الرئيسية » مقالات » يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (5)

يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (5)

الصدام مع فيصل بن رشيد عالي الكيلاني

وفي شهر ابريل من عام 1941 ازدادت تحرشات فيصل ابن رشيد عالي الكيلاني بزملائي من أبناء الزوجات الأجنبيات وخاصة التحرش بي شخصيا، فقد كنت الطالب اليهودي الوحيد إلى جانب الطالبة سمحة قزاز والذي يعارض زعامته، وأصبحتُ هدفا لكل الدعاية النازية. وعندما ألّف رشيد عالي الكيلاني والد فيصل وزيرا، تشجع ابنه وصار يعتدي على أبناء الأقليات المسلمة والمسيحية وخاصة على سامي اليهودي: “راح تشوف إشلون أنكسّـر راسكم”! ضجرت مع أياد وخيري من اعتداءات فيصل وقلنا له: “أشو من صار أبوك وزير طلعت عينك” (منذ أن أصبح أبوك وزيرا أصبحت أكثر جسارة واعتدادا بنفسك). أنشاء الله تسقط الوزارة ويطلعوا الأبوك بالچلاق (بالرفسات)”. غضب فيصل من قولنا وشتمنا وأضمر لي هذه المسبة. وبعد شهرين من سقوط الوزارة الأولى، أي في 12 أبريل 1941 سمعت في نشرة الأخبار الصباحية التي كان والدي يستمع إليها يوميا قبل ذهابه إلى “ألأوفيس” نبأً هالني: “سقطت الوزارة وعين فخامة السيد رشيد عالي الكيلاني رئيسا لوزراء الحكومة الجديدة”. توقعت الشر من فيصل، فعندما كان والده وزيرًا اشتد اعتداؤه علينا، فكيف بنا وقد أصبح ابن رئيس الوزراء “وبالَك بالَك، وهَللّه هَللّه (تعبير يعني: إفسح الطريق لهذه الشخصية المهمة)، وبعد منو يقدر يحچي ويياه”. قلت في سري: “الله استرنا من هل بلوه!”
توكلت على الله وذهبت إلى المدرسة. عرجت على بيت إياد علي غالب لنذهب سوية ونتدبر الأمر، “هذا اشراح ايخلصنا منه؟” كان الجو دافئا وركبنا المراجيح في ساحة اللعب ونحن بانتظار قدوم فيصل وربعه وما سيقول عن تسنّم والده لأرفع وظيفة في العراق بعد أن فرّ الوصي عبد الإله وحاشيته إلى الأردن وأرسل الملك الطفل فيصل الثاني ووالدته “في ضيافة إجبارية” إلى حامية مدينة أربيل تحت حراسة ضباط احتياط كان منهم المحامي أنور شاؤل. وفجأة وأنا أتنافس مع أياد في أيّنا “يتمرجح” إلى الأعلى أكثر، أقبل فيصل وبيده “توثية” (عصا من شجر التوت)، ونزل الدرجات إلى ساحة اللعب ووراءه “ربعه” وهو ينادي بأعلى صوته: “وين سامي اليهودي! والله لأطلعلك عينك بهل التوثية! شلون اتكول انشاء الله تسقط الوزارة ويطلعوا الأبوك بالچلاق، هسه سقطت الوزارة وصار أبوي رئيس الوزراء، يا لله انزل!” نزلت من المرجوحة ونزل إياد معي، هجم فيصل بالعصا وصار يضرب بها في الهواء يمينا ويسارا أمامي والعصا تصفر في كل مرة تمر بضع سنتمترات من أمام عينيّ وتقترب رويدا رويدا ورفاقه يشجعونه بقولهم، ” حيل أضربه، حيل طلّع له عينه” (اضربه، بقوة، أفقئ له عينيه)، تراجعت إلى الوراء وفيصل يواصل تقدمه حتى حصرني إلى الجدار المنقوش بالشعارات العدائية. أخذ أصدقاؤه يرددون مع كل صفير للعصا أمام عينيّ بحماس: “طَلّعْ له عينه، طلع له عينه!” توقعت أن تكون الضربة التالية على عيني وتفقئوها. صحت بيأس: “فيصل بس عاد، بس عاد!”، واصل فيصل لعبته الخطرة وهو يزداد حماسة: والله أطلع لك عينك!” أغمضت عيني عندما مرت العصا من أمام عينيّ وشعرت بالهواء يضرب جبيني، وبيأس وأنا مستند إلى الجدار المزين بالشعارات النازية والتحريض على اليهود، جمعت قوتي وأنا مغمض العينين وضربت بقبضة يدي وجه فيصل “بالعمياوي”. ندت منه صرخة “آخ يابا!”. فتحت عيني وأنا لا أصدق أني أبصر، وشاهدت العصا طائرة في الهواء وفيصل يغطي وجهه بكفيه وهو يصيح: “آخ يابا، اليهودي طلّع لي عيني!ٍ” وهو يعدو باتجاه غرفة المديرة مارثا وأصدقاؤه وراءه وهم يقولون له، “خابر أبوك، خابر أبوك وقل له على سامي اليهودي!” والتفتَ إليّ إياد وأبني فاضل الجمالي وقالوا “الله سلـّم، هم زين فضت ابهاي” (من الأفضل أنها انتهت بهذه النتيجة).
رن جرس “الاصطفاف لتحية العلم” قبل الموعد المحدد له، وقلت في سرّي “ألله الستار!”. صاحت المديرة وعلى وجهها إمارات الانزعاج وبيدها لأول مرة مسطرة التأديب: “جميعا، اصطفاف!”. وقف إياد وخيري وغيرهما وهمسا لي، “إحنا وياك!”. صاحت الست مارثا بصوت متهدج من الغضب وفيصل واقف إلى جانبها وقد احمرت عينه اليسرى وبللت الدموع وجهه وهو يشير إلي مهددا. “سامي تعال هنا!”، تقدمت إليها فقالت بغضب: “أفتح إيدك!”، فتحتها، ضربتني ضربة على يديّ لم تؤلمني جسديا ولكنها آلمتني نفسيا. قلت لنفسي: “والله خوش! هو يتعدى وآني آكلها، ضربني وبكى، سبقني واشتكى!”، وصاحت الست مارثا بصوت سمعه الجميع: “سامي إنتَ مطرود من المدرسة، ما تگدر (لا تقدر) ترجع بعد!” بدت على وجه فيصل إمارات التشفي وابتسم لأول مرة بعد الضربة القاضية. صاح إياد وخيري محتجين: “سامي ما متعدى، فيصل راد أيطلعله عينه!” ردت الست مارثا بحزم “إخرسوا! سامي مطرود!”، شعرت بما شعر به آدم حين طرد من الجنة، كان شعورا غريبا من الغبن والظلم والاضطهاد لا يحتمل. سرتُ نحو بوابة المدرسة أجر قدمي بيأس خانق وقد اظلمت الدنيا في عينيّ. أنقذني من يأسي صوت مارثا الهامس وأنا أمر من أمامها، “تعال باچر (غدا) وجيب أبوك وياك!” أومض بصيص من الأمل، لعل الطرد ليس نهائيا، وهناك أمل. ضيعت الوقت هائما في طريقي إلى أن تحل ساعة الانصراف وأعود إلى البيت لكي لا أفضح نفسي بالعودة مبكرًا، فقد كنا نحاسب على كل دقيقة نقضيها خارج البيت. تحاشيت النظر إلى أبي وأمي ولم اخبر أحدا بالطرد المشين. لم استطع النوم، كيف سيتلقى الوالد خبر طردي من المدرسة وهو لا يدعنا نجلس دقيقة واحدة دون أن يأمرنا بالدراسة والمطالعة؟: “إدْرِسْ! لو عدد الدقايق الأقِـلّـك بها دْرِسْ تدِرسْ كان طلعتْ غاس (ألأول)!. ماذا سيقول لو علم بأني كنت مطرودا ولم انضم إلى صف الدراسة نهارا كاملا؟ استمع الوالد كعادته إلى نشرة الأخبار وتأزم الوضع في العراق مع بريطانيا ووعود هتلر وألمانيا بمساعدة الحكومة الصديقة الموالية وأنا حائر كيف أفاتح الوالد بهذه الكارثة؟ ما أن صاح بالفرنسية كعادته قبل ذهابه إلى الأوفيس: “مومو، أورفار!” (بما معناه: الى اللقاء يا أم الأولاد)، أجهشت بالبكاء، فالتفت إليّ والدي غاضبا متسائلا: “إنشا الله سويت لك مكسورة! أشكو؟” قلت بصوت مخنوق:
– “مارثا المديري تغيد (تريد)اتشوفك!”
– ليش أسساغ (صار) أش جرى؟
– فيصل ابن رشيد عالي غاد يفقسا العيني!
– ليش؟ أسويت لو، هيكذ مننو بينو بلا متسويلو شين؟ (ماذا صنعت، هكذا ضربك من نفسه دون ان تصنع له شيئا)
– ليش؟ كِيف أنا أيهودي!
– ليش معغفتونو الهذا العزا مالم، مقلتولكلم ساغو نازيين؟ (ألم أدرك هذا الأمر الخطير، ألم أخبركم بأنهم أصبحوا نازيين) .
تهيأت للسير إلى جانب أبي حذرا من أن تنوشني يده. نظر إلي متفحصا قبل أن نخرج من البيت: “هايي ليش جيوبك إمنفخا، أشو تال.” تقدمت نحوه خائفا متوقعا الشر، فدس يده في جيبي، وصار يشتم كلما أخرج منه شيئا: أخرج الدعبل والچعاب وخيط المصراع (الدوامة) ومصراع ونبلة مصراع كسبتها من خيري في مباراة بيننا بالمصاريع إذ أفلحت بضرب مصراعه الذي سقط منهوك القوى بينما بقي مصراعى الناعوي يدوي ويدور بعناد فوق راحتي فضربت مصراعه، وبهذه الخطوة كان لي الحق في تحطيم مصراعه المصروع دون حراك على الأرض وكسره وأخذ نبلته غنيمة باردة. وضع محتويات جيبي الأيمن على الطاولة، ثم بدأ بإفراغ الجيب الأيسر لبنطلوني القصير، وهو يحرق الإرمّ، ويواصل الشتم والتهديد. أخرج المصيادة والحصو وسلك الكهرباء للدفاع عن النفس: “ولك هاي الذخيرة منين جيّبا؟ مندال ما تدرس وتتعلم خطغ ايسغ ابغاسك خيغ انت قتحويلك مثل هايي المكسغات التضيعو الوقتك!” (بدلا من أن تدرس وتتعلم لكي تنجح في الحياة أخذت تجمع مثل هذه الترهات التي تضيع وقتك؟)، وصادر الجميع.
سرنا في طريقنا الى المدرسة، نظر والدي إلى قميصي وقال لي: “ولك ليش الدكمة ويقعي (لماذا الزر ساقط)، ليش غكبتك (ركبة رجلك) وسخي، هسه قابل قتمشي على اغكبك (ركبتيك)؟ وهايي كندرتك ليش مصبغتا؟ سيغي بيضا، حتي لو قتمشي على وجّها”.
شعرت بالانكسار، حتى والدي تركني وحيدا. كنت أفكر بشيء واحد لأنقذ كرامتي! قلت بتوسل: “ابدالك پاپا، كل شين قللي بس لا تقلي بوسا الإيدا الست مارثا” (فداك يا أبي، قل لي كل شيء ولا تقل لي قبّل يد الست مارثا). قال أبي بغضب: “متمشي بقا، مظل بس هذا العزا التِلْطِمْ عْلِينو!” (ألم يبق لك مشكلة أخرى تهتم بها؟)
دخلنا المدرسة وكان فيصل وأصدقاؤه قد علموا بمجيئي مع الوالد ووقفوا ينتظروننا قرب غرفة المديرة. والظاهر أن والده، رئيس الوزراء، فهم أن ما جرى بين ابنه وسامي اليهودي هو “لعب جهال” (أطفال صغار) ولم يتدخل في أمر معاقبتي، وكان باستطاعة كلمة منه تحطيم مستقبلي أو إرسال من يؤدبني بطريقة غاشمة أو يعتدي على عائلتي. وهذه مأثرة ما أزال أحفظها لرشيد عالي الكيلاني بالرغم من اتهامه بمسؤوليته عن حوادث “الفرهود”، فقد تعلمت منه العفو عند المقدرة. وإلى اليوم أترحم على آبائه وأجداده على ترفعه عن عقاب طفل في عمر ابنه. ألم يكن باستطاعته أن يجعل مصيري ومصير عائلتي مثل مصير عائلة قشقوش اليهودية التي أبيدت عن بكرة أبيها في بغداد دون ذنب اقترفته سوى إخلاصها وحبها للعراق وبقائها فيها بعد الهجرة الجماهيرية؟ ألف رحمة على آبائك وأجدادك يا كيلاني.
أغلقت مارثا المكتب وراءنا.
– خير إنشاء الله؟
– ترى هذا سامي زيّـفها (بالغ في أعماله)، ضرب أبن رئيس الوزراء وبعد شويا ويطلع له عينه.
– فيصل بِدا، وهو هدده بتوثيته بتطليع عينه، شتريدين يسوي!
– ليش ممخلي واحد ما سوّى وياه مشكلة. هاي الأميرة حرق إيدها بالشمس بالعـدسـة ويا إياد علي غالب، سكتنا! هل مرة ويا ابن رشيد عالي، وبهل إيام ويا الأسلام يتضارب؟ والله ترى يگتلوه!
– سامي بعده ولد جاهل (طفل صغير)، شمفهمه مسلم يهودي؟ أولاد وديلعبون! متعرفين المثل: “قاضي الأولاد خنق روحه”.

– گلّه (قل له) يدير باله وبعد خلّي يتكفّى الشر، راح اضربه شويه بالمسطرة گدام فيصل خاطر يسكت، ونرجعه للمدرسة.
لم أصدق أذنيّ، والدي يدافع عني لأول مرة ومارثا تعفو! إذًا، لا بدّ أن رشيد عالي الكيلاني نفسه عفا عني وإلا كيف تسمح لنفسها بالعفو عن اليهودي الذي ضرب مسلم، وليس ككل المسلمين فهو ابن رئيس الوزراء؟! خرجنا صامتين ورأينا فيصل وأصدقاؤه ينتظرون معاقبتي علنا على أحرّ من الجمر. قالت الست مارثا آمرة: “افتح إيدك!”، ومرت على كفيّ بلطف بالمسطرة. قلت في نفسي: “هم زين فضت ابهاي” (الحمد لله أن انتهت بهذه الطريقة). ولكن للتربية وللصُلْحَة بين الكبار والصغار لها أصولها، ولم يشأ والدي التخلي عنها: “زين دبوس إيد المديرة!”. وقع علي هذا الاقتراح الأخير وقوع الصاعقة، ستهدر كرامتي أمام فيصل وأصدقائه. فكرت في مخرج من هذا المأزق، أمسكت يد المديرة البيضاء ووضعت إبهامي على ظهر كفها وقبلت أصبعي. كان الجو متوترا ولم يلاحظ أحدا ما قمت به. هتف فيصل وأصدقاؤه هتاف المنتصرين وقالوا: “باس ايد المديرة وبهدلناه!”. قلت لإياد: “ليش آني غشيم وأبوس إيدها، تعال شوف شلون بست إيدها!” وضعت إبهامي على يد إياد وقبلت إصبعي. صرخ إياد ولك هاي من وين جبتها الهل دالغة (الفذلكة). أمسك بيد خيري وقبل الإبهام وهو يهلل ضاحكا: “هذا سامي سواها الحچاية مسخرة!” انتقلت عدوى الحماسة إلى أصدقاء فيصل وصار كل واحد منهم يقبل يد الآخر على الإبهام مهللين فرحين بهذه النكتة الغير متوقعة. وراحت على فيصل نشوة النصر في هذه المرة أيضا بعون الله وعون والده الشهم.

* * *

بدأت جراح الفرهود تلتئم رويدا رويدا، أو هكذا خيّل لي. خرجنا صيف عام 1947 نخبة من طلاب المدارس اليهودية في بغداد، من مدرسة فرنك عيني وشماش والمتوسطة الأهلية في مخيم للكشافة شمال العراق نتمتع لأول مرة بمشاهدة جمال جبال شمال العراق وينابيعها وبساتينها في مصيف صلاح الدين والسولاف وسرسنك وزاخو وساندور وغيرها من المدن الكردية الشمالية الرائعة الجمال بجبالها السامقة بحللها الخضراء وجداولها الرقراقة وطيورها المغردة بين أشجارها التي تنوء بثمارها. وبعد أن نصبنا مخيمنا في سرسنك ناداني أستاذ الرياضيات نوري منشي (واليوم يوجد شارع يحمل اسمه في طيرة الكرمل غرب سفح الجبل الأشم وشارع آخر في بيتح تكفا (“ملبس” حسب اسمها أيام الانتداب البريطاني) يحمل اسم الكاتب “سمير نقاش”) وقال لي: “اذهب مع موريس شماش لرفع العلم على الصارية!”. أخذت العلم العراقي وأنا مبتهج بهذا الشرف العظيم الذي حظيت به. أمسك موريس الحبل بيده لرفع العلم ووقفتُ وقفة استعداد مع تحية كشـفية وأنشدت تحية العلم العراقية:
دُمْ عَلى هَامِ العُلَى يا عَلَمُ خافِقًا تَحْمِيكَ بِيضٌ خُذُمُ
بدأ موريس يرفع العلم وظننت أنه يردد معي النشيد، أرهفت سمعي فإذا به يردد باللغة العبرية: “ويِزّاح ويِمّاح” (لـِيُـزَحْ وَلْـيـُمْـحَ)، لم أصدق ما سمعته وصحت غاضبا وتقدمت لأصفع موريس: “يا حمار، يا مجنون! ماذا تقول؟ هذا علمنا يا خائن! أتهين العلم!” امتقع وجه موريس واغرورقت عيناه بالدموع وصرخ في وجهي: “أتقول هذا علمنا؟ لو كان علمنا لما اغتصبوا أمي وأختي وقتلوا والدي أمام عيني لأنه دافع عن عرضه. هل اغتصبوا أمك وأختك وقتلوا أباك أمام عينيك يا ابن البتاويين؟ تعال اضربني تعال! تعال! هل سمعت صراخ والدك وهو يذبح أمام عينيك وتوسلات أمك وأختك طلبًا للرحمة؟ هل رأيت الشيخ الذي قطع رجلي جارنا الطفل الرضيع بحجليهما الذهبيين وسار في شارع غازي كالمنتصر الفاتح وهو يجلجل بجلاجل حجلي الذهب مترنمًا:
“اشحلو الفرهود لو أيعود يومية، يا يُمّـا ويا يابا!

قل لي هل رأيتهم؟ من هو الخائن يا سامي، نحن أم هم؟ ألم نخدمهم كالعبيد ونسكت على ما صنعوه بنا؟ هل تعرف معنى عار الاغتصاب واليتم، هل تعرف؟” صعقتني كلمات موريس وغامت الدنيا في عيني وتجللت سماء سرسنك بالغيوم السوداء وتساقطت قطرات دم عذراء من العلم الذي توقف عند منتصف الصارية. شعرت باليأس والوحدة والضياع وصحت بموريس شماش: “كفى بربك! كفى! تعال نعود إلى معسكر الكشافة”.
لم أنم الليل بطوله وكان موريس يبكي ويئن ويقول: “اغتصبوا أمي وأختي وذبحوا أبي ويريد ابن البتاويين ضربي!” كنتُ قد سمعت في حينه عن مثل هذا الاغتصاب من بعض الأصدقاء وكتب عن مثل هذه الحادثة فيما بعد الأديب المحامي نزيل الدنمرك نور الدين وهب في قصته الواقعية التي تقشعر لها الأبدان “هتلر في الإبريق”. بقيت حائرا متسائلا: لماذا حدث الفرهود؟ ومن هو المسئول عنه؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *