الرئيسية » مقالات » الاشكالية المزمنة بين الدين والسياسة / الحلقة الثانية

الاشكالية المزمنة بين الدين والسياسة / الحلقة الثانية

فض الاشتباك والتحولات الكبرى …

تـُمثـل التحولات الكبرى في الحياة بكافة محاورها العلمية والاقتصادية والسياسية التي عاشها ويعيشها العالم المعاصر والحديث نقطة تحول لميل الانسان الى الجدّيه في التعامل في نظرته لتجديد كل ما يمت بصلة في منظومته الثقافية وفكره السياسي وعاداته وتقاليده الموروثة والسائدة. وبطبيعة الحال هذا لايعني باي شكل من الاشكال نفي الماضي والتراث بحيث ان لا تكون هناك قطيعة بينهما وانما الاستفادة والتوظيف من دون ان يتحول هذا الماضي الي قيدٍ يعيـق حركة الانسان-المجتمع من تحولاته الجديدة .

النظرة الخاطئة.

لذلك كانت هناك نظرة خاطئة لتصور ٍ مهيمن ٍ قبل هذه التحولات الكبرى مفاده ان اطر الحياة على كافة الصعد الاجتماعية والسياسية لاسبيل في تغيرها ؟ لانها تـُعتبر في تصوراتهم مقدرة لهم من خلال نظام الخلق والتكوين, وليس امامهم الا الخضوع والاذعان لها ولا امكانية لنقدها وتصحيحها بحيث اصبحت هذه النظم ذات طابع قدري في الفكر الاجتماعي والسياسي.
وبعد انهيار هذه المنظومه تبّـين ان النظام الاجتماعي السياسي ليس جزءا ً من النظام المحتوم و قدرا ً منزّلا من نظام الخلق والتكوين , لذلك تجاوز اصحاب الفكر التنويري الكنيسة وتعيّـناتها المفروضة في اطر الحياة الاجتماعية والسياسية في اوربا , بالوقت الذي كان هذا الفكر السياسي يـُـفرض من قبل ارباب الكنيسة الذين كانوا يحيطون اطرهم الاجتماعية والسياسية بهالة من التقديسي والتفخيم , على انها من ضمن نظام الخلق والتكوين, ولكن نتيجة للنمو السريع في مجال العلم والتكنلوجيا تزعزع هذا التفخيم وهذا التقديس و انهارت تلك النظم والاطر الفكرية السياسية التقليدية التي كانت سائدة في المجتمعات الغربية, مما فتح الافاق الواسعة في كل الاتجاهات للفكر الجديد.

موجه قوية وعنيفة .

تعرض العالم اجمع نتيجة لتلك التحولات الى موجة قوية وعنيفة من التغيرات التي كان مداها اهتزاز قواعد التفكير التقليدي والثقافي الموروث , مما خلفه هاجسا ً لدى بعض المعنيين ولاسيما الذين يهتمون بالفكر والشان الاسلامي, وهذا الهاجس يتمثل بصيغة السؤال الاتي, ماهي الكيفيه التي سوف يتعامل بها اصحاب هذا الشأن في تقديم الدين للناس في ظل هذا الفضاء الفكري المفتوح الذي اثر على كل المجتمعات وفي كل الاتجاهات وفي قلب و صميم الاطر الحياتيه المتمثلة بالوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

تياران في الساحة للتصدي ..

وعندئذ لما انبرى للتصدي لهذه التحولات وتأثيرتها تياران احدهما التيار الاول الذي اعتبر هذه التحولات بدعه ولابد من مواجهتها بتهمة الانحراف عن التفكير السليم وان هذه التحولات بلاء عظيم قد اصاب جسم الامة في صميم دينها ومعتقداتها مما يستوجب التصدي لها ومقاومتها , ولان هذا التيار وبكل صراحة لايريد ان يعترف بأن المقولات والمفاهيم الفلسفية الارسطية غير صالح ولانهم يتعتقدون بأنه لايمكن الحديث عن موضوع الدين خارج المقولات الارسطيه وفي ظنهم بأن فلاسفة وروّاد النقد المعرفي الحديث امثال كانت وهيوم واخرين هم لايمثلون الا فكرا سقيما وبطلا ننا مبينا .

أما التيار الثاني من المفكرين الذين وجدوا في هذه التحولات تعبيرا ً عن واقع ظهر في منهج التفكير الانساني ولابد من التعامل معه بجد ّية ومعالجة انعكاسته لاسيما ان هذه الفلسفه تتعرض بالنقد المعرفي للفلسفة الاولى , لذا يرى هذا التيار بعدم حصر مهمة موضوع الدين والحديث عنه في اطار الفلسفة الاولى, وافضل من عبر عن هذا التيار وبوضوح وقوه المرجع السيد محمد باقر الصدر (رض) الذي جعل من موضوع الدين الامكانية والمكانة التي يستحقها في عالم المعرفة في عالمنا المعاصر ولو اتيحت الفرصة لهذا العالم الفذ ان يمتد به العمر, لكان اليوم لنا قولا اخر في عالم المعرفة والفكر النير الذين نستطيع به ان نزيل كل هذا التخبط والارباك الحاصل . لكن اليد الاثيمه واللئيمة عاجلته المنية بحكم الاعدام الجائر في 1980

حالة تعارض وعدم انسجام

اذن هناك حالة تعارض وعدم انسجام بين طرفين او تيارين لهما رؤى مختلف ومتباينه , اي هناك تباين واختلاف بين معطيات الفكر العلمي والفلسفي من جهه ومعطيات و اجتهادات الفكر الديني من الجهة الاخرى , واذا مااقتربنا قليلا من الفكر السياسي الجديد لابد من تحديد مفهومين اساسيين هما العلمانية والعلمنه.
” العلمانية نظريه او حركة نشأت وتطورت في السياق التأريخي بين الكنيسة والدولة القومية في اوربا لفصل الدين عن الدوله وحياة المجتمع من جهة , وبين مفاهيم الكنيسة والمفاهيم العلمية عن الكون والحياة والمجتمع من الجهة الاخرى . اما العلمنه, فهي التطبيق العملي لتلك النظريه في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والميل للتصرف بمعزل واستقلال عن الدين والديني كما يقول الباحث الانكليزي شادويك Chadwick ”

فصل الدين عن الدولة

اول تحرك في اتجاه فصل الدين عن الدولة قام به محمد علي في مصر , عندما عزل الازهر رسميا ً وبالتدريج عن مجالات الحياة والمجتمع وقد حاصر الازهر بشبكة من المدارس العلمانية الحديثة وترك الازهر يواجه مصيره, إن تطور نجا , وإن بقى على جموده هلك . لذا نستطيع القول بأن وجود النظام السياسي ضرورة حضارية , لان الحياة في المجتمع الانساني لاتستقيم بدون وجود سلطة حاكمة, واطار قانوني يوضح العلاقة بين القوتين الحاكمة والمحكومة , وهو الدستور. وكما هو معلوم بأن هذا الدستور صادر عن العقل البشري وليس عن التشريع الاسلامي فهل يصح لنا التسائل , الى اين نتجه اذن في تحقيق النـُظم السياسية والاجتماعة وهل هناك منهجاً محدد نتبعه,بل دعنا نصيغ السؤال بشكل اكثر دقه اي منهجاً نتبع, دولة الفتوى ام دولة القانون ؟ وهل هناك امكانية للتلاقي بينهما لوضع حد ٍ لهذا الارباك؟ ام ان هناك اكثر من راي في هذا الجانب ………..؟
نتواصل معكم في حلقة قادمه انشاء الله

فـائـق الـربـيـعـي
2007-02-21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *