أبناء الطائفتين الشيعية والسنية الذين امتزجت دماءهم وترسخت أخوتهم عبر مئات السنين، لتتحول اليوم إلى هذا الصراع المرير، حيث التهجير القسري لملايين العراقيين هربا من الموت، تاركين مساكنهم وأعمالهم ومدارس أبنائهم وكل ما يملكون هائمين على وجوههم نحو مصير مجهول.
إن الأمل والتفاؤل بنجاح الخطة شيء، والواقع الملموس الذي يمكن أن يتلمسه المواطن العراقي المنكوب والمغلوب على أمره، وفي المقدمة منهم الباحثين والمتتبعين لمجريات الأوضاع وتعقيداتها شئ آخر بكل تأكيد ، وهناك بديهيات علمية معروفة تقول إن المقدمات الخاطئة تعطي نتائج خاطئة لا محالة ، فكيف يمكن أن تنجح خطة السيد المالكي في تحقيق الأمن المنشود وحكومته وبرلمانه يتحكم فيهما قادة الأحزاب الطائفية، وكل منهم يقود ميليشاته المسلحة ؟
كيف يمكن أن ينجح المالكي في فرض الأمن والأجهزة العسكرية والأمنية مخترقة حتى العظام من قبل أفرد تلك المليشيات ؟
كيف تنجح الخطة الأمنية وولاء القوى السياسية المتحكمة بالسلطة لغير العراق، بل لأعداء العراق الذين يريدون به شرا؟
لقد بات مصير العراق تتحكم فيه دول الجوار إيران وسوريا والسعودية وتركيا وغيرها ، بالإضافة إلى قوات الإحتلال الأمريكية التي جعلت من العراق ساحة صراع لتصفية حساباتها مع من تطلق عليهم بمحور الشر، وبات لكل دولة من دول الجوار أعوانها وأزلامها الذين يتلقون منها الدعم المادي والتسليحي بالإضافة إلى الدعم اللوجستي، هادفين من وراء ذلك الهيمنة على مقدرات العراق، وتدمير بنيته الإجتماعية والاقتصادية ، وقمع أية محاولة لإقامة نظام ديمقراطي في البلاد .
أما كان الأجدر بالولايات المتحدة إن تسعى لإقامة نظام ديمقراطي علماني في البلاد بدلاً عن النظام الطائفي والعنصري الذي شادته بدءً من مجلس الحكم السيئ الصيت مروراً بالانتخابات البرلمانية التي هيمنت عليها القوى الدينية الطائفية ، وانتهاءً بالدستور الذي كرس النظام الطائفي في العراق، وعّرضه لخطر التمزق والضياع باسم الفيدراليات التي يسعى الحكيم وحزبه وميلشياته لفرضها مدعوماً من قبل حكام طهران ؟
أما كان الأجدر بالسيد المالكي أن يخيّر قادة الأحزاب الطائفية الشيعية منها والسنية على حد سواء والتي تقود ميلشيات القتل والتدمير والتخريب بين أن تحل مليشياتها ، وتسلم سلاحها للدولة، وبين مغادرة الحكومة والبرلمان والتعامل معها على أساس كونها خارجة على القانون ؟
أما كان الأجدر بالسيد المالكي أعادة النظر في التركيبة الطائفية للجيش والشرطة وسائر الأجهزة الأمنية وحتى الجهاز الإداري وتحويل ولائها للعراق بدل الولاء لأحزابها الطائفية المرتبطة بأعداء العراق الذين باتوا يتحكمون بمصائر العراقيين ، لكي يصبح الجيش والقوى الأمنية الأخرى قادرة على أداء واجبها الوطني بكل إخلاص ؟
إن الحكومة وأجهزتها العسكرية والأمنية بوضعها الحالي غير مؤهلة للقيام بالواجبات المناطة بها بنجاح ، فعلى الرغم من مرور بضعة أيام على بدء تنفيذ الخطة الأمنية ، فما زال انفجار السيارات المفخخة، والقتل على الهوية، وعشرات الجثث الملقاة في الطرقات كل يوم تتوالى دون أن تستطيع الخطة الجديدة إيقافها ، أو الحد منها ، وما قيل على لسان الناطق باسم الحكومة بأن الأعمال الإجرامية قد انخفضت بنسبة 80% أمر لا يصدقه العقل ، ولا يتفق مع واقع الحال ، وما زالت عمليات التهجير الداخلية والهجرة الخارجية في تصاعد مستمر، وما زال العراق ينزف دماً ، ويستنزف كوادره العلمية التي هي أغلى ثروات البلاد إما قتلاً وإما هجرةَ خارج البلاد، حتى بات من العسير حصول المواطنين المرضى على طبيب يعالج أمراضهم، وقد خلت الجامعات من أساتذتها الكفوءة ، والمدارس باتت خاوية من طلابها ومدرسيها بسبب هذا الرعب الذي يسود الشوارع والأحياء السكنية ، والخارج من بيته لا يعلم إن كان سيصل إلى عمله سالماً، ويعود إلى بيته سليماً معافى.
أي محنة هذه التي أوصل الإحتلال وأعوانه وأيتام صدام ونظامه، العراق وشعبه ، وإلى متى يستمر هذا الحال ، ويستمر نزيف الدم ؟
إلى متى يحيا الشعب دون ماء شرب نقي ودون كهرباء ووقود، فلا الشتاء ببرده القاسي محتملاً، ولا الصيف بقيضه الشديد محتملاً ، فهل قُدّرَ العراقيين أن يستمروا بتحمل ما لا يستطيع تحمله إنسان ؟
أنها الكارثة التي سيتمر أثرها وتداعياتها أجيالاً وأجيال، بعد تلك الدماء الغزيرة التي صبغت وما تزال تصبغ شوارع وطرقات المدن العراقية كافة ، وبعد ذلك الشعور بالكراهية والرغبة في الانتقام الذي ولدته هذه الحرب الطائفية المجنونة ، والتي يتحمل مسؤوليتها الولايات المتحدة وسياستها الهوجاء من جهة، وقادة الأحزاب الدينة الطائفية وميليشياتها المسلحة حتى الأسنان من جهة أخرى.
رحم الله شاعر العراق الكبير معروف الرصافي يوم قال :
من أين يرجى للعراق تقدماً وسبيل ممتلكيه غير سبيلهِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *