الرئيسية » مقالات » رسالة ورد – الدكتور كاظم حبيب و الدكتور اكرم الحكيم حول الفيدرالية

رسالة ورد – الدكتور كاظم حبيب و الدكتور اكرم الحكيم حول الفيدرالية

الرسالة:

برلين في 20/2/2007

الأخ الفاضل والصديق السيد الدكتور أكرم الحكيم المحترم

تحية ودٍ واحترام

بعد مرور أكثر من عام واحد عثرت على رسالتكم بالصدفة في أحد المواقع على الإنترنيت. ويبدو أني كنت عند نشر الرسالة نزيل المستشفى, وبالتالي لم أطلع عليها لولا الصدفة الطيبة. ولهذا أرجو قبول اعتذاري بأن التأخير في الإجابة ليس إهمالاً مني لها بأي حال, وهي رسالة من أخ كريم, بل بسبب أنها لم تصل إلى عنواني الشخصي ولم يبلغني أحد عن نشرها في حينه. ورغم هذا اعتقد أن مرور أكثر من عام على رسالتي الموجهة إلى السيد عبد العزيز الحكيم ورسالتكم بشأن ما ورد فيها أعطانا معاً الفرصة الكافية للتوقف عند الموضوع الأساس الذي أثرته للحوار مع السيد عبد العزيز الحكيم وجرت خلالها الكثير من المياه التي يمكننا بصفاء ذهن أن نفكر فيها مجدداً. والرسالة كانت موجهة للسيد عبد العزيز الحكيم مباشرة, ولكنها كانت في الوقت نفسه موجهة لك ولكل الأخوات والأخوة في المجلس الأعلى للثورة في العراق والائتلاف الوطني العراقي ولكل العراقيات والعراقيين للتفكير في الموضوع المطروح, ولهذا كانت رسالة مفتوحة. سعيد جداً بالإطلاع على وجهة نظرك مباشرة وأنت العضو الفاعل في البرلمان والعضو البارز في مجلس الوزراء وتقود اليوم لجنة المصالحة الوطنية ذات المسؤولية والأهمية الكبيرتين.
من يعرفني جيداً ويعرف استعدادي للاعتراف والقبول بالرأي الآخر وانتقاد مواقفي السابقة يدرك بأني لن أصر على رأيي لو وجدت فيه ثغرة تستوجب المراجعة والتدقيق, إذ عندها أفقد العلمية والموضوعية التي أسعى إلى الالتزام بهما في أعمالي. وهذا بدوره لا يحميني من الوقوع بالخطأ, إذ ليس هناك من هو معصوم عنها.
يسعدني انك تتابع مقالاتي وأرائي رغم المشاغل الكثيرة. ولا أشك في وجود تباين في وجهات النظر, وهي صفة حميدة بالنسبة لنا معاً, إذ تسمح لنا بالحوار الهادئ والموضوعي الرصين, إذ لا غرض يحكمني إزاء ما أطرحه, إذ ما أجده مناسباً للشعب الذي أنتمي إليه والوطن الذي ولت فيه في هذه المرحلة الحساسة والحرجة جداً من تاريخ بلادنا الحبيبة التي استبيحت كثيراً وما تزال مستباحة من قوى إرهابية متطرفة ومجرمة. وهذا يجعلني أثق بأنك لا تنطلق إلا من المواقع التي تراها أيضاً مناسبة للشعب والوطن, ولا اشك في ذلك. والاختلاف في الرأي لا يمنح أي طرف الشك بالطرف الآخر, إذ عندها ينتهي الحوار المنشود. والثقة بيننا متوفرة.
أشكرك جداً على مشاعرك الطيبة إزائي, وأحمل لك مثلها, وأنا أتابع نشاطك باهتمام, خاصة وأنت تواجه مهمات ثقيلة ومعقدة ولكنها نبيلة وتستحق كل الجهد.
أسمح لي الآن أن أدخل في ذات المسائل التي تطرقت إليها في مناقشتك للأفكار التي طرحتها على السيد عبد العزيز الحكيم وعلى قياديي وكوادر وأعضاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. ولكني سأتناولها بالطريقة التي تنسجم مع طرحكم لها بسبب التداخل في ما بينها ولكي أتمكن من التركيز عل المسألة المركزية, الفيدرالية.
1. لا يختلف اثنان في أن الفيدرالية تجسد من حيث المبدأ نظام حكم متقدم للإدارة في أي بلد يختار شعبه ذلك, إذ أنه يسمح بممارسة اللامركزية والمسؤولية الذاتية إلى جانب المسؤولية المشتركة والمشاركة الفعالة في الحكم وفي البناء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي. ولا شك في انه يقترب من التوافق الإيجابي مع حقوق الإنسان وحقوق القوميات. وفي العالم الكثير من الدول التي أخذت بأسلوب الحكم الفيدرالي أو الكونفيدرالي. ويمكن أن نتفق معاً بأن هناك تجارب ناجحة وأخرى فاشلة لأن الفيدرالية ترتبط بالأساس بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي يسود في هذا البلد أو ذاك والموقف من الهوية الوطنية أو الهويات الأخرى التي يمكنها أن تضعف بقوة هوية المواطنة المتساوية وتنزع إلى التمييز والاصطفاف والاستقطاب ومن ثم الصراع والنزاع. الموقف من الفيدرالية لا ينطلق من حالة نظرية مجردة يتقرر في ضوئها الموقف, بل يفترض أن يستند إلى حالة ملموسة وظروف محددة تحيط بالبلد المعني. وأعتقد أن مرور عام إضافي على مراسلتنا يؤكد لنا معاً الواقع الاستثنائي الشاذ الذي يعيش فيه الشعب العراقي بكل مكوناته ونستطيع معاً أن يقدر العوامل الكامنة وراء ذلك.
لقد تعرض الشعب العراقي كله إلى شتى صنوف العذاب والاضطهاد والحرمان والتهجير والتعريب والتطهير والقتل الفردي والجماعي. ولكن من غير الأنصاف أن ننسى أو نتناسى مسألتين أساسيتين, وهما:
1. الشوفينية القومية المقيتة والقاتلة التي تحولت لدى النخبة الصدامية الحاكمة إلى عنصرية بغيضة ودموية في الممارسة العملية والتثقيف اليومي والتربية المدرسية والإعلام في البلاد موجهة ضد الشعب الكُردي والتركمان وضد الكلدان والآشوريين والأرمن.
2. الطائفية المذهبية السياسية المقيتة ضد الشيعة التي هيمنت على ذهنية النخبة الحاكمة, سواء أكان الشيعة من العرب أم الكُرد الفيلية أم التركمان والشبك, إذ أنها تحولت إلى عدوانية شرسة في الممارسة العملية وفي التثقيف اليومي والتربية المدرسية والإعلام.
ولكن المسألة الأكثر سوءاً تبلورت في اقتران هاتين السمتين بالذهنية العسكرية للقيادة البعثية ذات الأرضية الفاشية التي شكلت منها تكويناً بإضلاع ثلاثة أطبق على المجتمع وكان لا بد له أن يقود إلى الحروب الداخلية والخارجية وإلى الكوارث والمآسي والقبور الجماعية واستخدام الكيماوي …الخ وكانت النتيجة موت ما يقرب من مليوني إنسان وهجرة ما يقرب من ثلاثة ملايين عراقية وعراقي إلى الخارج.
هذا الوضع المحتقن أفرز أوضاعاً معقدة, خاصة وان سقوط النظام جاء عبر القوات الأجنبية وليس بفعل الظروف الذاتية للحركة الوطنية العراقية, رغم نضوج الظرف الموضوعي, زاده تعقيداً ما نعرفه من أخطاء فادحة ارتكبتها الإدارة الأمريكية والسياسات الفردية التي مارسها الحاكم پول بريمر ممثلاً ومنفذاً لسياسة الإدارة الأمريكية في العراق.
أنت وأنا لسنا بعيدين عن واقع المجتمع العراقي ومستوى الوعي والخراب النفسي والعصبي والاصطفافات الني نشأت في المجتمع. وهي ظواهر صارخة كان وما يزال علينا أن نأخذها بنظر الاعتبار عند الدراسة والتحليل وعند تقديم أي مشروع على المجتمع لأخذ رأيه بذلك والاستفتاء بشأنه. ولهذا كنت وما أزال أرى بأن طرح مشروع فيدرالية الوسط والجنوب لم يكن ناضجاً رغم التأييد الواسع من الجماهير الشيعية بشكل خاص. هذا لا يعني بأي حال بأن هذا المشروع كان يمكن طرحه بطريقة وظروف أخرى وببنية أخرى غير البنية الراهنة.
هناك اختلاف بين المسالة القومية (الإثنية) وبين التباين في المذهب في إطار إثنية واحدة, والمذهب لا يشكل إثنية, إذ أنها كلمة مرادفة للعرقية وفق مقترح اليونسكو ووافقت عليه الأمم المتحدة الذي قدم في أوائل الخمسينات من القرن الماضي لكي لا يستخدم العرق الذي استخدمه الهتلريون كثيراً. ولهذا فأن أدبيات الأمم المتحدة غالباً ما تستخدم الإثنية بدلاً من العرق. وبالتالي فالشيعة العرب هم من حيث القومية لا يختلفون عن السنة العرب.
كما تعرف فأنا لا أتاجر بالقومية ولا افتخر أو مهووساً بها, ولكن أحترمها واحترم كل القوميات الأخرى, إذ أن الجوهر الأساس هو كوننا جميعاً بشر. ولهذا فأني لا أرفع شعار القومية العربية لأفرض وحدة العرب السنة والشيعة, بل هي حقيقة قائمة والخلاف المذهبي الذي مارسه النظام الحاكم لا يفترض أن يقود أو يقابل برفض ما هو صحيح ومورس خطأ ولقرون طويلة. فوحدة العرب يمكن أن تستمر رغم التباين في المذاهب شريطة أن نمتلك نظاماً ديمقراطياً حراً ومستقلاً, عندها تغيب أيضاَ ظواهر التمييز والتغييب والتهميش لأي من الأطراف, عندها يمكن لصناديق الاقتراع أن تقرر من يكون في الحكم أو الائتلافات التي يمكن أن تنشأ أو التوافقات التي هي ليست بالضرورة ديمقراطية ولكنها ضرورية في مراحل معينة من حياة البلاد. وفيدرالية الوسط والجنوب هي واحدة من تلك القضايا التي تحتاج على التوافق بين المختلفين عليها وليس بين المتفقين بشأنها.
لا أناقش في موضوع الفيدرالية الكردستانية, إذ وجدت أننا على اتفاق بشأنها من خلال رسالتك الواضحة بهذا الصدد, وهو أمر سليم وجيد وأتمنى أن يكون عند الآخرين أيضاً.

إن الإشكالية التي تواجه المجتمع يا صديقي الفاضل قد برزت خلال هذا العام المنصرم وأكثر من أي وقت مضى والتي تجلت في الموقف من السلطة وفيدرالية الوسط والجنوب وفي عمليات التطهير التي تفاقمت, بغض النظر عن البادئ, رغم أن البادئ أظلم, إلا إننا نتحدث عن الحصيلة. هجرة مئات ألوف العراقيات والعراقيين وموت عشرات ألوف من الناس الأبرياء ضحايا الإرهاب الدموي المتنوع ونشاط المليشيات الطائفية المتقالتة. أعرف وجود مثلث الموت وطريق سامراء الجهنمي والعمليات الطائفية المجرمة, ولكني أعرف أيضاً فرق الموت والقتل العشوائي من أجهزة كانت أو ما تزال في وزارة الداخلية أو في غيرها. نحن أمام اصطفاف طائفي سياسي تغذيه القوى السياسية الموزعة على أحزاب إسلامية سياسية تستند بالأساس إلى المذهب. وهي الإشكالية التي تمتد في كل الجسم العراقي والذي يفترض معالجته بسرعة قبل أن يتحول الجسم إلى مرتع لمختلف الأمراض والأوبئة.

لا شك بأن علينا أن نحترم رأي الأكثرية في ظل نظام ديمقراطي مستقر. إذ بدون ذلك يقود على خلل كبير في ممارسة الديمقراطية. يضاف إلى ذلك أن الأكثرية غير الواعية يمكن أن تقود على خراب ودمار شاملين أو يقودنا إلى جهنم ما لم تتنبه إليه القيادات السياسية الواعية والمجربة, والتي أثق بأنك واحداً منها خاصة وانك عملت في مجال حقوق الإنسان. لا أريد أن اقرن هذه الأكثرية التي تتحدث عنها بما حصل في العام 1933 في ألمانيا حين حصل الحزب النازي على الأغلبية وقاد المجتمع إلى الجحيم في ظروف الصراعات القاتلة بين الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين, ولكنها تعني لنا بأن الأكثرية ليست بالضرورة في ظروف معينة هي الأكثر صواباً, خاصة إذ كان الوعي المذهبي أقوى من الوعي بالمواطنة. بهذا أريد أن أقول بأن التفكير بطرح مقترح معين, كفيدرالية الوسط والجنوب, في ظرف معين يفترض أن يقترن بحكمة ووعي وتقدير الظروف والقدرة على التحكم بالرغبات التي أحترمها وبالمقاصد التي لا أريد التشكيك فيها وبالتداعيات التي يفترض الانتباه إليها مسبقاً.
إن المصالحة الوطنية تستوجب تنازلات متبادلة بين الجماعات الواسعة في المجتمع عندما تقف وجهاً لوجه لتفوت الفرصة على من يريد الصيد بالماء العكر. من هنا جاءت رسالتي إلى السيد عبد العزيز الحكيم متوخياً فيها الدفع باتجاه تأجيل ما يمكن تأجيله لظرف أكثر هدوءاً وأكثر قدرة على التحكم بالأعصاب الثائرة والتدخلات الإقليمية والدولية. ليس صحيحاً الوصول إلى غاية ما, حتى لو كانت نبيلة أو حتى لو كانت الأكثرية معها, إن اقترنت باحتمال المزيد من الضحايا والخراب والحرمان وهجرة المزيد من البشر, كما نحن عليه الآن, بل يمكن تحقيق ذلك في ظرف أفضل وأكثر موضوعية وعقلانية.

كلنا يحاول أن يعمل في مجال حقوق الإنسان. ولكن دعني أقول بصراحة تامة إن حقوق الإنسان شارع عريض بطريقين وليس طريقاً واحداً, ولهذا لا بد من الأخذ بالاعتبار رأي الأقلية السكانية إلى أن يتم الاتفاق على صيغة مناسبة تبعد الفصل الطائفي أو المذهبي الذي سيتحقق, شئنا ذلك أم أبينا, عند تشكيل فيدرالية الوسط والجنوب. بل علينا أن نقول انه قد بدأ حتى قبل التشكيل بفترة غير قصيرة, والعام المنصرم قدم الدليل القاطع على ذلك.
لا أستطيع فرض رأيي الشخصي على أحد بأي حال, ومع احترامي للرأي الآخر ورأيكم أيها الصديق الفاضل, فأن من واجبي أن أواصل طرح وجهة نظري بأمل الوصول إلى قناعة لدى الجماهير التي صوتت لهذا المشروع, ولكن قبل ذاك للقيادة السياسية التي طرحت المشروع أولاً, إذ أنها ستكون قادرة على إقناع الآخرين بالتأجيل, خاصة وأن القضية أصبحت في مجلس النواب, وللائتلاف نسبة عالية قادرة على اتخاذ قرار يمكن أن يجد صدى تأييد من جانب قائمة التحالف الكُردستاني وقوائم أخرى. إنها ستكون مبادرة قيمة ولها تأثير كبير على وجهة تطور الأحداث في العراق.

3 . لا شك في أنك الشخص المقيم والعامل في العراق ومسؤول وقريب من الأحداث وتستطيع تقييم الأمور عن كثب. أما أنا فأقوم بزيارات متواصلة أكثر من مرة في كل عام وأطلع عن كثب أيضاً على أغلب القضايا الجارية في الوطن الجريح والشعب الذي ما يزال ينزف دماً ودموعاً. سأكون سعيداً لو التقينا, كما التقينا في المنفى في فترة النضال السلبي وفي مؤتمر المعارضة في بيروت وتبادلنا الرأي بصراحة ووضوح, إذ أنها أكثر فائدة من الكتابة, ولكن تبقى الكتابة مهمة وضرورية رغم أنها أضعف الإيمان.
كانت الطائفية يا صديقي الفاضل تعبر بالأساس عن مزاج النخبة والفئات العاملة مباشرة مع النظام, رغم أن النظام كان يستخدم في أجهزته الشيعة والكرد أيضاً في تنفيذ سياساته العنصرية والطائفية. وكان الشعب في أغلبيته يدين ذلك ولكنه غير قادر على المواجهة والتخلص من تلك السياسات. أما الآن وبسبب الطريقة التي جرت فيها الانتخابات والتحفيز الطائفي السياسي الذي قاد إلى الاصطفاف المذهبي والاستقطاب الداخلي بين الطائفتين, فأن المسؤول عنه حالياً ليس طرفاً واحداً بل أن الطرفين مسؤولان عن ذلك. وهذا لا يعني بالضرورة كل الأفراد. والمشكلة الجديدة والخطرة هي انتقاله من بعض القيادات إلى قواعد الأحزاب ومنها إلى الناس, بل حتى جمهرة من المثقفين أيضاً. كنت أنت وأنا نريد الخلاص من نظام عنصري وطائفي ولا نريد إقامة صراع طائفي على أنقاض ما تهدم. إذ أن هذا العراق لا يمكن أن يستقيم حقاً بممارسة سياسات طائفية ومحاصصة طائفية بالطريقة التي جرت حتى الآن ولا عبر إقامة فيدرالية الجنوب والوسط. ولا ينفع رمي اللوم على هذا الطرف أو ذاك, إذ أن المصيبة تلتهم الناس الأبرياء وتحرق الأخضر بسعر اليابس ولا تساعدنا على مواجهة الإرهاب الوهابي المتطرف والبعثي الصدامي والقومي اليميني الشوفيني المتطرف. تابع يا زميلي الفاضل ظاهرتين متلازمتين تؤثران بقوة على استمرار الإرهاب, وهما ظاهرة الطائفية المستقرة حالياً في الوزارات المختلفة وكل أجهزة, بما في ذلك في مواقع القوات العسكرية, وظاهرة الفساد المالي والإداري الذي يتعاظم بفعل الطائفية أيضاً وسيادة الفوضى وغياب الأمن والاستقرار وانهيار المعايير, ومنها مبدأ المواطنة المتساوية والعادلة.
ليس لدي موقف مسبق إزاء الأمور. عندما وصل الدكتور الجعفري تمنيت له النجاح, وعندما سار بطريق معوج, كما أرى, وقفت ضده ودعوته إلى ترك رئاسة الوزارة. وعندما وصل السيد المالكي أيدته ورجوت له النجاح وما أزال أتمنى له النجاح. ولكن لن ينجح إذا لم يتسن له التخلص من الطائفية السياسية المتنشطة جداً في داخل الحكومة ومن المليشيات الطائفية المسلحة, ثم البحث السليم والمتواصل حول أسس المصالحة الوطنية والمواقف التي يفترض أن تكون مرنة بما فيها الموقف من فيدرالية الوسط والجنوب أو من اجتثاث البعث وبالطريقة التي عمل بها لفترة غير قصيرة, حيث تم وضع البعثيين كلهم أمام خيار واحد لا غير هو الوقوف ضد الوضع الجديد! لا أختلف معكم في محاسبة جميع الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي.
4 . أجد مفيداً أننا التقينا على تلك المبادئ التي طرحتها من جانبي في رسالتي إلى السيد عبد العزيز الحكيم وأكدتها أنت في رسالتك الودية. ولكن الفلسفة تقول عموما, وهذا ينطبق على العراق, أن النظرية لا تتطابق مع الممارسة قطعاً, مهما اقتربا وسارا متوازيين, إذ ستبقى فجوة بينهما. هذا صحيح في الأوضاع الطبيعية, أما في الأوضاع الاستثنائية فالتجاوز على المبادئ يصبح الصيغة السائدة. من يراقب العراق من بعيد نسبياً يتحمل سلبيات كثيرة, ولكن للحالة نقطة إيجابية واحدة, هي أنه يرى الأمور على حقيقتها ويستطيع أن يقدر وجهة تطور الأحداث والمخاطر. ومن هنا تأتي ملاحظاتي التي أدققها باستمرار من خلال اللقاءات والمحاورات والقراءات والندوات والزيارات للوطن. ولهذا تجدني أتجرأ بالقول بأن المبادئ التي تتحدث عنها غير قائمة موضوعياً وليس ذاتياً فقط. ويمكن أن تحكم على الوضع من حركة أجهزة الحكومة والحكومة والقيادة ومجلس النواب …الخ. لا ألوم أحداً, ولكن أقول بوضوح الطائفية السياسية هي السائدة في البلاد وهي المتحكمة برقاب الحكم والناس, وعلينا الخلاص منها بكل السبل لأنها قاتلة. والتمييز الطائفي والحزبي والإقليمي والقرابة هي المعايير السائدة حالياً, ويفترض أن نكافحها, والفساد ضارب أطنابه في كل مكان وأصبح نظاماً معمولاً به في الدولة والمجتمع, وهو ليس وليد اليوم ولكن الفوضى والشركات الأجنبية والإرهاب عمقت هذه الظاهرة وكرست دورها في الحياة اليومية لأجهزة الدولة والمجتمع.
أعرف بأن هذه الظواهر السلبية الحادة لا تزول بسرعة, ولكن لا بد أن تبدأ محاربة هذه الظواهر من جانب الأحزاب الحاكمة ومن الحكومة والبرلمان, لا أن يشارك بها البعض من كل هؤلاء. وهذه ليست تهمة موجهة بالضرورة لأحد. ولكن هذا الشك يسود المجتمع كله, وبالتالي تسقط المصداقية والثقة التي تحتاجها الأحزاب والحكومة حالياً. ولهذا فالتعديل والتغيير الحكومي ضروري وملح حالياً.

5 . ليس عيباً التحرك لخدمة مصالح محافظتك أو إقليمك أو محافظتي أو إقليمي, ولكن العيب يبدو حين تعجز أنت وأعجز أنا عن إيجاد التوافق بين المسؤولية إزاء المحافظة والإقليم من جهة, وبين الوطن الأكبر, وحين يقود ضيق الأفق إزاء المحافظة أو الإقليم إلى حد التضحية بمصالح المواطنة المشترك ومصالح الوطن المشتركة. ليس الكلام موجهاً لك أو لغيرك من الأخوات والأخوة, ولكن منطق الأحداث يمكن أن يقود إلى هذه النتيجة. ومنطق الأحداث لا يأخذ بالرغبات الطيبة والإرادات الشخصية والنظريات التي يؤمن بها الإنسان, بل لها حركتها المستقلة التي ترتبط بالتصرفات الفعلية للفرد والجماعات والمجتمع, وخاصة بسلوك القوى التي تمارس الحكم. لم يأت أحد الحكام في العراق القديم والخلافة العربية والعثمانية والحكم الحديث إلا وادعى خدمة الوطن والتخلص من الاستبداد. ولكن كلهم مارسوا بعد فترة وجيزة الاستبداد وغيبوا إرادة وحرية ومصالح الشعب. إذ أن الحاكم والحكم يفسدان ما لم تنشأ المؤسسات الدستورية الديمقراطية التي لا تقوم على أساس طائفي بل على أساس المواطنة والوطن مع الاحتفاظ بالموقف المذهبي الشخصي, وهو أمر طبيعي. دعني صديقي المحترم أن أضع أمامك بعض الأمثلة الصارخة. رغم ما نتحدث عن الحرية والديمقراطية ولائحة وشرعة حقوق الإنسان, فأن الموت يتربص بكل كاتب وصحفي ومثقف في الداخل ينتقد هذا أو ذاك, فلا حرية بدون الأمن, ولا أمن بدون الحرية. محلات الحلاقة النسوية, محلات بيع أقراص الغناء والموسيقى, محلات بيع الخمور وتعاطيها, كلها تحرق أو يقتل أصحابها. الإرهاب الفكري الديني من قبل جماعات كثيرة بحيث لا يستطيع الفنان أن يمارس الغناء والموسيقى والرقص أو يحمل آلاته الموسيقية ..الخ. ليس جمهرة الإرهابيين التكفيريين والبعثيين الصداميين يمارسون ذلك, بل المليشيات الطائفية المسلحة. من يمارس التهجير ضد الصابئة المندائية وضد المسيحيين في البصرة وفي غيرها أو يقتلهم؟ إنها ليست عصابات الجريمة المنظمة أو الإرهابيين المعروفين لنا فحسب, بل قوى طائفية متزمتة وتطهيرية أيضاً. يجبر الإنسان الديمقراطي والتقدمي أن يرتدى رداءً آخر غير ردائه, بسبب الإرهاب الفكري الديني الذي تمارسه بعض الجماعات الدينية, ويتعارض مع رأيه وإرادته الحرة, إذ أن العاقبة هي الموت. وكذا موضوع الحجاب الذي أنت أدرى مني بما يجري اليوم في العراق, وأنت كنت أحد العاملين النشطاء في مجال حقوق الإنسان.
لا أريد أن أثقل عليك أيها الصديق المحترم, فأنت محمل بمهمات كبيرة. ولكني اشعر بضرورة الحديث بصراحة وشفافية عالية من جهة, ولأني أثق بأني أتحدث مع إنسان يقدر قيمة الصراحة والشفافية والوضوح من جهة ثانية, ويثق بإخلاصي لما أقول دون أي خلفية أيديولوجية معرقلة للتفاهم من جهة ثالثة. من المؤسف والمزعج لي بالذات أن أقول بأني كنت أتوقع جملة من هذه الظواهر, والتي سجلتها في مقالات لي قبل دخول القوات الأجنبية إلى العراق وبعد ذاك أيضاً, ولكن ليس بالقدر الذي نعيش فيه اليوم, إذ لم يكن في مقدوري أن أتصور مثل هذا الوعي الغائب أو الذي غيب خلال الفترات المنصرمة.
أرجو أن نبقى على اتصال وأن يتسنى لنا الحديث المشبّع بروح الأخوة والشفافية والحرص المتبادل على الوطن والمجتمع بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية.
تقبل أخيراً مني التحيات الحارة والتمنيات الطيبة بالسلامة الشخصية والصحة الموفورة.

برلين في 20/2/2007

كاظم حبيب
====================

الرد

الاستاذ الصديق د. كاظم حبيب المحترم
السلام عليكم وتمنيات شخصية لكم بدوام العافية والموفقية في خدمة قضايا شعبنا العراقي الشريف.
كنت وما أزال متابعاً لما تكتبوه في الصحافة أو مواقع الانترنيت, واختلف بالتاكيد مع العديد من الرؤى التي تطرحونها ولكني احتفظ لكم في نفسي بالاحترام والتقدير والمس في ثنايا سطور ما تكتبوه الحرص الكبير على خدمة قضايا الوطن والشعب والقيم الخيرة التي يحترمها الانسان.
واذا كانت الظروف لم تسمح لنا بلقاءات وحوارات مباشرة, فربما يكون الحوار من خلال الاعلام تعويضاً عن بعض تلك اللقاءات, ومن لضا وجدت رسالتكم الى سماحة السيد رئيس المجلس الاعلى ورئيس كتلة الائتلاف البرلمانية, فرصة طيبة خاصة وهي تتناول قضايا هامة ذات علاقة بواقع ومستقبل العراق والعراقيين.
حتى اختصر الحوار, سوف اعتمد على نفس النقاط الستة التي اعتبرتموها (مسائل جوهرية), لانني شخصاً أومن بهذه المنطلقات واعتقد بان (المجلس الاعلى) يتبناها (بالطبع لست ناطقاً رسمياً باسم المجلس)
وسوف اعبر عنها بالصيغة التالية لمزيد من الدقة في تحديد المقصود وعدم الضياع بسبب المصطلحات:
1ـ الاتزام بوحدة العراق الوطنية (وليس فقط الايمان باهميتها).
2ـ احترام حقوق الانسان واحترام حقوق كل مكونات الشعب العراقي (الدينية والقومية والمذهبية) وضمان كل ذلك دستورياً.
3ـ التعامل وفق اسس سلمية وديمقراطية ووفق الدستور العراقي في عملية التداول السلمي والديمقراطي للسلطة واحترام وضمان التعددية الفكرية والسياسية والحزبية..
4ـ احترام جميع القوميات والاديان والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية غير الفاشية وغير العدوانية وغير العنيفة والرافضة للارهاب.
5ـ رفض التميز الطائفي والعنصري (فكراً وممارسة) واعتماد حق المواطنة الكاملة والمساواة امام القانون في التعامل مع ابناء العراق بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقومية والحزبية والاجتماعية, واعتماد الآليات الديمقراطية في الحكم وجوهرها (ان لكل مواطن عراقي صوت يستخدمه في الانتخابات الحرة والنزيهة والمباشرة, لاختيار ممثليه في البرلمان ولاقرار الدستور وأية انتخابات اخرى).
6ـ تقديم كل الذين تلطخت ايدهم بدماء وعذابات الشعب العراقي الى محاكمة عادلة ورفض الفكر البعثي الصدامي الفاشي وفضح خلفياته العنصرية والشوفينية والطائفية والعدوانية, ورفض اعتماد نفس النخب الامنية والسياسية التي اعتمدها المجرم صدام, في بناء النظام الجديد. وعدم المساومة على ذلك مهما كانت ضغوط الارهابيين والذين يدعمونهم من خارج الحدود.
بالطبع يمكن اضافة نقاط جوهرية اخرى (لا شك في انك تتفق حولها معي) من قبيل:
7ـ اهمية استكمال شروط الاستقلال السياسي للوطن, والاعتماد في هذه المرحلة على الوسائل السلمية وعلى قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالعراق, اضافة الى استكمال بناء القدرات الامنية والعسكرية الوطنية القادرة على حماية الوطن والمواطنين بعيداً عن الوصاية الحزبية والطائفية والعنصرية أو الخارجية.
8ـ انصاف ضحايا النظام الصدامي الساقط وهم بالملايين, وانصاف المناطق التي عانت من الاهمال والحرمان والتدمير المتعمد, واعطائها الاولوية في الخدمات ومشاريع اعادة البناء والاعمار وتوفير مقومات العيش الكريم, دون اهمال باقي مناطق الوطن.

الصديق المحترم د. كاظم حبيب
انني ادعي باننا ومنذ ان وقعنا ميثاق لجنة العمل المشترك في بيروت (أواخر كانون الاول عام 1990) وكنت حاضراً في جلسة التوقيع, مع القوى السياسية العراقية بمختلف الوانها وانتماءاتها القومية والدينية والمذهبية والسياسية, كنا ولانزال ملتزمين بصدق بكل هذه القواسم المشتركة, وقد اكدنا موقفنا هذا في توقيع بيان مؤتمر صلاح الدين (تشرين الاول عام 1992) وبيان اجتماع دمشق القيادي (1996) ومن ثم في مؤتمر لندن (2002) ومؤتمر اربيل ـ صلاح الدين (شباط 2003)…
وهو الامر الذي يفسر اصرارنا على العمل المشترك مع الاخرين في ادارة البلد, كما حصل في صيغة (مجلس الحكم العراقي), وكذلك يفسر اصرارنا الدائم على اعتماد آلية الانتخابات الحرة العامة والمباشرة في بناء البرلمان والحكومة والدستور, في الوقت الذي كانت فيه قوى عراقية عديدة ومعها دوائر قرار دولية تسعى لاستبدال آلية الانتخابات بآلية الانتخابات بآلية التعيين أو بالسعي لوضع سقف زمني بعيد لموعد الانتخابات مشككين بوعي شعبنا العراقي المعروف بوعيه السياسي العالي.
بالتاكيد في حالة توفر حسن وصفاء النوايا لدى القوى والاحزاب السياسية المتباينة في مناهجها, يمكن الاتفاق على قواسم مشتركة, وهو ما تفضلتم بالاشارة اليه في رسالتكم المنشورة, واضيف انا ضرورة تكريس آلية حوار علمي ايجابي وبناء بين تلك القوى وضرورة توفير ضمانات استمرار اعتماد تلك الآلية مهما كانت الاختلافات والنزاعات وتباين وجهات النظر والمواقف وهو السلوك الذي تعتمده المجتمعات والاوساط المتحضرة السياسياً.
ربما لا نختلف كثيراً في تشخيص الطبيعة الدكتاتورية والقمعية الاجرامية في لنظام صدام الساقط وربما لا نختلف ايضاً في ان جرائم ذلك النظام البائد وقد شملت كل مكونات الشعب العراقي ولكن هذا لا يمنعنا من الاشارة المفصلة لطبيعة وحجم الجرائم التي ارتكبتها سلطة صدام بحق شيعة العراق (عرباً وكرد فيليين وتركماناً وشبك) وذلك لاسباب سياسية وليست مذهبية، كما سأوضح ذلك لاحقاً.
بقي ان اناقش معك وبالتفصيل ما ذكرته من ملاحظات على المشروع الفيدرالي للعراق، ولسنا نحن فقط الذين نتبناه، بل وبعد اقرار الملايين من العراقيين بالدستور الدائم في اكتوبر (تشرين الاول) 2005، تحول الى قضية دستورية يجب ان تلتزم أي حكومة عراقية جديدة بها فضلاً عن التزام القوى السياسية المؤمنة والمشاركة في العملية السياسية بها.
واتمنى ان نتحلى بدرجة اكبر من الاستعداد:
ـ للتشخيص العلمي الصريح لجذور مشكلات الواقع العراقي.
ـ التخلي عن منهج اعتماد الشعارات السياسية التقليدية بديلاً عن الحلول العملية الواقعية.
ـ للقبول القائم غير المشروط لاراء الاكثرية الشعبية من خلال صناديق الاقتراع.
حول الفيدرالية:
ربما يكون نافلة القول ان لا علاقة بين بعض الشعارات التي طرحها بعض السياسيين العراقيين حول فيدرالية الجنوب، وبين ما تبنيناه من صيغة الفيدرالية لكردستان العراق ولباقي مناطق العراق والذي ناضلنا من اجل تثبيته في الدستور الدائم وهو ما حصل ومن ثم قام الشعب باقراره بالاستفتاء العام.
فيما يخص كردستان العراق لا نختلف كثيراً فيما تفضلت بالاشارة اليه، فنحن كنا ولا نزال نعتقد بأن لكرد العراق كل الحق في اقامة فيدرالية او اقليم كرديستان، وبالتالي التمتع بكل الحقوق القومية (السياسية والادارية والثقافية والاقتصادية وغيرها) دون التجاوز على حقوق الاثنيات الاخرى التي تعيش في كردستان العراق وقد دفع اخوتنا الكرد ودفعت قوى التحرر الكردية وطيلة العقود الماضية ثمناً باهضاً من اجل نيل تلك الحقوق وكنا ولا نزال حلفاء لهم في هذا الطريق الطويل.
ولكننا نعتقد (ونقولها بوضوح وقاطعية) بأن في النظام الفيدرالي خصائص ايجابية هامة يجب ان تستفيد منها وباقصى درجة باقي مناطق العراق الزاخرة في الاثنيات المتنوعة العريقة في وجودها.
لم نطرح اساساً مذهبياً او دينياً او عنصرياً او عشائرياً او حزبياً، للفيدراليات التي نسعى لاقامتها، وانما طرحنا اساساً ادارياً يتمثل بالمحافظات ونعتقد ان من حق أي محافظه في العراق او اكثر ان تسعى لان تكون اقليماً عراقياً يضاف الى جانب اقليم كردستان، ووفق الضوابط التي اقرها الدستور الدائم وبالالية التي حددها الدستور وبضمنها موافقة سكان تلك المحافظات من خلال الاستفتاء، مع وجود مهام حصرية تختص بها السلطة المركزية الاتحادية، والمبينه في الدستور والتي تتكفل بضمان وحدة العراق والتوزيع العادل للثروات الوطنية وفي نفس الوقت تتحقق مشاركة كل ابناء العراق في ادارة مناطقهم بانفسهم فضلاً عن المساهمة في ادارة الشأن الوطني، بدلاً من المعادلة الظالمة التي زرعها البريطانيون في القرن الماضي وكرستها الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة بأستثناء فترة حكم الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم (رحمه الله)، تلك المعادلة الظالمة التي كانت تقوم على تسلط اقليات مناطقية وعشائرية معينة وتمتاز بعزلتها عن السواد الاعظم للشعب العراقي وتمتاز بمشاعرها العنصرية والطائفية البغيضة، تسلطها على كل مناطق العراق. ((ولعل فحصاً سريعاً فحسب للجذور الجغرافية لـ / نخبة السلطة/ في العراق اليوم (1992) من شأنه ان يرينا بوضوح كيف ان موارد القوة تتكثف وتزداد تركزاً في ايدٍ اقل فاقل، كلما كان اصحاب هذه الايدي ينحدرون مباشرة او غير مباشرة، مروراً في الغالب ببغداد من بلدات ونواحي الشمال الغربي العراقي… ثم لا تزال موارد القوة هذه تزداد تركزاً الى ان تنحصر تقريباً في مساحة تلك البؤرة الصغيرة المتلاحمة قرابياً ومكانياً والمنحدرة اما من مدينة ـ تكريت ـ المحاذية لدجلة او من حي التكارتة في بغداد)).
وبالمناسبة الفقرة الاخيرة المحصورة بين قوسين هي ليست لي انما لكاتب سياسي عربي خليجي غير عراقي وغير شيعي كتبها ضمن مقالة منشورة عام 1992 (صحيفة الشرق الاوسط بتاريخ 31/3/1992) نحن نعتقد ان اعتماد النظام الفدرالي لكل العراق اضافة الى اقليم كردستان، سيؤدي الى توزيع عناصر القوة السياسية الامنية والاقتصادية (المتمركزة دوماً في العاصمة بغداد) على كل مناطق العراق، وهذا يوفر ضمانه اساسية هامة تحول دون عودة الدكتاتورية الى العراق… دكتاتورية الحزب الاوحد ثم دكتاتورية المدينة الفلانية مسقط رأس النظام ثم دكتاتورية عشيرته المزعومة ليصل الامر كما حصل في العراق الى دكتاتورية عائلة الرئيس…
ان توزيع عناصر القوة السياسية والامنية والاقتصادية المتمركزة في العاصمة على كل محافظات العراق يغلق الباب الى الابد في وجه الانقلابات العسكرية التي طالما اذاقت شعبنا الامرين، حيث تكفي بضع دبابات ونفر من الاشقياء المسلحين للسيطرة على مركز السلطة والاعلام في العاصمة للتحكم بكل البلاد..
ان فيدرالية المحافظات تفتح باب المشاركة الحقيقية في ادارة واعمار البلد وحل مشكلاته من خلال التنافس المشروع، لا ادري لم لا يعتقد البعض بقدرة العراقيين على التعامل المتحضر مع مثل هذه الصيغ السياسية الادارية المتطورة كباقي المجتمعات المتحضرة..؟
ولا يرى في الفيدرالية المقترحة سوى الانقسام والتناحر والتمزق والمآسي، بينما يغمض عينه عن كل الكوارث التي جلبها النظام المركزي في العراق. ودستور العراق الدائم الذي تم اقراره يسمح لكل محافظة عراقية او عدة محافظات وبعد موافقة غالبية سكانها ان تتحول الى اقليم.. وهناك من طرح اقامة اقليم الجنوب المكون من محافظات البصرة والعمارة والناصرية… والبعض الاخر طرح مشروع اقليم المنطقة الغربية… واخرين طرحوا اقليم الوسط المكون من كربلاء والنجف والحلة.. فضلاً عن اقليم العاصمة بغداد.. وكل هذا لا ضير فيه، لاننا جميعاً متفقون على الالتزام بالاسس والضوابط التي اقرها الدستور الدائم والذي تم اقراره شعبياً بالاستفتاء العام.. واضنك تؤمن مثلي انه مهما كانت قناعتك ورؤيتك السياسية ومهما كانت قناعاتي (والتي من حقنا بيانها والدفاع عنها) … الا ان القول الفصل في النهاية للدستور ولنتائج صناديق الانتخاب، ولا بد من ترويض النفس على قبولها اذا كنا جادين في السير باتجاه بناء الاليات الديمقراطية في النظام السياسي الجديد في العراق.
بمعنى ان على جميع القوى والشخصيات السياسية العراقية العاملة في الساحة ومهما كانت مواقفها ورؤاها ومشتركاتها، القبول بنتائج صناديق الانتخاب، كمرجعية نهائية عند الاختلاف ومهما كانت درجة تعارض تلك النتائج مع قناعتنا ومع ما نتمنى.. لان البديل الاخر هو الاقتتال واللجوء الى السلاح او التامر..
زعامة المجلس الاعلى طرحت مشروعها لاقليم الوسط والجنوب، لانها تعتقد بانها تملك هذا الحق دستورياً، ولكن مدى القدرة على تحقيقه يعتمد اولاً على الاليات التي تضمنها الدستور الدائم وثانياً على نتائج الاستفتاء لابناء محافظات ذلك الاقليم المقترح.
نحن نعتقد بأن مشتركات محافظات الوسط والجنوب (التي كان نظام المجرم صدام) يطلق عليها (المحافظات السوداء) فيها الكثير من الخصوصيات التي تبرر اجتماعها في اقليم واحد، ابناء الوسط يشتركون مع الاخوة الكرد ومع ابناء الدليم والمنطقة الغربية عموماً في صفة المواطنة العراقية، والصلاحيات او المهام الحصرية للسلطة الاتحادية في بغداد والتي اقرها الدستور الدائم هي التي تتكفل بضمان وحدة البلاد والتوزيع العادل للخدمات والثروات، الا ان ما نشترك به مع الاخرين لا يمنعنا من بناء اطر ادارية تراعي خصوصيتنا وتحقق المشاركة المتوازنة في ادارة البلد وكذلك تتيح لنا الفرص العادلة لادارة بناء مناطقنا بانفسنا.
ان كون الغالبية من ابناء محافظات الوسط والجنوب من اتباع اهل البيت عليهم السلام، ليست جريمة يجب البراءة منها وليست ذنباً نخشى منه ويجب ان لا تستفز احداً ان كان يؤمن فعلاً باحترام حقوق الانسان، أن اعتز أنا بهويتهي الدينية او المذهبية او العقائدية لا يتناقض اطلاقاً مع ايماني بحقوق المواطن الكاملة لكل ابناء العراق..
وان اتحرك للاستفادة من الفرص الدستورية لخدمة ابناء محافظتي او الاقليم الذي تقرر الغالبية ايجاده، خاصة وهي تتعرض لحرب ابادة تقوم على الهوية المذهبية، هو حق مشروع ومقبول ان اشتراك الاخوة مع باقي ابناء الوطن في صفة (العراقية) لم يمنع بعض العراقيين من ان ما تحذرون منه من عملية تطهير طائفية للسكان الشيعة في المناطق ذات الغالبية من الحالة المذهبية الاخرى، هي جارية وبقوة ليس فقط في المنطقة الغربية في العراق وانما في بعض مناطق العاصمة بغداد (كالدورة والسيدية والغزالية والعامرية وحي الجهاد واللطيفية)، بل وفي بعض مدن الفرات الاوسط والجنوب ذات الغالبية الشيعية من خلال ما يسمى بعمليات المقاومة التي هي في حقيقتها عمليات ابادة لشيعة العراق بواسطة السيارات المفخخة وحملة الاحزمة الناسفة.
ولا توجد اطلاقاً أي حالة تطهير طائفية معاكسة في المناطق ذات الغالبية الشيعية لان القيادة الدينية التي يتبعها الشيعة تحرم ذلك وكذلك القيادات الوطنية (الشيعية) ترفض ذلك وما يثار من اكاذيب في هذه الوسيلة الاعلامية او تلك هي اتهامات تسعى لتصوير أي قصاص تقوم به الدولة ومؤسساتها من الارهابيين ورجال مخابرات صدام القتلة، تصويره بصورة العقاب على الهوية الطائفية، ولاشك انكم سمعتم بمن يريد تصوير المجرم صدام بوصفه البطل العربي السني الذي انقلب عليه الشيعة…؟
ولعل ما شاهده كل المراقبين المحايدين في فترة الانتخابات الاخيرة، خير شاهد على ما اقول حيث زخرت مناطق ومدن الفرات الاوسط والجنوب ( ذات الغالبية الشيعية) بكل الوان الدعاية للشخصيات والقوى ذات العصبية الطائفية المعادية في الغالب للشيعة، بينما خلت المناطق الغربية تماماً من أي فرصة دعائية او حضور مراقبين للقوى السياسية العراقية (التي يسميها البعض بالقوى الشيعية).
عندما طرح البعض مشروع ( اقليم البصرة او اقليم الجنوب) قال البعض بانه مشروع مشبوه يهدف الى اقتطاع جزء من العراق وسيكون لقمة سائغة للجار الشرقي المتهم دوماً برغبته في التهام العراق او اجزاء منه، وعندما طرح (المجلس الاعلى وحلفائه) مشروع اقليم الوسط والجنوب، قال البعض بانه اقليم كبير يخيف الاخرين في الداخل وفي المنطقة.؟؟
بصراحة اننا نعتقد بأن الغالبية من ابناء الوسط والجنوب قد شبعت من شعارات الوحدة الوطنية والهوية القومية، لانها وجدت ان ذلك كان يعني دوماً تسلط اقليات مناطقية وعشائرية على مقدرات مناطقهم وثرواتهم.. يتم تجفيف الاهور وجرف النخيل والاشجار في مناطقنا بينما تقام البحيرات الصناعية والمزارع والبساتين الزاخرة باشجار الفاكهة في المناطق والمحافظات التي كانت تنتمي اليها النخبة السياسية والامنية للنظام البائد… مع ان كل تلك المناطق وهذه تقع في (الاقليم العربي المقترح).. فلماذا لم تمنع الخصوصية العربية ذلك التمييز..
ان جوهر فلسفة حقوق الانسان هو احترام خصوصية الفرد واحترام خصوصية الاثنيات (مهما كانت صغيرة ومحدودة) فكيف اذا كانت الاثنية تعبر عن مكون رئيسي ذو غالبية سكانية واضح …
احترام الخصوصية واتاحة الفرصة لابنائها للتعبير عن انفسها والدفاع عن حقوقها والتعبير عن هويتها وادارة مقدراتهم السياسية والثقافية والادارية بانفسهم هو السبيل السليم لبناء وحدة وطنية راسخة، وليس الغاء تلك الخصوصية بدعوى عدم استفزاز الاخرين والجيران.
يحضرني كلام جميل لا اتذكر مصدره يقول (على البعض ان يعرف انه ليس كل من في العالم العربي هم عرب وليس كل العرب مسلمين وليس كل المسلمين سنة).
يجب علينا اقناع الجميع بضرورة قبول الاخر كما هو، ولا يحق لنا الطلب من الاخر ان يتخلى عن بعض هويته وبعض او كل حقوقه لعدم اخافة الاخرين.
ومع كل ذلك نكرر ان الدستور الدائم يعطي الحق لاية محافظة في العراق او اكثر ان تتحرك لبناء اقليم خاص بها ضمن الضوابط الدستورية المقررة وضمن وحدة الكيان العراقي لانؤمن باعتماد المعيار الطائفي في توصيف الازمة العراقية او في اقتراح الحلول لها، لان الشيعة والسنة من ابناء العراق عاشوا تاريخاً وواقعاً مشتركاً وتعايشوا معاً في المدارس والجامعات ومحلات المدن المختلفة وفي الاحزاب السياسية وفي الدوائر الحكومية والشركات الخاصة وساهموا معاً في صنع الاحداث الكبرى في الوطن. ولكن يجب ان نعترف بوجود مشكلة واضطهاد طائفي واسع وعميق مارسته الحكومات المتعاقبة في العراق ضد الشيعة وبلغت ذروتها في عهد صدام ودعمت قوى استعمارية تلك السياسة لتحقيق سياستها المعروفة (فرق تسد) ولبناء نظام الاقلية العشائرية او الحزبية او العسكرية المتمترس بالاغطية الطائفية… الذي يحتاج دوماً الى الدعم الخارجي.
نحن نعتقد بأن النظام الفيدرالي كما حدده الدستور الدائم سيكون ضمانه حقيقية لعراق موحد حر ومستقل ومزدهر، وكشفت نتائج عمليتين انتخابيتين في (30/1/2005 ) وفي (15/12/2005) عن وجود قاعدة شعبية مليونية تتراوح بين 4,5 الى 6 مليون عراقي مؤيد لما نعتقد به نحن والكثير من القوى الوطنية العراقية.
.. وتقبلوا فائق التحيات والتمنيات.اكرم الحكيم
عضو الجمعية الوطنية
(رئيس لجنة العلاقات الخارجية)

25/1/2006

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *