الرئيسية » مقالات » الدكتور برهان غليون ومشروع الشرق الأوسط

الدكتور برهان غليون ومشروع الشرق الأوسط

بناء على الدعوة التي وجهتها رباطة الإعلاميين العرب في برلين في موسمها الثقافي الجديد, قدم الشخصية السياسية العلمانية وعالم الاجتماع الديمقراطي الأستاذ الدكتور برهان غليون محاضرة قيمة حول “أزمة الشرق الأوسط”. وقد أدار الأخ الدكتور حامد فضل الله المحاضر وقدم كلمة برّز دور الأستاذ في العملية الفكرية والمعالجات المدنية والسياسية التقدمية في المجتمع العربي وأهمية دوره في التحليل السياسي والاجتماعي للمشكلات العربية بهدف الخروج من المحنة والأزمة التي تعني منها المنطقة العربية.
كرس المحاضر مداخلته لمعالجة ثلاث قضايا في موضوع الأزمة, هي: طبيعة الأزمة, وأسبابها, واحتمالاتها, وسبل معالجتها ديمقراطياً. ولكي يعرج على واقع الأزمة الراهنة استعرض المحاضر ماضي الأزمة العربية وانهيار المشروع القومي العربي من جهة, واحتضان الغرب للنظم الاستبدادية العربية من أجل إقامة مشروع الشرق الأوسط الاستعماري. وفي المعالجة الفعلية للموضوع أعطى الدكتور غليون ثلثي الوقت المخصص للمحاضرة لهذا الموضوع وثلث الوقت للأزمة الراهنة وسبل معالجتها أو اتجاهات تطورهاً.
وقد أشار إلى أن المشروع العربي ارتبط بفكر النهضة التي ركزت على:
تحقيق الوحدة العربية, ومكافحة الاستعمار وتصفية جذوره, والعداء لإسرائيل وتحرير كل فلسطين .
وأشار إلى أن الحركة القومية قد استخدمت المشاعر والحماس الشعبي والولاء للأفكار القومية حيث لعب عبد الناصر دور الزعيم السياسي المعبئ للجماهير باتجاه المشروع القومي العربي.
وأشار إلى أن فشل المشروع القومي العربي بدأ نهاية الستينات وبداية السعبينات من القرن الماضي وارتبط بهزيمة 1967 وحرب 1973 التي أدت الأخيرة إلى التخلي عن هذا المشروع ابتداءً من مصر وحكم السادات وانعدام وجود المؤسسات الشرعية والتبعية للزعامات, كما اقترن بالطابع الشعبوي وتنامي دور المخابرات والسلطة المطلقة.
هيأ هذا الانهيار للمشروع القومي العربي إلى بروز نظام الشرق الأوسط الجديد الذي حل محل مشروع الشرق الأوسط الذي طرح للمنطقة في الخمسينات من القرن الماضي, والذي سماه بمشروع الاستعمار الجديد. ويرى أن مشروع الشرق الأوسط الجديد يهدف إلى كسر المشروع العربي عبر خمس نقاط هي:
1. ردع الجماهير وإعادتها إلى بيوتها بدلاً من الشوارع, أي محاولة القضاء على الحركة الشعبية وتعزيز التحالف بين النخب الحاكمة في الدول العربية والولايات المتحدة, وبالتالي إعادة إنتاج العلاقات القديمة بدلاً من تغييرها.
2. الحفاظ على النظم المستبدة القائمة في الدول العربية دون تغييرها.
3. دعم إسرائيل وتكريس وجودها وتفوقها العسكري وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة, والعمل من أجل تطبيع علاقاتها مع الدول العربية.
4. غياب أو تغييب فكرة الوحدة العربية والوطن العربي.
5. التدخل العسكري المستمر في المنطقة للحفاظ على وجهة الأهداف المشار إليها في النقاط الأربعة.
وبالتالي فأن النظام الإقليمي الشرق الأوسطي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة والغرب عموماً هو شبه استعماري. ويرى الزميل غليون بأن الولايات المتحدة فشلت في فرض هذا النظام الإقليمي للأسباب التالية:
• لم ينجح الإسرائيليون في خنق الانتفاضة.
• فشلها في دعم النظم العربية وبروز فساد منقطع النير في هذه النظم.
• بروز معارضة إسلامية بعد فشل المشروع القومي العربي يستند إلى قاعدة شعبية وعداء للغرب والنظم الحاكمة في الدول العربية في آن واحد.
• محاولة الإدارة الأمريكية تقليص دعمها للنظم العربية بهدف إنقاذ مشروعها الشرق أوسطي.
• فشلها في العراق بشكل مطلق وفي الضغط على النظم العربية, كما فشلت إسرائيل في تحقيق النصر في لبنان. واعتبر ذلك نكسة استراتيجية لإسرائيل ومعها الولايات المتحدة. ولهذا يرى أن البلدين في حيرة من أمرهما, وبالتالي فهم يسعيان إلى الهروب إلى أمام باتجاهين:
1. إما شن الحرب مباشرة ضد إيران بحجة منعها من إنتاج السلاح النووي,
2. وإما احتمال زج دول الخليج في الحرب ضد إيران.
ولكن الإدارة الأمريكية لا تطرح البديل الواقعي للتفاوض مع شعوب المنطقة. وأشار إلى أن القوى الديمقراطية ليس لديها بديل تطرحه حالياً. ويرى بأن هذا الوضع يهدد باحتمال سيادة الفوضى بسبب الفراغ الناشئ.
ويرى إمكانية نشوء فرص جديدة تقوم على أساس إقامة نظام أمني لمنطقة الشرق الأوسط وليس للمنطقة العربية, نظام أمني يعتمد شعوب المنطقة, الشعوب العربية في المشرق العربي والشعوب الإيرانية والتركية والكردية, التي تؤسس الشعوب الأساسية في المنطقة, والتي يمكن لهذه الشعوب الأربعة إنشاء نظام أمني إقليمي. وأثناء حديثه عن هذا الموضوع قاطعته سيدة عربية متسائلة وهل إسرائيل تدخل في هذا النظام الأمني؟ فأجاب الباحث بوضوح نعم إسرائيل أيضاً.
ويرى المحاضر بأن مصر عاجزة عن أن تلعب الدور المناسب, وتحل محلها السعودية التي تسعى إلى حل الصراع الداخلي في فلسطين وكذلك في لبنان وتتفاوض مع إيران حول حزب الله والصراع اللبناني.
هذه هي باختصار كبير الأفكار الأساسية التي طرحها الأستاذ غليون. كان الاهتمام كبيراً من جانب الجمهرة الواسعة التي التقت في قاعة المحاضرة وطرحت الكثير من الأسئلة المهمة التي استوجبت من الزميل غليون أن يخوض في تفاصيل جملة من الموضوعات ويطرح ويتوسع في شرح رأيه وتعميق موضوعاته ومنحها ملموسية أكبر.
تسنى لكثرة من الزملاء مناقشة أفكار وموضوعات المحاضر ومنهم السيد الدكتور نبيل بوشناق, رئيس مركز ابن رشد للفكر الحر في ألمانيا/برلين والأستاذ الدكتور جلبرت أشقر وآخرون من مختلف الدول العربية, كما تسنى لي مناقشة الزميل الباحث بعدد محدود من النقاط بسبب كثرة الحضور وكثرة الراغبين في المداخلة. وفي هذه المقالة أحاول أن أشارك بشكل أوسع في تبيان ملاحظاتي حول ما طرح في هذه المحاضرة المحركة للفكر والنقاش الموضوعي التي أملي أن يتسنى للأخ المحاضر الإطلاع عليها.
أود ابتداءً أن اشخص خمسة قضايا مهمة وجديدة تبلورت خلال السنوات الأخيرة في كتابات الدكتور غليون والتي طرحت في مداخلته الرئيسة التي دامت ساعة ونصف الساعة, وأعني بها:
1. تلمسه الواضح والجديد لأخطاء الحركة القومية العربية والمشروع القومي العربي ورؤيتها الشعبوية والعاطفية واستنادها إلى الزعامات الفردية واستبداد النظم التي سميت “ثورية”.
2. تلمسه الواضح بفشل مشروع الوحدة العربية لأنه لم يستند إلى قواعد علمية ورؤية واضحة لواقع الدول العربية, وأن الفيدرالية أو الكونفيدرالية في ما بين الدول العربية التي ربما كانت الأكثر واقعية من شعار الوحدة.
3. اعترافه الواضح بخطأ شعار إزالة إسرائيل ووقوفه إلى جانب وجود دولتين على أرض فلسطين قام التقسيم, وأن أي مشروع أمني إقليمي يفترض أن يشمل إسرائيل أيضاً.
4. تأكيده واقع وجود شعب كردي كبير إلى جانب الشعوب الأخرى الكبيرة في المنطقة, وأن على هذه الشعوب والنظم أن تأخذ ذلك بنظر الاعتبار وتجد السبل لتحقيق التعاون في ما بينه, أي الشعب العربي والشعوب الإيرانية والشعب التركي والشعب الكردي.
5. تأكيده غير الجديد والمهم على المشروع المدني الديمقراطي لكل دولة في المنطقة باعتباره الأساس لكي لا يصبح الإنسان, كما هو الحال حتى الآن, أداة ووسيلة فقط, بل يفترض أن يكون الهدف الأساس والمشارك وضرورة إعادة بناء الإنسان وفكره وقيمه الحديثة.
سأحاول فيما يلي أن أبلور بعض الملاحظات حول الأفكار والموضوعات التي وردت في مداخلة الزميل المحترم الدكتور غليون:
1. لكي أناقش أفكار الأستاذ غليون يفترض أن أكون مطلعاً على كتاباته الأخرى, إذ أن أي محاضرة مهما كان الوقت المخصص لها طويلاً, لا يمكن أن يلم المحاضر بكل المسائل المتشابكة, وخاصة في موضوع المحاضرة المشار إليه. وأدعي أني متابع لكتب وكتابات الأستاذ غليون, وسعيد بدوره الفكر المتميز وحيويته في آن.
2. ومن الناحية الشكلية أرى بان موضوع المحاضرة كان واسعاً ومتشعباً ولا يمكن إنجاز في ثلاث ساعات, بل يحتاج إلى ندوة من يوم واحد على أقل تقدير ليتمكن المحاضر منح الموضوع استحقاقه ويتسنى للمشاركين الحوار معه.
3. أعطى المحاضر وقتاً طويلاً للماضي وخصص وقتاً قصيراً جداً للموضوع الأساس, موضوع الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط, وبالتالي لم يتسن له إعطاء الموضوع جُلّ استحقاقاته.
4. أهمل المحاضر بشكل غير مبرر كل المشاريع الأخرى التي برزت في المنطقة في الأربعينات والخمسينات والستينات للمنطقة العربية على الأقل من القرن الماضي وركز على المشروع القومي العربي, في حين كانت هناك عدة مشروعات إلى جانب المشروع القومي العربي, وأعني بها:
• المشروع اليساري أو الماركسي العربي,
• الشروع الديمقراطي اللبرالي العربي.
• المشروع الأسلاموي الأصولي وتبلوره في جماعة الأخوان المسلمين وحزب التحرير مثلاً.
• المشروع المحافظ الذي مثلته القوى الاجتماعية البرجوازية الوطنية التي كانت تختلف بهذا القدر أو ذاك عن مشروع النخب الحاكمة المرتبطة بالغرب.
• وأخيراً وليس آخراً المشروع القومي العربي الذي طرحته فئات البرجوازية الصغيرة واتخذ اتجاهات مختلفة قومية وناصرية وبعثية على سبيل المثال لا الحصر.
5. كان استعراض المحاضر للقضية الفلسطينية والصراع العربي من جهة, وللدور غير العقلاني للحركة القومية العربية في تخريب أي محاولة للحل السلمي للقضية الفلسطينية من جهة أخرى, والتي كانت تصب عملياً في مصلحة إسرائيل, التي كانت بدورها تتشوق لمثل هذه المواقف المتطرفة لتغوص في يمينيتها وشوفينيتها وتوسعها على حساب الأرض العربية. ونحن جميعاً مدى التوسع الذي حصل لمساحة إسرائيل خلال 58 عاماً تقريباً.
6. ضعف إدانة المواقف العربية إزاء القوميات الأخرى, وخاصة إزاء الشعب الكردي أو القوميات الأخرى, الأمازيغ, جنوب السودان, في إطار الدول العربية وحقها في تقرير مصيرها. وبدا لي أنه اعتراف بوجود الشعب الكردي على استحياء كبير لا يتضمن جرأة العالم الضرورية التي هو معروف بها. وينطبق هذا على أتباع الأديان الأخرى وخاصة الموقف من الأقباط أو الصابئة المندائيين والأيزيدية.
7. ورغم معرفتي بموقفه من القوى الإسلامية الأصولية المتطرفة, إلا أنه لم يضع لهذه القوى مكاناً مناسباً في محاضرته وإدانة الإرهاب الذي تمارسه هذه القوى لإقامة دولة الخلافة الإسلامية, وهو وهم قاتل لا غير. أؤكد أن موقفه العلماني واضح لي ولكن لا يمكن تغافل مواقف قوى الإسلام السياسي عموماً في موضوع يبحث في أزمة الشرق الأوسط وما تمارسه القوى الإسلامية السياسية من تسلط فكري وسياسي على الشارع, وخاصة المؤسسات الدينية ورجال الدين والإرهاب الفكري والسياسي الذي تمارسه ضد الفكر الآخر والرأي السياسي الآخر..
8. إن طريقة طرحه لدور السعودية أثار الكثير من الاستفسارات العادلة, إذ أن السعودية, ورغم وجود تحالف بينها وبين الولايات المتحدة, الذي لا ينفي بروز تناقضات جزئية بين الدول المتحالفة, لا تتحرك في إطار الإدارة الأمريكية وحدها, بل في إطار المصالح الأمريكية التي لا تتبلور بالضرورة في موقف الإدارة الأمريكية الراهنة وحدها, بل بمراكز قوى أخرى هناك وبالتنسيق مع المصالح النفطية المشتركة. وبالتالي فأن الدور الأمريكي لا يجوز إبعاده عن مجمل السياسات والمواقف الأمريكية, ولكنه لا تتوافق بالضرورة مع المواقف الإسرائيلية. إذ أن في مقدور إسرائيل أن تختلف مع الإدارة الأمريكية وتنفذ إرادتها الخاصة ومصالحها الضيقة والشوفينية, في حين لا تستطيع السعودية ممارسة ذلك.
9. لا أشك في إدانة الزميل غليون لنظام صدام حسين الاستبدادي وبقية نظم الاستبداد, ولكن لم تبرز ولا كلمة واحدة عن دور الدكتاتورية في العراق في تشديد أزمة المنطقة وفي الصراع العربي-العربي وفي إثارة القوميات الأخرى والصراع داخل العراق بسبب تجاوزاته الشريرة والفظة ضد الشعب الكردي والمجازر التي نظمها بالضبط في مثل هذا الشهر قبل تسعة عشر عاماً في إقليم كردستان, أي في مجازر الأنفال وقتل وتغييب أكثر من 182 ألف إنسان واستخدام السلاح الكيماوي ضد مدينة حليچة الكردية. كما لا بد من تأكيد أن النظام الصدامي قد تسبب في احتلال العراق عملياً ووفر الحج الكثيرة للحرب الأمريكية.
10. ولا شك في أن فشل مشروع الشرق الأوسط العسكري والاقتصادي القديم للغرب لم يتحقق دون مشاركة كل القوى السياسية في المنطقة العربية من جهة, ودون دور الحرب الباردة وانقسام الدول العربية وتوزيعها على جبهتين: إما مع الاتحاد السوفييتي في هذا الصد, وإما مع الغرب. واستطاعت الحركة الشعبية وثورة تموز 1958 ودور مصر وعبد الناصر القومي التحرري وغير الديمقراطي أن تساهم كلها وغيرها في إفشال تلك المشاريع حينذاك.
11. تسنى لي أن استمع لجزء من محاضرة قيمة للدكتور غليون حول دور رجال الدين ودورهم المهيمن على الوضع في الدول العربية وإيران والصراع الطائفي المنفلت الذي يمكن أن تتوسع دائرته. ولكنه لم يتطرق ولا بكلمة واحدة حول هذا المشروع في إطار الأزمة التي تواجه منطقة الشرق الأوسط. كما لا يمكنني أن أتفق معه حول السكوت على سياسات ودور حزب الله في لبنان وتحالفه التبعي مع إيران بسبب تبني حزب الله لـ “ولاية الفقيه” وتقليده للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية و “ولي المسلمين” السيد علي خامنئي والتزامه بما تقرره هذه القيادة والذي برز في طلب إيران وقف التصعيد مؤقتاً من حزب الله ونفذه فعلاً!
12. كنت أتمنى أن يتطرق الباحث الكريم إلى موضوع المثقفين ودورهم والثقافة الديمقراطية ودورها في مواجهة الثقافات الفاشية والظلامية والشمولية والاستبدادية والعنصرية والطائفية في المنطقة.
أشعر بأننا نحن العرب بحاجة إلى مزيد من الملموسية والوضوح في سياساتنا ومواقفنا وبرامجنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإزاء مسائل حقوق الإنسان وحقوق القوميات الأخرى, أولاً, وأن نتبين بوضوح التحولات الجارية على الصعيد الدولي والعوامل الفاعلة فيه وسبل المشاركة الواعية والفعالة في السياسة الدولية من منطلق الاعتراف والاحترام بالآخر ثانياً.
لقد قدم لنا الزميل الفاضل غليون محاضرة قيمة أثارت في الحضور الكثير من الأسئلة, وهي القيمة الفعلية لكل محاضرة حين تتضمن أسئلة مباشرة أو غير مباشرة مفتوحة وتترك للمستمعين التفكير بالإجابة ومقارنتها بأفكار ومواقف الأستاذ المحاضر. لا تقلل هذه الملاحظات من أهمية وأصالة هذه المحاضرة, بل تفتح باباً واسعاً للحوار والتفاعل والتقارب.
لقد أنهى رئيس رابطة الإعلاميين العرب الأستاذ أحمد حسن الندوة بكلمة طيبة عبرت عن مسك اللقاء. 
كاظم حبيب
20/2/2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *