الرئيسية » الرئيسية » لقاء مع المؤرخ الكوردي العراقي الكبير كمال مظهر

لقاء مع المؤرخ الكوردي العراقي الكبير كمال مظهر

أجرى الحوار: د. منيرة أميد

* لا يوجد شخص ديمقراطي حقيقي واحد على وجه البسيطة لا يُقِرْ حق تقرير المصير للشعب الكردي
* تأريخ الكرد عموماً، وتأريخ الفيليين منهم خصوصاً بحاجة الى سلسلة من الدراسات العلمية العميقة .
* لا يصح عزل القضية الكردية عن إفرازات العلاقات بين الدول الكبرى
* حظي الجزء الأول من كتابي ” كركوك وتوابعها، حكم التأريخ والضمير، دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق” بأهتمام منقطع النظير من جميع الأطراف.

يعد الاستاذ كمال مظهر أحد أبرز المؤرخين والباحثين العراقيين المعاصرين المتميزين. له حضور بارز في الاوساط الثقافية ، منذ عودته الى العراق في أيار 1970، بعد حصوله على أعلى الدرجات العلمية، أبى أن يغادر الوطن بعد ذلك رغم كل الظروف الصعبة. إختار العلم والكتاب والبحث عن الحقيقة كمسيرة لحياته. أحبه كل من تعرف اليه وعمل معه ، مساعدة الأخرين سجية متأصلة فيه. شغفه بالمعرفة ثم أيصالها الى الاخرين يجده واجباً نذر كل حياته من اجله.


التقيناه في رحلته الى العلاج ، و كما توقعنا وجدناه متواضعاً كعهد العلماء، بشوشاً ، رحب بنا كمن يلتقي بأهله بعد طول الفراق . لم نشأ أن نأخذ من وقته ، وكذلك ونحن نعلم انه لم يسترجع كامل صحته بعد. ولكننا لم نشعر بالساعات وهي تمر، وكذلك كنا مضطرين أن نطلب منه موعداً أخر لنكمل ما بدأنا من حديث عن ذكريات الوطن والنضال ، والذي طرحه لنا بروح المتخصص في التاريخ ، والمتشبع بأفكار اليسار التي تأثر بها في بداية حياته، كان يجيب على كل أسئلتنا بكل رحابة ، لم يغب عن باله الوطن وطلابه ، ولهفته للعودة اليهم ، وكذلك لمواصلة عمل كثير ما زال يشعر انه لم ينجزه ، الهاتف لم يتوقف من طلبته في العراق للاطمئنان عليه.
في النهاية حظينا معه بهذا اللقاء ، والذي حرصنا في أسئلتنا الموجهة اليه ان تكون غير مطروق ِ سابقاً ، في اللقاءات الكثيرة التي أجريت معه ، وإنما مكملة لها.

بداية الاستاذ كمال في سطور:

– ولد الدكتور كمال مظهر احمد الحاج رسول في قرية اخجلر، ناحية تابعة للواء كركوك سنة 1937 من أسرة كوردية تنتمي الى عشيرة سيوكان ، كان والده ضابط شرطة ، وكان ترتيبه الاول بين اخوته.
– أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدينة السليمانية
– أنهى دراسته الثانوية سنة 1955 في المدينة نفسها
– دخل دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) ببغداد وتخرج فيها سنة 1959، حاصلاً على البكالوريوس في التاريخ بمرتبة الشرف.
– سافر الى الاتحاد السوفيتي لإكمال دراسته العليا وحصل على الدكتوراه سنة 1963 من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية. وكتب اطروحته في القضية الكردية بين أعوام 1918 – 1932 على أساس تحليلي ، وبالاعتماد على كم كبير من المصادر الأصيلة بمجموعة من اللغات، طبعتْ اطروحته تلك في كتابٍ مستقل باللغة الروسية سنة 1967، قومته مجلة “دراسات شرق أوسطية” اللندنية في عددها الثاني عام 1968 عالياً
– واصل الدراسة للحصول على دكتوراه ناؤوك من المعهد ذاته سنة 1969 وهي أعلى شهادة معروفة في الاتحاد السوفيتي آنذاك.
– عاد الى العراق وعمل مدرسا في قسم التاريخ بكلية الآداب ورقي إلى مرتبة الأستاذية سنة 1981 .
– أعيرت خدماته الى المجمع العلمي الكردي وشغل منصب الأمين العام ومساعد رئيس المجمع للشؤون العلمية بين سنتي 1971- 1975
– اشرف على العديد من الاطروحات والرسائل الجامعية
– له مؤلفات كثيرة في اللغات العربية والكوردية والروسية ومنها:

• كردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى ( طبعتان 1977 ـ 1984 )
• ثورة العشرين في الاستشراق السوفيتي 1977
• اضواء على قضايا دولية في الشرق الأوسط 1978
• دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقية 1978
• النهضة 1979
• الطبقة العاملة العراقية 1981
• ميكافيلي والميكافيلية 1984
. دراسات في تأريخ ايران الحديث والمعاصر 1985
• صفحات في تاريخ العراق المعاصر، دراسات تحليلية 1987
• كركوك وتوابعها : حكم التاريخ والضمير ، الجزء الاول 2004
. له كتب عدة منشورة باللغة الكردية.
. ترجم كتاب أ . شامليوف ” حول مسألة الاقطاع بين الكرد” من اللغة الروسية الى اللغة العربية.
. نشر مئات المقالات والبحوث العلمية باللغات الكردية والعربية والروسية.
. تُرجم العديد من مؤلفاته الى اللغات الانكليزية والفرنسية والارمنية والفارسية والتركية.



س: لديكم مؤلفات كثيرة لها قيمة تاريخية استثنائية، خصوصاً مؤلفكم “كركوك وتوابعها”، بالرغم من اهميته الكبيرة لم يحظ كتابكم الاخير بالانتشار الواسع، مع العلم يجري حالياً نقاش واسع حول مستقبل كركوك، هل هناك وسيلة لنشر هذا الكتاب بصورة تفضي الى اطلاع جمهرة المثقفين العراقيين وغيرهم على مضمونه؟.
ج : بدأتُ بالنشر باللغتين العربية والكردية وأنا طالب في مرحلة البكلوريوس بقسم التأريخ في كلية دار المعلمين العالية – جامعة بغداد . أهم ما نشرته في تلك المرحلة هو مقال تأريخي يبين كردستانية كركوك وتوابعها ، والذي نُشِرَ في ست حلقات على صفحات جريدة “الأهالي” الناطقة بأسم “الحزب الوطني الديمقراطي”.
دَشّنتْ حياتي في الاتحاد السوفيتي في ستينيات القرن الماضي مرحلةً جديدة في مضمار النشر بالنسبة لي، فلم يمضٍ على وجودي هناك سوى نيفٍ وعامين عندما طرقتُ أبواب النشر في عددٍ غير قليل من المجلات الأكاديمية المعروفة هناك، من قبيل مجلات ” آسيا وأفريقيا اليوم” و” وشعوب آسيا وأفريقيا” و” شعوب الشرقين الأدنى والأوسط” بل حتى في جريدة آذربيجان السوفيتية المركزية “العامل الباكوي” ونُشِرَ أول كتابٍ لي عام 1967 هناك أيضاً، كما إشتركتُ مع مجموعةٍ من المستشرقين السوفيت في تأليف عددٍ من الكتب. تركزت دراساتي باللغة الروسية على معالجة جوانب مختلفة من تأريخ الكرد والعراق والشرق الأدنى الحديث والمعاصر، حاولت فيها إماطة اللثام قدر المستطاع عن جوانب غامضة ، أو مشوهة من ذلك التأريخ على أساسٍ تحليلي ، وبالاعتماد على مصادر أصيلة، وبما أنٌ للكُردِ حصة الأسد من حيث تشويه أهم صفحات تأريخه القديم والوسيط والحديث والمعاصر لذا اصبح لزاماً عليٌَ أنْ أُناقش مختلف جوانب هذا الموضوع الحساس بعيداً عن العاطفة، وبأسلوبٍ يخدم جماهير الكرد وجميع شعوب المنطقة الأُخرى دون إستثناء.
حظي الجزء الأول من كتابي ” كركوك وتوابعها، حكم التأريخ والضمير، دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق” بأهتمام منقطع النظير من جميع الأطراف ، ومن أجل التوضيح أُشير الى بعض الحقائق التي تنطوي على مغزى عميق بهذا الصدد ، منها أن عدد المطبوع من الكتاب بلغ عشرة الآف نسخة نفد جميعها في غضون أيامٍ معدودات، وزع شخص الاستاذ جلال الطالباني أولى نسخه بيده على أعضاء مجلس الحكم في حينه كما أبلغني بذلك الدكتور محمود عثمان. أما الاستاذ مسعود البرزاني فقد قال لي شخصياً ، وبحضور الاستاذ فؤاد عارف ، إنه يعتبر الكتاب أفضل هدية يقدمها لضيوفه الاجانب من دبلوماسيين وصحفيين، كما قوٌمتْ الصحافة العراقية، العربية منها والكردية، الكتاب عالياً ، فضلاً عن كل ذلك تُرجم الكتاب الى اللغة الانكليزية ، وفوجئت بترجمته الى اللغة التركية في تركيا نفسها، مما كان مدعاة غِبطتي دون حدود، مع العلم لم تطلب دار النشر التركية موافقتي بصدد نشر الكتاب. حالياً تنشر صحيفة “بدرخان” الترجمة الكردية للكتاب على شكل حلقاتٍ تُجمع بدورها في كتابٍ لاحقاً.
في الواقع إنني فوجئتُ هنا، في إنكلترا، عندما علمت أن جميع المثقفين الكرد سمعوا بصدور كتاب “كركوك وتوابعها” دون أنْ يطلعوا عليه، مما حزٌ في نفسي كثيراً. حتماً أن جانباً كبيراً من وزرِ ذلك يقع على عاتقي دون ريب ذلك لأنني لم أستَغِلْ فرصة إمكانية وضع مؤلفاتي على موقعٍ خاصٍ بيٌ على الأنترنت . لكن ذلك لا يعفي القارئ الحصيف البته من مسؤوليته، إنني في خريف عمري أبذلُ المستحيل من أجلِِِ الحصولِ على كلِ ما يهمني، فكيف ينبغي أنْ يكون الأمرُ بالنسبة للشباب الكردي المتحمس في الغربةِ، ممن التقيتُ ، لحسن الحظ، العديد منهم في مانجستر.

س: كيف تقوم في الظرف الراهن التوجهات الانفصالية بدوافع قومية للشبيبة الكردية؟
ج: أعتقد لا يوجد شخص ديمقراطي حقيقي واحد على وجه البسيطة لا يُقِرْ حق تقرير المصير للشعب الكردي حاله في ذلك حال بقية شعوب الدنيا، كما لا أشك في أن كل كردي أصيل يحلم بأن تكون له دولته، مما يُعّدُ حقاً مشروعاُ لا يدخل ضمن ما يُعرف بالتوجه الأنفصالي الذي طالما يُوصٍمْ المتعصبون الشوفينيون الكُرد به دون وجهِ حقْ، كونهم ينظرون اليهم ، والى حقوقهم من علٍ وكأنهم مواطنين من الدرجة العاشرة. لا يخامرني الشك بأن الكرد عموماً يتصرفون بأسلوبٍ عقلاني مع هذا الموضوع الحساس وإفرازاته، الأمر الذي يحس به المتتبع بوضوح في تصريحات المسؤولين الكرد ومواقفهم، كما في إستقبال كردستان الحافل لآلافٍ مؤلفة من الأخوة العرب الذين وجدوا في المنطقة أفضل وأقرب ملاذٍ آمنٍ لهم، ولأُسرهم.

س: كيف تنظر الى إهمال المؤرخين العرب لتأريخ الشعب الكردي؟
ج: ينطبق ذلك على المؤرخين المتعصبين وحدهم ، خصوصاً في ظل النظام السابق الذي حاول حثيثاً تشويه صفحاتٍ مهمة من تأريخ الكرد . يقابل ذلك عددٌ غير قليل من المؤرخين المعروفين العرب العراقيين الذين برزوا في العهد الملكي ممن أَولوا في أشهر مؤلفاتهم تأريخ الكرد قدراً من إهتمامهم ، يأتي في المقدمة منهم المؤرخان عبدالرزاق الحسني صاحب “تاريخ الوزارات العراقية” ، وعباس العزاوي صاحب “تأريخ العراق بين إحتلالين”. وبعد إنهيار النظام خطط قسم التأريخ في كلية الآداب بجامعة بغداد لتجاوز هذا الخللْ، وقد كُلفتُ شخصياً بالقاء محاضرات عن القضية الكردية على طلبة الدراسات العليا. لدي عتبٌ كبير بهذا الصَدَدْ على المنتمين الى النخبة العربية الذين يجهلون كُلّ ما يتعلق بتأريخ الكرد الى حد ٍ كبيرٍ للغاية، يُستثنى من ذلك فقط عددٌ قليل من التقدميين العرب ممن يُقدِرون بصورة واقعية مدى أهمية وضرورة الأهتمام بكل ماهو كردي من أجلِ تعزيز أواصر الأخوة بين الشعبين العريقين. ولا أبالغ قطعاً حين أؤكد أن الكرد يأتون على رأسِ قائمة شعوب المنطقة من حيث خدماتهم الجليلة التي قدموها لبناء الحضارة العربية – الاسلامية وتطويرها، وقوليَ هذا يستند الى حقائق تأريخية ثابته ، فضلاً عن تحليلٍ موضوعي وجد طريقه الى العديد من دراساتي المنشورة ومحاضراتي المسجلة.
إذا كان هذا حال المؤرخين العرب العراقيين فكيف تتصورين أن يكون حال المؤرخين العرب غير العراقيين.
يحضرني هنا ما قاله الشاعر الفلسطيني التقدمي معين بسيسو عن صلاح الدين الأيوبي الذي جعله إنتصاره بطلاً عربياً في نظر المتعصبين العرب الذين كانوا يُعِدونه “كلباً كردياً حقيراً” لو إنقلبت الآية وإندحر الشخص نفسه أمام الغزاة الصليبيين. مع ذلك ظهرت بعض بوادر الاهتمام العربي بالتأريخ الكردي، مما لاحظته في مؤتمر : ” العلاقات العربية – الفارسية.  الوضع الراهن وآفاق المستقبل” الذي عقد في الدوحة أواسط تسعينيات القرن الماضي، ولاحظته أيضاً في مؤتمر تأريخي علمي آخر عقد في مطلع سبعينيات القرن الماضي أيضأ، وإن نسيت فأنني لن أنسى أبداً طروحات الباحث اللبناني المرحوم يوسف إبراهيم يزبك في المؤتمر الاخيروالذي أعجبتُ غاية الاعجاب بكتابه ” النفط مستعبد الشعوب” الذي نشره في العام 1934، وقرأته بأمعان وأنا طالب في مرحلة الدكتوراه. كم أتمنى أن يعاد طبع هذا الكتاب القيم الذي قلّ نظيره في المكتبة العربية.

س: نَرغب، إنْ أمكنْ ، أن تُطلعوا القراء رأيكم في الدراسات الموجودة عن تأريخ الكرد، بما في ذلك تأريخ الكرد الفيليين.
ج: تأريخ الكرد عموماً، وتأريخ الفيليين منهم خصوصاً بحاجة الى سلسلة من الدراسات العلمية العميقة . صحيح أن العديد من المؤرخين الكرد (شرفخان البدليسي ، محمود البايزيدي، محمد أمين زكي، حسين حزني الموكرياني، رشيد ياسمي، الدكتور جمال رشيد وغيرهم)، وكذلك الأجانب (مينورسكي، نيكيتين،لونگریگ، سافراستيان، ڤیلچیڤسکی، خالفين، ڤاسيليڤا وغيرهم) القوا الضوء على جوانب شتى من تأريخ الكرد، بضمنهم الفيليين، إلا أن الميدان لا يزال مفتوحاً على مصراعيه أمام الأقلام الرصينة لتُدلي بدلوها في هذا المضمار المهم. أود أنْ أؤكد هنا على أن الفيليين يؤلفون واحداً من أعرق مكونات الشعب الكردي، وهم أغلب الظن يكونون السكان الاصليين لأجزاء واسعة من كردستان الجنوبية- الشرقية، وأشير بالمناسبة الى أن الفيليين كانوا من أولى ضحايا النظام الدكتاتوري ، إذ إستُشهدَ المئات منهم، كما هُجّرَ الآلاف غيرهم بحجج واهية، وهم عانوا جُلَّ ما عانوه بسبب إنتمائهم القومي قبل أي أعتبار آخر، إذْ لم يَكنْ العنصريون بغافلين عن الدور المتميز الذي أداه الفيليون في صفوف الحركة القومية الكورديةالمعاصرة، مما مهد الطريق أمام العديد من المنتمين الى نخبتهم ليتبوأوا أرفع المواقع في الصفوف القيادية للحركة تلك. ولا يخلو من مغزى بالنسبة لي على الاقل أن أُشير هنا إلى أن أحد أوفى وأعز طلابي هو عصام كاظم الفيلي الذي قلّ نظيره في الدنيا، فهو يحظى بحبِ وثقة الجميع دون أدنى مبالغة،إنه سريع البديهة بشكل عجيب، كنتُ أتمنى مخلصاً أنْ يكون أحد ممثلي الكرد في مجلس النواب، وهو الآن طالب دكتوراه في جامعة المستنصرية بعد أن نال الماجستيربأمتياز بكل جدارة، وقد كرّس رسالته تلك لموضوع حيوي هو الدور السياسي للنواب الكرد في عهد الملك فيصل الأول وقد أنجزها بأشرافي ، اتمنى أن تَجدْ رسالته تلك طريقها الى الطبع قريباً، ولا يخامرني الشك أن يختار عصام الفيلي لاطروحته لنيل الدكتوراه موضوعاً حيوياً آخرمن تأريخ بني قومه.

س: ماهو موقفكم من دراسة سيرة الشخصيات التي أدت دوراً ملموساً في صنع تأريخ العراق المعاصر؟
ج: لا شك في أن الجماهير هي صاحبة التأريخ الأولى ، فلولاهالما تمكن الفراعنة من بناء الاهرامات المصرية، بل لا يخلو التأريخ من نماذج معبرة لقادة كبار ظهروا في صفوف الدهماء ، قادوا الجماهير بكل جدارة ، منهم سبارتاكوس الذي يحتل إسمه في كتب التأريخ وموسوعاته موقعاً لا يقل شأناً عن موقع معظم القادة الاخرين، ولكن ذلك لا يعني إنكار دور الفرد المدرك لمهمات المرحلة في خلق الحدث التأريخي، وليس بالضرورة أنْ يكون مثل هذا الدور إيجابياً في كل الاحوال، فهناك من قادة مَن يبني ويُعّمِرْ، وهناك منْ يخرب ويدّمِرويحرق الحرث والنسلْ.  إنعكست هذه القناعة الفكرية في كل كتاباتي التأريخية، وفي جميع رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه التي أشرفتُ على إنجازها، أو ناقشتها، وهي مُكرسة لدراسة سيرة شخصيات أدتً دوراً متميزاً في صنع تأريخ العراق الحديث والمعاصر من أمثال الملك فيصل الأول ونوري السعيد وكامل الجادرجي ومحمد رضا الشبيبي والعقداء الاربعة ورشيد عالي الكيلاني وحكمت سليمان، وتم نشر معظم تلك الدراسات في كُتب مستقلة داخل العراق وخارجه على نطاقٍ واسع بسبب إقبال القراء عليها، مما إستوجب إعادة طبع بعضها. مع ذلك يبقى المجال مفتوحاً في هذا الميدان الحيوي، وبعد إنهيار النظام الدكتاتوري ظهرت إمكانياتٌ إضافية تفسح المجال لدراسة تأريخ حياة شخصياتٍ مهمة من أمثال عبد الكريم قاسم والعديد من قادة اليسار العراقي وغيرهم.

س: نودْ أن تتحدث لنا عن مؤلفاتك المنشورة ، وعن مشاريعك الحالية في مضماري التأليف والنشر.
ج: مؤلفاتي المطبوعة باللغات الكردية والعربية والروسية غير قليلة ، كما لدي بحث موسوعي منشور عن العنازيين الكرد باللغة الأنكيزية، وترجم العديد من مؤلفاتي الى اللغات الانكليزية والفرنسية والارمنية والفارسية والتركية. لدي دراسات أخرى حال مرضي دون إنجازها ، اهمهابقية أجزاء كتابي عن كركوك، وكتاب جدلي عن عوامل إنهيار الاتحاد السوفيتي، الموضوع الذي القيتُ محاضرات عدة عنه داخل العراق وخارجه. قوّمتْ أوساطٌ علمية وصحفية مختلفة مؤلفاتي سواءً داخل العراق أم خارجه وبشتى اللغاتْ، كان آخرها الموضوع الذي نشره في مجلة “علوم إنسانية” الاستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف، وهو أستاذ معروف يعمل في جامعة الموصل ، وقد زودتيني حضرتك مشكورة بنسخة منه هنا في مانجستر. وقد الف أواخر الثمانينيات من القرن الماضي الاستاذ سيامند عثمان رسالة ماجستير باللغة الفرنسية في جامعة سوربون ناقش فيهأ طروحاتي بصدد المذابح الأرمنية . بالمقابل إنتقد عددٌ من الاساتذة بشدة مؤلفاتي ، مما يدخل في سياقٍ عام لا خاص ، مع ذلك يحز في نفسي كثيراً أن جانباً من تلك الأنتقادات صِغتْ بأسلوب عاطفي، غير موضوعي من أناسٍ أُكِنْ لهم شخصياً إحتراماً عميقاً، في كُلِ الأحوال أتركُ تقويم ذلك للقراءِ والتأريخ.

س: مر أكثر من ستة وثمانين عاماً على معاهدة سيفر، التي أبرمت في 10 آب عام 1920م، وكانت ثمرة نضال شعبنا الكوردي طوال القرن التاسع عشر، كما جاءت المعاهدة كأحد أبرز نتائج الحرب العالمية الأولى وترجمة لانعكاساتها الجيوسياسية على منطقة الشرق الأوسط، حيث اتفق بموجبها الحلفاء المنتصرون مع حكومة استنبول المؤقتة على مجموعة من البنود يتم على ضوئها ترسيم الحدود وتنظيم بنية ما تبقى من نواة “الإمبراطورية العثمانية”، ومن أهم تلك البنود والنصوص بالنسبة لنا هو ما يتعلق باقتراح الحلول المناسبة للمسائل القومية عموما والمسألة الكوردية على وجه الخصوص.
حيث وضعت المعاهدة الأسس القانونية لحق تقرير المصير للشعب الكوردي وحق سيادته السياسية على ارض كوردستان مع تامين حقوق الأقليات داخل المناطق الكوردية وذلك بإشراف دولي متمثلا في حينه بعصبة الأمم. ان معاهدة لوزان التي الغت معاهدة سيفر، كانت تحتوي على بنود بموجبها تلتزم هذه البلدان بضمان حقوق كافة الاقليات بضمنهم الكرد. ولكن واقع الحال وعلى مر 9 عقود تثبت عكس ذلك.
فهل لكم ان توضحوا لنا تلك البنود التي لم تلتزم بها هذه الدول؟ و انطلاقاً من عدم التزام هذه الدول بتلك البنود هل هناك أمكانية العمل بجد من اجل خلق مناخ إقليمي ودولي لعقد مؤتمر متعدد الأطراف لإحياء معاهدة سيفر وبث الروح في أوصالها من جديد؟ واعتبارها أساسا نظريا للحل، اخذين بعين الاعتبار الوضع الدولي والتطور العام للمجتمعات البشرية، وبالتالي الإقرار بحق تقرير المصير السياسي لشعب كوردستان وتحديد شكل علاقته الطوعية مع الدول التي تقتسم أرضها من اجل وضع حد لمعاناة الشعب الكوردي. ولكون هناك مسؤولية مباشرة لأوربا في مأساة شعب كوردستان، حيث الدول المنتصرة في الحرب الأولى وخاصة بريطانيا وفرنسا وروسيا هما شركاء حقيقيون للدول التي تقتسم كوردستان اليوم وتضطهد الشعب الكوردي، لذا عليها الان التزام أخلاقي لتصحيح ما حدث.
ج:سؤالك هذا يكاد يكون مقالة رصينة عن ” معاهدة سيفر” سبكاً ومضموناً والموضوع يستحق ذلك فعلاً ، وهو يصلح أن يكون عنوان رسالة ماجستير إن لم يكن أطروحة دكتوراه. بحكم الاختصاص تطرقت الى موضوع “معاهدة سيفر” مراراً في مؤلفاتي ، وبعد عودتي الى العراق خصصت إحدى مقالاتي المبكرة لموضوعها، نشرتها في مجلة ” الثقافة الجديدة” التي كانت من أرصن المجلات العراقية يومذاك ، وكان للمقالة صداها الواسع ، خصوصاً بين المثقفين الكرد.
في كل الاحوال يؤشر ورود مصير الكرد وكردستان في واحدة من أهم معاهدات الصلح التي وُقِعَتْ على إثر إنتهاء أول حربِ عالمية في التأريخ ، الى أهمية القضية الكردية بوصفها واحدة من القضايا التي يُساعد حلها، ضمن مجموعة من القضايا العالمية المعقدة الأخرى، على ضمان السلم والأستقرار للحؤول دون نشوب مأساة أخرى من قبيل الحرب العالمية الأولى . فعلى هذا الأساس كُرّس القسم الثالث برمته للقضية الكردية في سياق ثلاث مواد مركزة.
في كل الاحوال لا يمكن ، ولا يصح عزل القضية الكردية عن إفرازات العلاقات بين الدول الكبرى في أي مرحلة تأريخية . من هذا المنطلق ينبغي انْ نعيد الى الأذهان مجموعة من الأحداث الشرق أوسطية والعالمية التي إنعكست إفرازاتها على القضية الكردية عموماً، ومضمون مواد سيفر المخصصة لها خصوصاً ، يأتي في المقدمة منها إنتصار أول ثورة إشتراكية على حدود كردستان مباشرة في العام 1917 التي غيرت الموازين ، وتناسب القوى على الصعيد الدولي جذرياً. لديّ بهذا الخصوص طرح فكري قد يبدو غريباً الى حد كبير، خلاصته أن ثورة اكتوبر في روسيا جلبت الخير للجميع بأستثناء الكرد بغض النظر عن توجهات قادتها وقناعاتهم الفكرية، وللاستدلال يكفي، في سياق قناعتي أيضاً ، أنْ أشير الى ان عمال أعتى الدول الرأسمالية إستفادوا من الثورة تلك لانهم بدأوا لأول مرة في التاريخ يتمتعون عملياً بحق ساعات العمل اليومي لمدة ثمان ساعات بعد أن تم سن قانونه قبل ذلك التأريخ بسنوات، كما ان الرأسماليين أنفسهم بدأوا يتعاملون مع ظواهر الحياةالسياسية بصورة واقعية لم يسبق لها مثيل في التأريخ.
أسهمت ثورة أكتوبر في الوقت نفسه في تعزيز أبعاد اليقظة العارمة التي عاشتها شعوب الشرق، مما مهد الطريق الى تسريع سقوط العثمانيين والاتحاديين معاً ليحل محلهما الزعيم القومي التركي الطموح مصطفى كمال أتاتورك ، الصورة التي تكررت في ايران بأنتقال السلطة الى رضا شاه بهلوي الذي لم يقل طموحاً عن أتاتورك، والذي تمكن من القضاء على الحكم القاجاري المتهرئ.
جعلت هذه المتغيرات من ” معاهدة سيفر” مجرد ورقة ميتة، الأمر الذي ينطبق بصورة خاصة على موادها المتعلقة بالقضية الكردية ، مما يبدو واضحاً من خلال صياغتها الطافحة بأذا الشرطية. مع ذلك علقتْ الأوساط القومية الكردية آمالاً جساماً على سيفر التي غدت إسماً عزيزاً يطلقها الآباء على بناتهم، من ذلك، على سبيل المثال، الكاتب الاربيللي الساخر محمود زام دار.
للاسف الشديد يمكن القول أن المستفيد الأول من إنهيار الاتحاد السوفيتي كان الشعب الكردي، لان التناسب الجديد للقوى على صعيد الدولي جعله رقماً بوسعهِ أنْ يؤدي دوراً ملموساً على صعيد الشرق الأوسط – قلب العالم النابض ، وتبقى المعادلة، مع ذلك ، معقدة مما يتطلب التعامل معها بذكاء وحذر. تجعل هذه الحقيقة بحد ذاتها من موضوع عقد مؤتمر لدراسة تجربة سيفر ضرورة علمية وعملية في آنٍ واحد . أرى من المفيد أن أشير بالمناسبة الى أن مؤتمراً مصغراً لما تطالبين به قد تم عقده أواسط تسعينيات القرن الماضي في باريس، وتحديداً في القصر الذي نوقشت فيه “معاهدة سيفر” قبل ذلك التأريخ بحوالي سبعين عاماً، وقد حضرته شخصياَ، من الضروري متابعة هذا الموضوع عن طريق الاتصال المباشر بالمستشرقَيْنْ الدكتورة جويس بلو والدكتور فان برونسن لان مؤتمرسيفر عقد بمبادرة مخلصة منهما، ولا يخامرني الشك في انهما يمدان لك يد المساعدة الضرورية لانجاز مشروعك المقترح.

س:ما هو رأيكم في الشخصيات الكردية التي أثرت على وضع الكرد سلباً وأيجاباً؟
ج: حسب معلوماتي قلما ظهرتْ شخصيةٌ كردية بارزة أدتْ دوراً سلبياً في تأريخ كردستان الحديث والمعاصر، ذلك لأن الشوفينيين إستهدفوا الكرد وكلّ ما هو كردي دون إستثناء، مما حدّ من التناقضات الداخلية على حساب التناقضات الخارجية داخل المجتمع الكردي الى أقصى درجة. لذا فأن “جاشايه تي” ( العمالة) بين الكرد بحاجة الى دراسة تحليلية تأخذ جميع الظروف والمؤثرات والأفرازات بنظر الأعتبار، الموضوع الذي وضعتُ الخطوط الأساسية لدراسته، كما بينت رأيي بصدده في العديد من المقابلات التي أُجريت معي في السنوات الاخيرة ، بما في ذلك بعض المقابلات التي أجراها معي عددٌ من الأخوة هنا في انكلترا.

س: نريد تقويمكم لاتفافية الحادي عشر من آذار عام 1970، وموقعها الحقيقي في ميزان تأريخ العراق المعاصر.
ج: أتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 تمثل نقطة تحولٍ مهمة في العهد الجمهوري، كان بالامكان أنْ تتحول الى مصدرٍ خيرٍ للبلد بأسره لو خًلُصَتْ النياتْ. لولا الآمال الجسام التي علقتها شخصياً على الاتفاقية المذكورة لما كنتُ أرجع الى العراق، فقد تزامن صدور البيان مع حصولي على شهادة الدكتوراه الثانية لي ، فحزمتُ أمتعتي في آيار 1970 ورجعت الى الوطن، يغمرني فرحٌ كبير، ويحدوني أملٌ غير محدود سُرعان ما تبدد كلاهما بسبب الأخطاء القاتلة التي إرتكبها النظام تِباعاً ، كان أفظعها قاطبةً تقديم تنازلاتٍ مشينة لنظام الشاه، الامر الذي لم يَقدِمْ عليه العثمانيون والانكليز والعهدان الملكي والجمهوري من قَبلْ. كان من شأنِ تطبيق إتفاقية آذار أنْ يجنبَ العراق الكثير من الويلات لتتحول الأتفاقيةُ بفضل ذلك الى عنصرٍ مهم لتحقيق الأستقرار في البلاد ، ولتعزيز القدر المتبقي من القوى والتوجهاتْ الديمقراطية فيها. المعادلة هنا واضحة من حيث الأسباب والنتائج ، فأنّ الشوفينيين الذين إنحصر الحل والربط بين أيديهم فضلوا، عن قصر نظرٍ فريدٍ في بابه، التنازل للأجنبي على الأستجابة للحقوق المشروعة لجزءٍ حيوي من الشعب العراقي.

س: لا أخفي عليكم إننا فوجئنا ، بل إستغربنا غاية الأستغراب حينما علمنا أن هذه أول زيارة تقومون بها الى انكلترا، مما يوحي لنا بالاستفسار عن إنطباعاتكم سلباً او إيجاباً عن هذه البلاد.
ج: أعتقد أن الشرقيين عموماً يتوقون الى زيارة إنكلترا قبل أي بلد أوربي آخر، أما بالنسبة لشخصٍ مثلي فأن الأمر غدا حلماً كبرَ مع كل مصدرٍ إطلعت عليه، بل ومع كل حرفٍ وجدَ طريقه الى يراعي. وعندما قُدرَ لي أنْ ألقي على مدى سنوات طوال منذ سبعينات القرن الماضي محاضراتٍ عن تأريخ أوربا الوسيط والحديث على طلبة البكلوريوس ومن ثم على طلبة الدراسات العليا إطلعت بصورة أفضل على تأريخ إنكلترا ودورها الأقتصادي والفكري المتميز مما زاد من تعلقي بتلك البلاد ، ومن حلمي لزيارتها، وفعلاً عندما أتيحت فرصة التفرغ العلمي لمدة عام كامل تقدمت مع زميلينهما كل من الدكتورة نسرين فخري والدكتور عزالدين مصطفى رسول من الأساتذة الكرد للتمتع بذلك، فأختارت الدكتورة نسرين الولايات المتحدة الامريكية والدكتور عز الدين الاتحاد السوفيتي وأنا إنكلترا يحدوني أملٌ كبير للاطلاع عن كثب على وثائق خارجيتها، وتطوير لغتي الانكليزية، لكني كنتُ الوحيد من بين عشرات الاساتذة حرمتني وزارة التعليم العالي من حق التمتع بذلك التفرغ. هكذا كان أمر حرماني من المجئ الى إنكلترا خارج إرادتي، نجم عما ساد البلاد من ظروفٍ غير طبيعية، ومع ذلك من الأفضل أن يحدث الامر متأخراً من أن لا يحدث أبداً حسب المقولة الشعبية الروسية الشائعة.
صحيح أن تحقيق حلمي ذاك ترافق مع ظروفي الصحية المتردية، الا أن ما شاهدته في هذه البلاد جسدتْ أبعاد ما كنت أعرفهُ عنها نظرياً على أرض الواقع عملياً. إن الشئ القليل الذي شاهدته حتى الان تجمع ، كما توقعتْ، بين أفضل ما في النظام الرأسمالي جنباً الى جنب نقيضه. وحسبما أتوقع أن توني بلير يدخل تأريخ هذا البلد والدبلوماسية العالمية من أوسع أبوابهما، فهو لا يقل شأناً عن ونستن شرشل، وهناك شبه كبير بين مصير الرجلين، فقد وافى الأجل الأول وهو بعيد عن كرسي الحكم الذي تبوأه بجدارة في أحرج لحظات تأريخ بلاده والعالم المعاصر.

س: هل سقطت بغداد أم النظام يوم التاسع من نيسان سنة 2003؟
ج : سقط نظامٌ معزولٌ ومنخورٌ من أساسه حتى قمةَ رأسه!

مانجستر
شباط 2007 

2 تعليقان

  1. السلام عليكم ورحمة وبركاته
    اعجابي وتقديري بالمؤرخ العظيم الدكتور كمال مظهر أدام الله في عمره ومنحه الصحة والعافية أتمنى لو يقبلني صديقا وطالبا
    في التأريخ , وله مني أسمى آيات الأعجاب والمحبة .

  2. بسم الله الرحمن الرحيم
    أضم صوتي مع المعلق كمال داعيا من العلي القدير الصحة وارجوا من الباري عز وجل ان يمنحنا فرصة اللقاء بهذا الاستاذ المبجل لنشم من عبق رحيقه ونتذوق من طعم نبعه الوارف الظل ونشبع ولوجزءا يسيرا من علمه الشامخ في علا التاريخ العظيم
    ونحس بدفىء الأحداث الأقدمين المنسوجة من بين انامله الرقيقة ويراعه لألىء الماضي
    التليد والله هو الرحمن الرحيم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *