الرئيسية » مقالات » يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (4)

يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (4)

 19/02/2007
 
إلتحاقي بمدرسة السعدون النموذجية سنة 1938
زارتنا السـت مارثا القاطنة في شارعنا في الدار الثالثة عن يمين بيتنا، قالت لوالدي بأن مدرسة السعدون النموذجية الداخلية، التي تديرها والتي كانت مخصصة لأبناء العائلة المالكة وكبار رجال الجيش والحكام والموظفين، أصبحت الآن تقبل طلابا خارجيين أيضا. ولكي تكمل المساواة بين الطوائف فيها ترجت من أبي أن يرسل لها “فد ولد ولدين” من بين أبنائه وبناته الستة ليكون فيها طلبة من اليهود أيضا إلى جانب أثنين من المسيحيين انضموا إليها حديثا، وأضافتْ بأن هذه مدرسة فريدة من نوعها في العراق، فهي مدرسة مختلطة للذكور والإناث وتطبق فيها المناهج الدراسية الحديثة ويعامل الطلبة فيها على قدم المساواة بدون إهانة الطلبة بالشتم والضرب كما هو متبع في طرق التأديب القديمة البالية في المدارس. وافق الوالد على إرسالي: “ميخالف، أدِزْلجْ (أرسل إليك) سامي هذا سبع عركاوي وميخاف”، ثم أرسل معي أخي ريمون ليكون تحت حمايتي وليوفر مصاريف الدراسة الباهظة في مدارس الطائفة “الإسرائيلية” كما كانت تدعى قبل قيام دولة إسرائيل تفاديا للعنة “الذل والمسكنة” التي حاقت باليهود لو سمّيت بالطائفة اليهودية، ثم سميت بعد قيام دولة إسرائيل وقذف دار الطائفة بالحجارة بسبب ذكر “الطائفة الإسرائيلية”، بـ”الطائفة الموسوية”. عقّبَ والدي على حديث الست مارثا حول المساواة الظاهرية باليهود: “لا خُصْمَت (أي انتهت المشكلة) لَكَنْ (إذًا) غاح تكمل السبحة مال المساواة ويّاهم”.
كان يوم التحاقي بمدرسة السعدون يوما مشهودًا وحافلا بالمفاجآت العجيبة. قال والدي وهو يتهيأ للذهاب إلى “الأوفيس” وهو شركة “أندرو واير” للإستيراد والتصدير ويعمل مديرًا عاما لحساباتها: “خذو الريمون وروحوا للمدرسة وقلاّ المارثا: أبويي إيسلم عليكي وقعدينا بالمدرسة مثل ما قلتِي”. لم يرسل معنا لا أبو علوان مرافقا لنا كما اعتدنا ولا يحزنون: “خَطَشْ أبو علوان؟ ما إنتَ سييغ غجال، ليش أنتَ ولد بَـبّـا” (ما الحاجة الى أبي علوان، لقد أصبحت رجلا، هل أنت طفل رضيع؟)” كنت مع أخي ريمون الطالبين اليهوديين الوحيدين. كشفت معاملة الطلاب لي عن ازدراء الزملاء المسلمين والمسيحيين لليهود والسخرية من جبنهم الذي كان يضرب به المثل. جاء أحد التلاميذ يسألني السؤال المعتاد في العراق: “أنت مسلم لـُو إيهودي؟” قلت “إيهودي!”، فإذا به يصرخ مستهزئا ويفرك كفيه: “ترى هذا إيهودي، إيهودي، تعالوا شوفوا!” فأقبل باقي الطلاب صارخين بجذل: “أيهودي! أيهودي! وينا اليهودي؟” وإذا بأحدهم يركع على ركبة واحدة وكأنه يصوب بندقية ويصيح بصوت مرتعد: “أبدالك حسقيل، طقت لـُو ما طقـّت” (أفديك يا حسقيل (اسم يطلق على كل يهودي)، اخبرني هل انطلقت البندقية أم لا)، كأنه من خوفه لا يستطيع التمييز بين انطلاق وعدم انطلاق الرصاصة فيطلب من صديقه حسقيل أن يخبره بذلك. وقد علمت فيما بعد أن هذه التمثيلية الهزلية الشعبية كانت تقام للسخرية من اليهود الذين جندوا في الجيش العراقي ويهزؤون من رعبهم وخوفهم أثناء التدريب على إطلاق البنادق. وقد روى لنا عمي موشي مئير رحمين معلم الصيدلي بأنه عند تخرجه من كلية الصيدلة في بغداد ودعي مع خريجي الكليات العراقية والجامعات الأوربية للتدريب (وكان بينهم السيد نعيم دنكور من كبار رجال الأعمال في لندن اليوم)، في دورة ضباط الاحتياط سنة 1938، وجاء دوره في التمرين على إطلاق النار والتصويب نحو الهدف، تجمع حوله الخريجون وهم يقولون ضاحكين هازئين: “تعالوا نگلا (نقول) الموشي إذا طقت لو ماطقت” (تعالوا نخبر موشي إذا كانت البندقية قد انطلقت أم لا). دهشوا لإصابته الهدف بدقة ولم “يتوهول” (يضطرب) عند انطلاق الرصاصة، وقالوا له مهنئين: “يعني ما لازم نسألك أشقال قلبك حسقيل من طقت الطقاقة”. (لا حاجة لأن نسألك يا يهودي ما جرى لقلبك عندما انطلقت البندقية)”. قال أحد المعلقين العراقيين بعد حرب الأيام الستة، “والعجيب هو كيف جعلتْ إسرائيل من اليهود الشرقيين الذين كانوا مشهورين بجبنهم، جنودا حاربوا ببسالة ضد الجيوش العربية؟”. ولكن الدهر دولاب.
وبعد هذه المهزلة قام طلاب آخرون بعرض تمثيلي ساخر آخر. حملوا تلميذا صغيرا وصاروا يتغنون بلهجة شبيهة بلهجة يهود بغداد وهم يسيرون به:
حسقيل إمدلع صليتونـو ودونوا للصاغايـو
وأمـو تـبـكي وغايو والفينة ابغاسو تفتر
طلع اسـمو بالـدفـتـر

كان أحدهم يتصنع البكاء كأنه أم حسقيل الهلعة المولولة من تجنيد ولدها المدلع الذي تصلي على أذياله والذي يؤخذ إلى التجنيد في السراي (الصغايو)، والآخر يتظاهر بالبكاء كأنه أم حسقيل والثالث يدير الفينة (القبعة التي يعتمرها المتدينون اليهود) على رأس حسقيل المسطول والمترنح من خوفه من التجنيد، والرابع يتظاهر بأنه يكتب أسم حسقيل في دفتغ (سجل) التجنيد. ثم أدركت فيما بعد إنهم يمثلون تمثيلية هزلية ساخرة من أمهات شباب اليهود اللواتي كن يهلعن ويولون عند تجنيد أبنائهن وسوقهم إلى لجنة تسجيل المجندين الإجباريين وخوفهم ورعبهم من التجنيد. وبعد صخبهم وضحكهم من هاتين التمثيليتين الهزليتين الارتجاليتين وهم ينظرون إليّ بشماتة واستهزاء وقد أخذتني الدهشة والحيرة من حماستهم المتأججة هذه ومن تهليلهم كأنهم انتصروا في معركة، صاح أحدهم: “ولك إيهودي بس نطلع من المدرسة راح انعلمك النبي عربي!”.
وبعد انتهاء الدراسة والتحرش المستمر بي وهم يشيرون بإصبعهم إلى رقبتهم بالذبح، ثم يشيرون بأصابع يدهم المجموعة، أن انتظر حتى ترى ما سنفعله بك! شعرت بالاستلاب والضياع والعزلة الغريبة “كالأيتام في مأدبة اللئام”، وخرجت معهم متوكلا على الله. أحاط بي هؤلاء التلاميذ وقالوا: تعال نتباطح (نتصارع) وإلا نبسطك!” قلت لهم: “نزلوا لي واحد واحد لُو اثنين اثنين، مو كلكم سوى!” ضحكوا ساخرين من جوابي ومتعجبين من عدم هروبي وموافقتي على المنازلة. صاح عصام: “هذا اشايف نفسه؟” أصدر رئيسهم عبد الرحمن الجابي وهو أكبرهم سنا أمره لتلميذ مسيحي: “ولك خيري انزله!”. وبسرعة وضعت رجلي اليمنى مثل “عباس الديچ” وراء قدميه وضربته “بكلابند” ودفعت خيري إلى الساقية القريبة أمام منزل آل بابان قرب المدرسة. بهت خيري وأصدقاؤه المشجعين وهم يرون بطلهم خيري مستلق على ظهره في الساقية وقد طار حذاؤه من رجله. تناولت الحذاء، (وهو والكالة <مركوب ينتعله العراقيون في البيت غالبا>، السلاح المحبب عن العراقيين نساء ورجالا في ضرب الخصوم، واستعملوه في ضرب تمثال صدام حسين بعد إسقاطه في ساحة الفردوس في بغداد عام 2003) وركبت صدره ورفعت “القندره” وصحت به “ها تسلـّم لو لا؟”، قال خيري بصوت متوسل: “لا بس! بس!” (كفى! كفى!). صاح أصدقاؤه معاتبين: “ولك خيري، أثاري (نرى) أنت ماكو أبراسك خير!” توجهت إلى أصدقائه الآخرين والحذاء بيدي: “يلله منو ينزل وراه”، فصاحوا بصوت واحد: “لا! لا ! ولله أنت صرت صديقنا، طلعت إلنا سبع مو (غير) مخنث مثل اليهود”، وهكذا أصبحت واحدا من “الربع” (الشلة) ووراء عبد الرحمن الجابي في الرئاسة.
انقسمنا فيما بعد إلى فريقين، فريق من الطلاب المسلمين من أبناء الزوجات المسيحيات اللواتي تزوجن بعراقيين درسوا في ألمانيا وسويسرا وانكلترا وغيرها من البلدان الأوربية ومن أبناء التركيات، فانضممت إليهم لأنهم كانوا يشعرون مثلي بأنهم أقلية مستضعفة أمام الأغلبية من أبناء المسلمات العربيات. تزعمت مع إياد علي غالب أبناء الأقلية، وتزعم عبد الرحمن الجابي وأخوه طالب وفيصل ابن رشيد عالي الكيلاني الأغلبية من أبناء العربيات. أصبح الجو متوترا مشحونا بالخوف، الأخبار عن انتصارات هتلر “زعيم ألمانيا الذي لا يقهر”، وصوت يونس بحري يلعلع وهو يذيع من “باري” في إيطاليا “حيي العرب”، ويتحدث بحماس عن انتصارات المحور في جميع الجبهات الحربية وزحفه في شمال إفريقيا نحو العلمين واندحار الحلفاء. صارت جدران ساحة اللعب في مدرسة السعدون لوحة لعرض الشعارات السائدة في الشارع وبين أفراد الشعب المتحمسين لانتصارات المحور وهي محفورة في طابوق الجدران والمنقوشة من قبل الطلاب بعلامات الصليب المعقوف وجملا تمجد الزعيم الألماني “فليعش هتلر حامي العرب”، “أبيدوا المكروبات”، “انكلترا بالقندره” و”لا مسيو، لا مستر / الله بالسما وعلى الأرض هتلر!” وغيرها من الشعارات. وعلقت إدارة المدرسة آيات قرآنية “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”، وأحاديث نبوية، مثل “إخشوشنوا فان الترف يزيل النعم”. وكان أبناء كبار ضباط الجيش يأتون ببزّات عسكرية مهندمة بالقايش والحزام العريض وصولجان القيادة وعلى أكتافهم الصغيرة رتبة رئيس أركان الجيش وغيرها. وصار شباب “الفتوة” و”كتائب الشباب” يتبخترون بزيهم العسكري ويفتشون اليهود في الطرقات بحثا عن اللاسلكي والمرايا وغيرها من أدوات التجسس المزعوم، لإرسال الإشارات الضوئية للطائرات البريطانية.
وبعد مدة بشرتنا الست أم ساطع مساعدة مديرة المدرسة بأن وزارة المعارف أوصت بالسماح للطلبة غير المسلمين بحضور دروس القرآن الكريم مع إخوانهم المسلمين دون المشاركة الفعلية في حفظ القرآن. وجدت في هذه الخطوة شيئا من المساواة لأننا كنا نقضي دروس القرآن خارج الصف بملل وبشعور بأننا مختلفون عن الأغلبية المسلمة. أخذ صديقي عبد الرءوف يطلب مني “تسميعه” آيات “جزو عم” التي كان عليه حفظها عن ظهر قلب. وكنت أصحح له أخطاء القراءة والحفظ فأحفظ الآيات معه. وكان إذا جاء دوره ينسى أحيانًا بعض الكلمات فأهمس له بها. وفي ذات يوم لاحظت الست أم ساطع همساتي له فغضبت وقالت له: “أمْ مُداك! وسليمة التگرفك يا عبد الرءوف! ولك أيهودي يعلمك القرآن؟” ضحك التلاميذ من ملاحظة مساعدة المديرة وشعر عبد الرءوف بالحرج وصار يعتمد على نفسه في الحفظ دون الاتكال على مساعدتي.
كنـّا ذات يوم نلعب وحدنا وفجأة قال عبد الرءوف وكان أكبر مني سنا وحجما: “سامي! أنتَ اشايف نفسك؟، أشو تعال نتباطح!”. وافقت، تماسكنا وكان حذرا هذه المرة من “الكلابند” الذي صرع خيري بسهولة فاستعملت معه “المخيط” بدس إصبعين بين إضلاعه، فلما اعتدل لشعوره بالألم “ضربته بالكلابند” فسقط وصرعته. انتفض واقفا وهو ينظر حواليه فيما إذا كان أحد الطلبة قد شاهد الصراع، ثم قال لي محذرًا: “سامي لا تگول لَحّد إنتَ بطحتني، ترى عيب على المسلم يبطحه إيهودي”. احترمت طلبه ولم أفضحه سوى الآن بعد مرور 66 سنة وباسم مستعار، أرجو أن يغفر لي كشفي لهذه الفضيحة.