الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي( الحلقة الرابعة والثلاثون ) محمد بن الجَهْم البرمكي

مشاهير الكرد في التاريخ الإسلامي( الحلقة الرابعة والثلاثون ) محمد بن الجَهْم البرمكي

ثمن العبقرية
يبدو أن للعبقرية ثمناً.
وأحياناً يكون الثمن باهظاً.
والعبقري يدفع ثمن عبقريته مرتين.
مرة حينما ينفق العمر، بكل ما يعنيه العمر من معنى، لتجسيد عبقريته.
ومرة عندما يصبح هدفاً يرميه الخصوم بسهامهم القاتلة من هنا وهناك.
وكم هو مؤلم أن يكون الخصم ممن وظّف له العبقري عمره وعبقريته!
وهذا ما جرى للبرامكة، تلك الأسرة الكردية العبقرية المنكوبة.
إذ يجمع كل من قرأ تاريخهم، وتفحّص إنجازاتهم، على أن الجماعة كانوا عباقرة بحق، عباقرة في إدارة دفة السياسة الداخلية والخارجية، وعباقرة في تحقيق الازدهار الاقتصادي، وعباقرة في تنشيط الحركة الأدبية، وعباقرة في تشجيع حركة الترجمة، ونقل العلوم الرومية واليونانية والفارسية والهندية، إلى اللغة العربية، وكان يحيى بن خالد البرمكي أول من عني بتفسير كتاب المَجِسْطي (معناه: الجليل) لإقليدس، وترجمته إلى العربية. (انظر: هولو جودت: البرامكة سلبياتهم وإيجابياتهم، ص 175).
وكان البرامكة عباقرة في استقطاب مشاهير الأطباء الهنود والسريان، وكانوا يبالغون في إكرامهم وإغداق الأموال عليهم، وهذا الطبيب السرياني جبريل بن بَخْتيشوع، كبير أطباء دار الخلافة العباسية، يقول للخليفة المأمون: : ” هذه النعمة لم أفدها منك ولا من أبيك، هذه أفدتها من يحيى بن خالد ووِلْدِه “. (انظر: هولو جودت: البرامكة سلبياتهم وإيجابياتهم، ص 181).

ماذا ينفع الندم؟!

ولأن البرامكة كانوا عباقرة كان عليهم أن يدفعوا الثمن.
وكان الثمن مخيفاً بل رهيباً بكل المعايير، وفي كل الميادين.
وكان الذي جعلهم يدفعون الثمن صديقهم – ومن بعدُ خصمهم- هارون الرشيد.
فمنهم من قطع مسرور السيّاف رأسه؛ وهو جعفر بن يحيى، ومنهم من وافته المنية وهو في السجن؛ وهما يحيى بن خالد وابنه الفضل، ومنهم من جُرّد من جميع أملاكه المنقولة وغير المنقولة، وأصبح شريداً طريداً بلا مأوى، بعد أن كانت القصور مأواه، وكان يقود الجيوش، ويدير شؤون إمبراطورية بكاملها؛ وهو محمد بن يحيى.
وقد اكتشف الرشيد بعد حين فداحة الخطأ الذي أقدم عليه، ومغبّة الظلم الذي ارتكبه، وذكر ابن خلكان وهو يورد ترجمة يحيى البرمكي في كتابه (وفيات الأعيان، 6/219 – 29) أن الجَهْشَياري قال: ” ندم الرشيد على ما كان منه في أمر البرامكة، وتحسّر على ما فرط منه في أمرهم “، وكان يقارن بين إنجازات البرامكة في الإدارة والسياسة وإخفاقات الذين نافسوهم، وألّبوه عليهم، فيتألم وينشد قول الحُطَيْئة: 

                أقِلّوا علينـــــا، لا أبا لأبيكـمُ              مِن اللوم، أو سُدُّوا المكان الذي سَدّوا  

ولا شك أنه كان يعلم البيت التالي، وهو:

             أولئـك قومٌ إن بَنَوا أحسـنوا البنا         وإن عاهـدوا أَوْفَوا، أو عَقَدوا شَدّوا

ولكن ماذا ينفع الندم؟!
على أن الرشيد سرعان ما تُوفّي، وتولّى الخلافة ولده محمد الأمين، ثم ولده عبد الله المأمون، فرفعا الحيف عن البرامكة، وأبطلا القرارات المجحفة التي كانت قد صدرت بحقهم، وقد أنجبت الأسرة البرمكية بعد النكبة شخصيات بارزة في ميادين الثقافة، منهم الشاعر الأديب جحظة البرمكي، وقد مرّ ذكره في حلقة سابقة، ونقف في هذه الحلقة عند الفيلسوف المتكلم، الطبيب، المنجّم، محمد بن الجهم البرمكي.
فماذا عن سيرة الرجل؟

حياته ومكانته العلمية
لم نجد في المصادر التي توافرت لنا ترجمة وافية لمحمد بن الجهم، تُرى أهو حفيد الفضل بن يحيى أم حفيد جعفر بن يحيى، أم حفيد محمد بن يحيى، أم حفيد موسى بن يحيى؟ أم أنه ينتسب إلى فرع آخر من الأسرة البرمكية؟! واكتفى من ترجم له من القدماء بأن قالو (محمد بن الجَهْم البرمكي)، ليس غير.
ولم نجد أحداً أرّخ لولادته ووفاته كما هي العادة مع غيره من الأعلام، سوى أن عمر رضا كحّالة ذكر في كتابه (معجم المؤلفين، 9/162) أن ابن الجهم كان حياً قبل سنة (218 هـ)، وإذا أخذنا بالحسبان أن النكبة حلّت بالبرامكة سنة (187 هـ)، فهذا يعني أن ابن الجهم عاصر أحداث النكبة، وكان شاهداً عليها، ولعله كان شاباً حينذاك.
ويتفق من ترجم لمحمد بن الجهم على أنه موسوعي الثقافة، فكان يُعدّ من فلاسفة المتكلمين، كما كان عالماً بالمنطق، منقطعاً إلى دراسة كتب أرسطو في الكون والفساد والكيان وحدود المنطق، إلى جانب مهارته في علم الطب، وبراعته في علم التنجيم، وأنه كان يتميّز بالسعة في العلم، والدقة في الملاحظة، وكان يؤسس علمه على التجربة، وقد اتصل بالخليفة المأمون فأجلّه، قال القِفْطي في كتابه (أخبار العلماء بأخبار الحكماء، ص 186): ” قال أبو معشر [يقصد: الفلكي]: كان محمد بن الجهم أميناً جليل القدر، عالماً بالمنطق والتنجيم، ألف كتاباًً للمأمون في الاختيارات قريب المأخذ صحيح المعاني جداً “.
وقال ابن قتيبة في (عيون الأخبار، 2/61): ” أخبرني رجل حضر مجلس محمد بن الجهم البرمكي أنه دخل عليه رجل بكتب في حوائج له، فقرأها ووعد قضاءها، فنهض وهو يدعو له، وقال: أبقاك الله وحفظك وأتمّ نعمته عليك “. وهذا دليل على أن مكانة محمد بن الجهم كانت تؤهّله لأن يتوجّه إليه الناس لقضاء حوائجهم عند أصحب السلطان، وهذا أمر طبيعي ما دام الرجل كان من جلساء الخليفة المأمون، وألّف له كتاباً كما مر.
ونستدل على مكانة محمد بن الجهم العلمية المرموقة بأمور ثلاثة:
– الأمر الأول أن جلساءه كانوا من كبار أدباء العصر العباسي الذهبي ومفكريه، ومن أبرزهم: الجاحظ وهو أشهر من نار على عَلَم في مبادين الأدب والعلم، وأبو الهُذَيْل العَلاّف، هو من قمم الفكر حينذاك، وقطب من أقطاب المعتزلة. المعروفين في كتب التراث بأهل الكلام.
– والأمر الثاني أن ثلاثة من أشهر الكتّاب في التراث العربي الإسلامي أكثروا من ذكر محمد بن الجهم في كتبهم، وأوردوا كثيراً من مواقفه،واستشهدوا بعدد من أقواله، وأولهم الجاحظ ( ت 255 هـ)، وكان معاصره وجليسه، فقد ذكره في كتاب (البيان والتبيين) وفي كتاب (الحيوان). وثانيهم ابن قُتَيْبة الدِّينَوَري (ت 276 هـ) في كتاب (عيون الأخبار). وثالثهم ابن عبد ربّه الأندلسي (ت 328 هـ) في كتاب (العِقْد الفريد)، وهذا دليل على أن شهرة ابن الجهم العلمية لم تقتصر على البيئة الثقافية المشرقية، وإنما كانت قد عبرت البحر إلى البيئة الثقافية الأندلسية أيضاً.
– والأمر الثالث هو كثرة ما تناقله المؤلفون من آراء محمد بن الجهم السديدة، ونظراته العلمية القيّمة، ولا سيما في مجالات العلوم والمجتمع، فهي – والحق يقال- تنمّ عن نظر ثاقب، وملاحظة دقيقة، وعقل راجح، وفكر متميّز، وصبر على رصد الأمور، وبراعة في مقارنتها واستخلاص النتائج منها، وتلك من سمات العالِم النابه والباحث القدير.

آراء حكيمة
لمحمد بن الجهم آراء حكيمة في المجتمع، وهي تدل على أن الرجل كان يجيد الغوص في النفس البشرية، ويُحسن تحليل طبيعة العلاقات الاجتماعية، وتكمن قيمة آرائه في أنها شديدة الواقعية، غنية بإيقاعات الحياة الحقيقية، بعيدة عن التنظير الخلاّب والتجميل الخادع، وقد أورد ابن قتيبة في (عيون الأخبار، 2/4، 34) قوله:
– ” مَنْعُ الجميع أرضى للجميع “.
– “مِن شأن مَن استغنى عنك ألاّ يُقيم عليك، ومن احتاج إليك ألاّ يذهب عنك”.
وأورد له ابن قتيبة في (عيون الأخبار، 3/171) أبياتاً يقول فيها:


لَعَمْرُكَ ما النـاسُ أَثْنَوْا عليكَ
                                ولا عظّمـــوك ولا عظّموا
ولا شـايعوك على مـا بلغـ
                            ـتَ من الصالحات ولا قَدَموا
ولو وجدوا لهــــمُ مَطْعَناً
                           إلى أن يَعِيبـوك ما جَمْجَموا
ولكن صَبَرتَ لِمــا ألزموك
                             وجُدتَ بمـــا لم يكن يَلزمُ
وكان قِراكَ إذا مـــا لَقُوكَ
                             لسـاناً بمـا سرّهمْ يُنْعِــمُ
وخَفْضَ الجناح ووَشْكَ النجاح
                          وتصغيرَ مـا عظّم المُنعِـمُ
فأنت بفضلك ألجــــأتهمْ
                          إلى أن يُجِلّوا وأن يُنْعِمــوا
————————————————————
[جمجموا: أخفوا وتردّدوا]


إخلاص للعلم
ويستفاد مما رواه الجاحظ وغيره أن محمد بن الجهم كان شغفاً بالمطالعة، منصرفاً إلى طلب المعرفة، يجد السعادة في معلومة يمتلكها، ويلقى المتعة في حكمة يفوز بها، ويصف ابن الجهم من حالات المطالعين ومشاعرهم ما لا يحيط بها إلا امرؤ عاش تلك الحالات حقاً، وخَبَرها ظهراً وبطناً، قال الجاحظ في (الحيوان، 1/53):
” قال محمد بن الجهم: إذا استحسنتُ الكتاب، واستجَدْتُه، ورجوتُ منه الفائدة، ورأيت ذلك فيه، فلو تراني وأنا ساعةً بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه؛ مخافةَ استنفاده وانقطاعِ المادة من قلبه، وإن كان المُصحَف [الكتاب] عظيمَ الحجم كثيرَ الورق، كثيرَ العدد، فقد تمّ عيشي وكَمُل سروري “.
وإن امرأ يمتاز بكل هذا العشق للكتاب، وبكل هذه الرغبة العارمة في الاطلاع على المعارف، من الطبيعي أن يتعجّب ممن يتعامل مع الكتاب على نحو تجاري صِرف، بل إنه لا يستطيع أن يخفي ازدراءه له، قال الجاحظ في (الحيوان، 1/54):
” وقال العُتْبي ذات يوم لابن الجهم: ألا تتعجّب من فلان؟! نظر في كتب الإقليدس مع جارية سِلْمَوَيه في يوم واحد، وساعة واحدة، فقد فرغت الجارية من الكتاب وهو بعدُ لم يُحكِم مقالة واحدة، على أنه حرٌّ مخيَّر، وتلك أَمَة مقصورة. … قال محمد بن الجهم: قد كنت أظن أنه لم يفهم منه شكلاً واحداً، وأُراك تزعم أنه قد فرغ من مقالة! قال العُتْبي: وكيف ظننتَ به هذا الظن، وهو رجل ذو لسان وأدب؟! قال: لأني سمعته يقول لابنه: كم أنفقت على كتاب كذا؟ قال: أنفقت عليه كذا. قال: إنما رغّبني في العلم أني ظننت أني أنفق عليه قليلاً وأكتسب كثيراً، فأما إذ صرتُ أنفق الكثيرَ، وليس في يديّ إلا المواعيد، فإني لا أريد العلم بشيء “.

نظرات علمية
على أن مكانة محمد ابن الجهم العلمية تظهر بشكل أبهى في طريقة تحليله للأمور، وفي نظراته إليها نظرة العالم المراقب، والملاحظ الدقيق، وقد نقل عنه ابن قتيبة في (عيون الأخبار، 2/104) قوله:
” لا تتهاونوا بكثير مما تَرَون من علاج العجائز، فإن كثيراً منه وقع إليهن من قدماء الأطباء، كالذِّبّان يلقى في الإثمد [الكحل] فيُسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر ونفاذ النظر وتشديد مراكز الشعر في حافات الجفون. قال: وفي أمة من الأمم قوم يأكلون الذبّان فلا يرمَدون “.
وقال الجاحظ في (الحيوان، 3/320 – 322):
” وذكر محمد بن الجهم- فيما خبّرني بعض الثِّقات- أنه قال ذات يوم: هل تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذباب؟ قالوا: لا. قال: بلى، إنها تأكل البعوض، وتَصيده وتَلقطه وتُفنيه “.
ثم يورد ابن الجهم كيف أنه اكتشف هذه الحقيقة بعد طول ملاحظة ومراقبة، وذلك حينما كان يأوي إلى غرفته لينام وقت القيلولة، فقد كان أمر الخدم بطرد الذباب من الغرفة قبل وقت قيلولته، وإغلاق بابها، وعنّفهم ذات مرة لأنهم نسوا طرد الذباب وإغلاق الباب، لكنه لاحظ أن وطأة البعوض أصبحت تلك المرة أخفّ كثيراً، ولاحظ أن البعوض ينشط كثيراً حينما تكون الغرفة خالية من الذباب.
ويفهم من خبر آخر رواه الجاحظ أن ابن الجهم كان رجل علم بحق، فهو إضافة إلى كونه رجل فلسفة ومنطق رجل خبير بالطب وصناعة العقاقير، يستقبل في بيته المهتمين بهذه الشؤون من مختلف البلدان، والعاملين في ميادينها، ويستفيد من ملاحظاتهم وتجاربهم وخبراتهم؛ قال الجاحظ (الحيوان، 4/116):
” وزعم محمد بن الجهم أن العيون التي تضيء بالليل كأنها مصابيح، هي عيون الأُسْد والنمور والسنانير والأفاعي، فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب الأفاعي من سِجِسْتان [شرقي بلاد فارس]، ويعمل التِّرياقات [الأدوية]، ويبيعها أحياء ومقتولة، فقال له: حدّثهم بالذي حدّثتني به من عين الأفعى “.
فأورد الرجل السجستاني أنه كان يصطاد الأفاعي لصناعة العقاقير، كان يقطع رؤوسها ونسي ذا يوم رأس أفعى تحت سريره، فاستيقظ ليلاً فإذا به يرى ضوءاً صادراً من أسفل السرير، فتعجّب من ذلك، وظن أن ذلك من شأن عفريت، فأشعل شمعة، ونظر فإذا به لا شيء سوى رأس الأفعى، وأطفأ الشمعة، وعاد إلى النوم، فلاحظ أن الضوء عاد إلى الظهور، فرمى رأس الأفعى بعيداً، فلم يعد الضوء يظهر في الظلام، فاستيقن أن الضوء صادر من عين الأفعى رغم أنها قد ماتت.

معايب ومطاعن!
ولم يعدَم محمد بن الجهم مَن يرميه ببعض المعايب والمطاعن، فقد روى ابن قتيبة في (عيون الأخبار، 3/138) أنه كان حذراً في التعامل مع الآخرين، غير عابئ بإسداء المعروف إليهم، بل كان يذيق من يستعين به مرارة الحرمان، ونقل ابن قتيبة هذه المعايب والمطاعن على لسان ثُمامة بن أشرس، فقال:
” ذكر ثُمامة محمد بن الجهم فقال: لم يُطمِع أحداً قطّ في ماله إلا لِيَشغَله بالطمع فيه عن غيره، ولا شفعَ لصديق، ولا تكلّم في حاجة متحرِّم به، إلا ليُلقِّن المسؤول حجّة مَنْع، وليفتح على السائل بابَ حِرْمان “.
ويبدو أن ثُمامة بن أشرس – وأحسب أنه من المعتزلة- كان من الناقمين على ابن الجهم، فرماه بهذه المطاعن، وقد مر قبل قليل أن أصحاب الحاجات كانوا يقصدون ابن الجهم ليقضيها لهم عند أصحاب الجاه والسلطان، وهل كان الناس يفعلون ذلك لولا اشتهاره بأنه ممن يهتمّ بمشكلات الآخرين، ويسعى لقضاء حاجاتهم؟!
وأورد ابن عبد ربّه في كتابه (العقد الفريد، 6/177) أن محمد بن الجهم كان من مشاهير البخلاء، فقال:
” ومن رؤساء أهل البخل: محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وَدِدتُ أن عشَرة من الفقهاء، وعشَرة من الشعراء، وعشَرة من الخطباء، وعشَرة من الأدباء، تواطؤوا [اتفقوا] على ذمّي، واستهلّوا بشتمي، حتى يُنشَر ذلك عنهم في الآفاق، حتى لا يمتد إليّ أملُ آملٍ، ولا ينبسط نحوي رجاءُ راجٍ “.
وأحسب أن محمد بن الجهم كان صاحب رؤية اقتصادية علمية، شأنه في ذلك شأن كثير من العلماء، ففسّر الناقمون عليه وجهة نظره بالبخل، وأحسب أيضاً أنه كان لا يترك للطامعين فرصة الانقضاض على أمواله، ونهشها وأخذها بغير حق، ولا أستبعد أنه ابتُلي ببعض هؤلاء الذي يركنون إلى الكسل، ويجدون أن خير وسيلة للغنى هي التحايل على الآخرين، والمكر بهم، وسرقة جهودهم، فقال ما قال من باب المفاكهة والترويح عن النفس.

المراجع
1. الجاحظ: الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 1965 م.
2. الجهشياري: كتاب الوزراء والكتّاب، تحقيق مصطفى السقّا وإبراهيم الإبياري وعبد الحفيظ شلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة الثانية، 1980 م.
3. ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق الدكتور إبراهيم عباس، دار صادر، بيروت.
4. ابن عبد ربه الأندلسي: كتاب العقد الفريد، شرح وضبط وتصحيح أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الإبياري، منشورات دار الكتاب العربي، بيروت، 1982 م.
5. عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، مكتبة المثنى، بيروت، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، 1957 م.
6. ابن قتيبة الدينوري: عيون الأخبار، المؤسسة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973 م.
7. القفطي: أخبار العلماء بأخبار الحكماء، دار الآثار، بيروت، 1980 م.
8. هولو جودت فرج: البرامكة سلبياتهم وإيجابياتهم، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1990 م.
وإلى اللقاء في الحلقة الخامسة والثلاثين.

د. أحمد الخليل       في      18 – 2- 2007

9 تعليقات

  1. انا اعرف ان الشاعر الكبير احمد شوقي امير الشعراء هو من اصل الباني وانا احترم الكورد وانهم لهم مكانه بين الشعوب كبيره

  2. محمدعبدالعليم

    عباس محمود العقادعملاق الادب العربي
    اصله كردي عن نفسه هو قال ذلك
    فلماذا لا تكتبون عن
    عباس محمود العقاد ….الكردي الأصل

  3. كلا م غير مقنع اين الاثار والقلاع والفتوحات للكرد اذا كان هاذا تاريخكم وحسب ما اعرف ان الكرد لم يكتبو لغتهم الا بعد الحكم الذاتي الاخيير ولكن الكرد اخواننا في الدين وشكرا

  4. في الحقيقة أنا أفتخر بكل من رفع شأن الإسلام سواء كان عربي أو كردي أو زنجي وأحتقر كل من يحط من شأنه وخصوصا إذا كان عربي .
    ومع أني عربي إلا أني أحرص على عدم ذكر ذلك لأنه وإن كان الرسول عربي والقرآن بلسان عربي إلا أن الإسلام قد اتسعت أفاقه ورقعته حين روت الدماء الزكية للعربي والكردي والفارسي والتركي والزنجي بل وحتى بعض الاوروبيون الثرى .
    نحن بحاجة لبعضنا، فوالله لنا ينفعنا امريكي ولا بريطاني ولا صهيوني ولو أعجبك حسن كلامه وظاهر صنيعه . فيكفي هؤلاء حقدا أن قسموا بلادنا بالمسطرة في دول كرتونية لم يكن للأكراد حظ فيها .
    لن يعود البريق والمكانة للكردي والعربي وغيرهم إلا عندما تمحى الحدود بالدم القاني بعد أن رسمت بقلم الرصاص وثبتتها أنظمة قمعت بالرصاص .
    ودمتم .

  5. شكري محمد طاهر

    بسم الله الرحمن الرحيم
    بداية انا اتوجه بشكري وامتناني للدكتور الفاضل (احمد خليل) .
    لماذا لم تكتب عن العلاقة الاسرة الزنكية مع الاسرة الايوبية ؟ واذا كاتب على الموضوع ارجو منكم ارشادي ولكم جميل الشكر وتقدير.

  6. الموضوع سيق جدا وجميل جداجدا وياريت يكون فى على طول مواضيع فنية مفيدة كدة وانا عيزة فكرة وتكون متعمقة عن حياة اسحاق الموصلى الموسيقية ياريت وشكرا كتير لصاحب الموقع ده لانه بجد خلانى عرغت معلومات مفيدة .باى

  7. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
    اعجابي وتقديري لدكتور الفاضل أحمدالخليل وتمنياتي له بالموفقية
    ليس لي الا أن أقول باركك الله وجعلنا من
    المستفيدين من هذه الروائع عسى أن نحصل
    مزيدا من هذه الكتابات القيمة وادامك الله
    وادام الخيرين من أمثالكم .

  8. اسامة الرفاعي

    صلاح الدين الأيوبي أصله عربي .. وليس كردياً

    روح تنفث في الأجيال النبض، وحين يشتد الخطب، وتبقي نجوم الليل في ظلمات نهار الأيام، تتطلع في تلك الأزمنة الرؤيا إلي تلك الشخصية ليضع من سواد الواقع أملاً، ينفخ روحا، ويحرِّك في الأمة تاريخا موسوما بالنصر.. تلك هي الصورة المرسومة لصلاح الدين الأيوبي، في رحم الأمل الشعبي، ينتظر الجمع قدومه، ليكون المولود دوما في كل عصور التاريخ الممتد لأمتنا العربية والإسلامية..

    لماذا صلاح الدين؟ كيف تأهل ليحتل صورة البطل حتي ذروة النصر التي حققها في حطين؟ هذا ما سوف نحاول طرحه.. لكن الأهم الذي يتفجر عبر هذا الحوار هو نسب صلاح الدين، إذ يثبت المؤرخ الإسلامي المعاصر أ.د. فايد حمَّاد عاشور في هذا الحوار ان صلاح الدين الأيوبي عربي وليس كرديا كما نقل ابن الأثير الذي لم يصاحب البطل ولم يعمل معه كما عمل ثلاثة مؤرخين آخرين.. شعوب مختلفة تكون أمة واحدة، ولا فرق بين عربي ولا عجمي، لكن حقائق التاريخ لابد أن نسعي الي ابرازها، وتصحيح ما شاع واجب أهل العلم.

    وسواء أكان صلاح الدين عربيا أم كرديا، فهو البطل المنتظر في نفوس الناس حين يشتد الظلام.. لكنه وعلي ذمة أ.د. فايد عاشور في هذا الحوار الذي ننشره علي جزئين -عربي، وليس كرديا كما ذهب من نقل عمَّن لا يعرف صلاح الدين.. هذا هو الجزء الأول من الحوار:

    مؤرخو سيرة البطل

    كيف أرَّخ المؤرخون لتاريخ صلاح الدين.. وإلي من نسبوه؟

    من المهم جداً أن نعرف شيئا عن سيرة بعض المؤرخين الذين عاشوا في أيام السلطان صلاح الدين الأيوبي وعملوا معه وسمعوه وشاهدوه ومن ثم كتبوا تاريخا حقيقيا وخاصة أن هؤلاء المؤرخين لم يكتبوا شيئا يشير الي نسب صلاح الدين الأيوبي الي طائفة الأكراد ولم يعطوا صفة الأكراد لأي من سلاطين الأيوبيين أو أمرائهم ولم يطلق اسم الدولة الأيوبية الكردية علي دولة السلطان صلاح الدين الأيوبي وانما اكتفي هؤلاء المؤرخون بنسبة السلطان صلاح الدين وأقاربه فقط الي البيت الأيوبي وهذا في اعتقادي دليل علي أن الأيوبيين ليسوا من الأكراد وانما هم من أصول عربية كما سنري في نسب الأيوبيين كما جمعه وشرحه المؤرخ الكبير جمال الدين محمد بن سالم بن واصل صاحب كتاب مفرج الكروب في أخبار بني أيوب«.

    واذا أردنا الحديث عن هؤلاء العظماء الذين رافقوا السلطان صلاح الدين وكتبوا عن تاريخ السلاطين الأيوبيين وخاصة السلطان صلاح الدين ومن هؤلاء مؤلف كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية« أو سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي.

    كأن صلة ما كانت بين مؤرخي صلاح الدين وصلاح الدين نفسه؟

    – نعم فهذا هو مؤلف الكتاب بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم شُهر بابن شدَّاد، لأن شدَّاد جده لأمه، وقد توفي أبوه وهو طفل صغير، فرُبيَ في كنف أخواله بني شداد، ولهذا نسب اليهم.

    ولد في الموصل سنة 539ه (1145م) وتوفي بحلب سنة 632ه (1239م)، فهذا قد عمَّر وعاش ثلاثا وتسعين سنة أي قرابة قرن من الزمان.

    تلقي علومه الأولي في الموصل، فحفظ القرآن وقرأ علي شيوخ الموصل كتباً في علوم الحديث والتفسير والفقه والقراءات والأدب، وكانت المدرسة النظامية في بغداد تجتذب اليها وقتذاك طلاب العلم من مختلف أنحاء العالم الاسلامي، فارتحل اليها مؤرخنا ابن شداد، وترتب فيها معيداً بعد وصوله اليها بقليل، وكان ذلك في سنة 566ه (1171م) أي وهو في السابعة والعشرين من عمره، وظل يشغل هذا المنصب نحو أربع سنوات حيث عاد الي بلده الموصل، وعين هناك مدرساً بالمدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري، ولازم -كما يقال ابن خلكان- الاشتغال وانتفع به جماعة«، وعلت مكانته وارتفع ذكره لما اشتهر به من الحكمة ورجاحة العقل والاتزان في التفكير، ولهذا نجد أتابك الموصل يعهد اليه بالسفارة الي الخليفة العباسي في بغداد، والي صلاح الدين وكثير من الحكام المجاورين في أمور خطيرة من أمور الدولة.

    سيرة ابن شداد

    كيف كانت سيرة هذا المؤرخ الذي تولي التأريخ من قريب لصلاح الدين؟

    – في سنة 583ه (1188م) سافر الي مكة وأدي فريضة الحج وزار قبر الرسول عليه السلام، وكان يزمع في عودته أن يزور بيت المقدس- وكان قد استردها البطل صلاح الدين-، ولكنه نزل أولاً بمدينة دمشق، وكان صلاح الدين يحاصر قلعة كوكب، وعلم بوصول ابن شداد الي دمشق، وكان يعرفه معرفة أكيدة منذ اتصل به في سفاراته السابقة، فاستدعاه اليه، فلما دخل عليه قابله بالاكرام التام، وما زاد علي السؤال عن الطريق: ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل، وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه، فأخرج له جزءاً جمع فيه أذكار البخاري، وقرأه عليه بنفسه«.

    وأتم ابن شداد زيارته للقدس وعاد الي دمشق، وفي عزمه أن يستأذن من صلاح الدين في العودة الي بلده الموصل حيث ترك دنيا الوظائف ويعتكف للدراسة والعبادة، وكان ابن شداد قد ألف أثناء مقامه في دمشق هذه المرة كتاباً في الجهاد وأحكامه وآدابه، فقدمه لصلاح الدين فأعجبه، وكان يلازم مطالعته«.

    وقد عين صلاح الدين بهاء الدين بن شداد قاضياً لعسكره وللقدس الشريف، وظل بهاء الدين في خدمته وملازماً له لا يفارقه ليلاً أو نهاراً الي أن أدركته الوفاة، وكان مقيماً هو والقاضي الفاضل الي جوار صلاح الدين أثناء مرضه الأخير، ووصف اللحظات الأخيرة التي انتهت بوفاة هذا البطل العظيم وصفاً مؤثراً.

    وقد لعب ابن شداد دوراً كبيراً في التوفيق بين أفراد البيت الأيوبي في مصر والشام كلما نشب نزاع بين بعضهم والبعض الآخر، ولهذا كان دائم التنقل بين حلب والقاهرة لتحقيق هذا الهدف، وتذكر المراجع انه وفد علي القاهرة في هذه المهام وأشباهها في السنوات 593 و608 و613 و629ه.

    دور الأصفهاني

    ما الدور الذي قام به العماد الأصفهاني في التأريخ لصلاح الدين؟

    – من المؤرخين الذي رافقوا صلاح الدين الكاتب الأصفهاني وهو أبو عبدالله محمد بن صفي الدين أبي الفرج محمد بن نفيس الدين أبي الرجاء حامد بن محمد بن عبدالله بن علي بن محمود بن هبة الله القرشي الأصفهاني، المعروف ب ألّه« -وأله اسم أعجمي معناه العقاب وهو الطائر المعروف، وقد اشتهر به العماد الأصفهاني.

    ولد بأصبهان سنة 519ه ونشأ بها، ثم قدم بغداد مع أبيه شابا حدثا فأقام بها مدة، انتظم فيها في سلك المدرسة النظامية، وتفقه علي الشيخ أبي منصور سعيد بن محمد بن الوزان، وسمع الحديث من أبي الحسن علي ابن هبة الله بن عبدالسلام، وأبي منصور محمد بن عبدالملك بن جيرون. وأبي المكارم المبارك بن علي السمرقندي، وأبي بكر أحمد بن علي بن الأشقر وغيرهم، وأجاز له أبو عبدالله الفراوي وأبو القاسم بن الحصين.

    متي بدأ اتصاله بصلاح الدين؟

    لما عاد أسد الدين وصلاح الدين من مصر، اتصلت بين العماد الأصفهاني وصلاح الدين المودة، وأخذ يستهديه نظمه ونثره، وكأنما شاء الله تعالي أن يمهد بهذه الصلة لما سيكون فيما بعد بين الاثنين من وشائج قوية.

    في هذه الفترة سري خبر خروج صلاح الدين من مصر قاصدا دمشق لتخليص الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود من حاشية السوء والانتهازيين الذين أحاطوا به، ولتوحيد الدولة في قوة تقف أمام الصليبيين -سريان ضوء الشمس، فانثني عزم العماد سنة 570ه عن مواصلة السير الي بغداد، ورأي في العود الي دمشق والالتقاء بصلاح الدين خيرا وبركة، وأمنا وطمأنينة، فقد سبق أن توثقت عري الصداقة بينهما، وتوطدت العلائق، وتأكدت المودة فعاد اليها، وكان صلاح الدين قد غادرها الي حلب ثم الي حمص فلحق به، وكان قد تسلم قلعتها فمدحه بقصيدة طويلة، ولزم بابه، ينزل لنزوله، ويرحل لرحيله، واستمر مدة يغشي مجالس صلاح الدين متقربا اليه والي القاضي الفاضل، ينشد السلطان المدائح ويعرض بصحبته القديمة، حتي نظمه في سلك جماعته.

    هكذا طويت صفحة مليئة بالمتاعب والشدائد من حياة العماد، ونشرت صفحة جديدة سيبلغ فيها أوج المجد ويرتفع ذكره، ويخلد اسمه بين الخالدين من أدباء ومؤرخين.

    فلقد استكتبه صلاح الدين ووثق به، وقربه اليه، وصار من خاصته، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم، صاحب السر المكتوم اذا غاب القاضي الفاضل والنائب عنه« وان لم يصل الي نفس المكانة العالية التي كانت للفاضل في نفس صلاح الدين.

    نسب إلي أيوب

    كيف جاء نسب بني أيوب في المصادر التاريخية؟

    – لا خلاف في ان الملك الأفضل نجم الدين أيوب -رحمه الله- والد الملوك، وأخاه الملك المنصور أسد الدين شيركوه، وهما ابنا شاذي بن مروان، ثم قيل إن مروان هو ابن محمد بن يعقوب، وقيل مروان هو ابن يعقوب نفسه، واختلف في أصلهم: فذكر عز الدين بن الأثير -المؤرخ الموصلي- أن أصلهم من الأكراد الرَّوَاديَّة وهم فخذ من الهذبانيه.

    وأنكر جماعة من ملوك بني أيوب النسبة الي الأكراد، وقال: إنما نحن عرب، نزلنا عند الأكراد وتزوجنا منهم«. وادعي بعضهم النسب الي بني أمية.

    وكان الملك المعز اسماعيل بن سيف الإسلام ظهير الدين طُغْتكِين بن أيوب -صاحب اليمن بعد أبيه سيف الاسلام ظهير الدين يدَّعي ذلك، وسمي نفسه: المعزلدين الله«، وخطب لنفسه بالخلافة في اليمن، وذلك في أيام عمه الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب، فأنكر ذلك الملك العادل -رحمه الله- وقال: لقد كذب اسماعيل، ما نحن من بني أمية أصلاً«.

    والذين ادَّعوا هذا النسب قالوا: أيوب، بن شاذي، بن مروان، بن الحكم، ابن عبدالرحمن، بن محمد، بن عبدالله، بن محمد، بن محمد، بن عبدالرحمن، ابن الحكم، بن هشام، بن عبدالرحمن الداخل، بن معاوية، بن هشام، ابن عبدالملك، بن مروان، بن الحكم، بن أبي العاص، بن أمية، بن عبد شمس، ابن عبد مناف«، وفي عبد مناف يجتمع نسب رسول الله -صلي الله عليه وسلم- ونسب بني أمية. فهذا قول من جعل نسبهم في بني أمية.

    وجماعة آخرون أثبتوا نسبهم في بني مرة بن عوف، وممن أثبت ذلك الحسن ابن غريب بن عمران الحرسي، فإنه أوصل نسبهم الي علي بن أحمد المري الذي امتدحه المتنبي بقوله:

    شَرقِ الجُّو بالغبار اذا سار

    عليُّ بنُ أحمدَ القَمقْامُ

    وأحضر هذا النسب الي الملك المعظم شرف الدين عيسي، بن عبدالملك العادل -صاحب دمشق- فسمع النسب عليه، وأسمعه ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، في سنة تسع عشرة وستمائة.

    والنسب هو ذا

    أيوب، بن شاذي، بن مروان، بن أبي علي، بن عثيرة، بن الحسن، ابن علي، بن أحمد بن علي، بن عبدالعزيز، بن هُدْبة، بن الحُصَين، ابن الحرث، بن سنان، بن عمرو، بن مُرَّة، بن عوفش. ثم اختلف النسابون بعد ذلك، فالأكثرون قالوا:

    عوف، بن سعد، بن ذُبْيان، بن بَغِيض، بن رَيْيث، بن غَطَفان، بن سعد، ابن قَيْس بن عَيْلان، بن إلياس«، بن مُضر، بن نزار، بن مَعَدَ، ابن عدْنان« وبعضهم قالوا:

    عوف، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر -وهو الذي ينتمي اليه نسب قريش كلهم -ابن كناتة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، ابن نزار، بن معد، بن عدنان«. والنسابون مختلفون فيما وراء ذلك، أي عدنان.

    والذي ذكره صاحب السيرة، أنه: عدنان، بن أُدد، بن مُوضوّم، بن ناحور، بن تيرح، بن يعرب، بن يشجب، بن نابت، ابن اسماعيل، بن ابراهيم -صلوات الله عليهما -بن تارخ. وهو آزر، ابن ناحور، بن شاروخ، بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، بن أرفخشذ، بن سام، ابن نوح -عليه السلام- بن لمك، بن متوشلخ، بن أخنوخ -وهو إدريس عليه السلام -بن يرد، بن مهليل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، ابن آدم -أبي البشر عليه السلام-«.

    فهذا جملة ما قيل في نسبهم، والله تعالي أعلم بحقيقة ذلك.

    كيف تقرأ هذه المصادر في جملة نسب بني أيوب؟

    – مع ان الكثير من المؤلفات التاريخية أشارت الي أن الأيوبيين ينتمون الي الأكراد إلا ان هذا قد يكون مصدره خطأ مؤرخ واحد ونقل عنه الباقون.

    كيف جاء الخطأ التاريخي وأدي الي هذا الخلط في النسب؟

    – المؤرخ الكبير ابن الأثير صاحب كتاب الشامل في التاريخ أشار الي نسبة الأيوبيين الي الأكراد ونقل الآخرون عن هذا المصدر مع ان ابن الأثير ولد عام 555ه ومات 632ه وكان معاصراً للأيوبيين إلا انه لم يتصل بالسلطان صلاح الدين ولم يعمل معه عن قرب كما انه لم يعاصر نجم الدين أيوب والد صلاح الدين أو أخوه أسد الدين شيركوه ولهذا تؤخذ رواية ابن الأثير بحذر لعدم الدقة في هذا الأمر خاصة ومن دلائل التاريخ التي تؤكد ان الأيوبيين ليسوا من الأكراد ما قاله ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان المجلد الثاني في صفحة 491 عندما ذكر بلدة دوين فقال دوين بلدة في نواحي ارَّان في آخر حدود أذربيجان بقرب من تفليس، منها ملوك الشام بنو أيوب« وكان ياقوت معاصرا للأيوبيين ومات سنة 626ه وأكد ابن شداد في سيرة صلاح الدين ان أهل الأيوبيين من بلدة دوين ومعلوم ان تلك البلاد لم تكن من بلاد الأكراد وان هذه البلاد فتحت في عهد الخليفة عثمان بن عفان حيث استقرت الجيوش الاسلامية في تفليس وتلك المناطق وان الي جوارهم الكرج وهم قوم من النصاري كثيراً ما هاجموا المسلمين وعلي هذا فان نجم الدين أيوب وأخاه أسد الدين شيركون قدما من بلدة دوين بحثاً عن الأمان والنجاة فوصلوا الي بغداد ثم الي تكريت تلك البلدة التي بناها العرب قبل الاسلام ولم تكن موضعاً من مواضع الجماعات الكردية والآن أترك الكلام كما جاء في سيرة صلاح الدين الأيوبي علي لسان ابن شداد:

    كان مولده -رحمه الله- علي ما بلغنا من ألسنة ثقات تتبعوه حتي بنوا عليه تسيير مولده علي ما تقتضيه صناعة التنجيم -في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة، وذلك بقلعة تكريت.

    وكان والده أيوب بن شاذي -رحمه الله تعالي- والياً بها، وكان كريماً أريحياً حليما حسن الأخلاق مولده بدوين، ثم اتفق له الانتقال من تكريت الي محروسة الموصل، وانتقل ولده المذكور معه، وأقام بها الي أن ترعرع، وكان والده محترما مقدما هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك زنكي.

    واتفق لوالده الانتقال الي الشام -حرسه الله تعالي وأعطي بعلبك، وأقام بها مدة، فنقل ولده المذكور -رحمهما الله تعالي -الي بعلبك المحروسة، وأقام بها في خدمة والده يتربي تحت حجره، ويرتضع ثدي محاسن أخلاقه، حتي بدت منه أمارات السعادة، ولاحت عليه لوائح التقدم والسيادة، فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي -رحمه الله تعالي -وعوَّل عليه، ونظر اليه، وقرّبه وخصصه، ولم يزل كلما تقدم قدما تبدو منه أسبابٌ تقتضي تقديمه الي ما هو أعلي، حتي اتفق لعمه أسد الدين -رحمه الله- الحركة الي محروسة مصر والنهوض اليها.

    لكن كلام المؤرخين مع أهميته يحتاج الي نظرات أكثر تحليلاً فكيف يمكننا أن نقدم للقاريء ذلك؟

    – من الأدلة علي أن صلاح الدين الأيوبي كان عربياً مسلماً ولم يكن كرديا أنه عندما آل اليه حكم مصر وضم اليها بلاد النوبة ومعظم ليبيا وبلاد الشام ماعدا المناطق التي كان احتلها الصليبيون اضافة الي بلاد الموصل واضاف اليمن وبلاد الحجاز الي دولته ومع ذلك فانه لم يستول علي المناطق الكردية المجاورة لدولته فلو كان صلاح الدين من الأكراد فلابد له أن يضم تلك البلاد الي دولته حتي يقوي بالأكراد ولكنه لم يفعل لأن الأكراد كانوا دائما يسببون الاضطراب في دولة الخلافة العباسية ومن ثم فإن الأتابك عماد الدين زنكي قاتلهم واستولي علي مناطقهم حسب ابن واصل في كتابه مفرج الكروب في أخبار بني أيوب في الجزء الأول من الصفحات من 55-57 مؤكداً بذلك ان الأكراد كانوا عنصرا سلبياً في تاريخ الاسلام.

    ماذا تحمل دلائل التاريخ الأخري عن نسب صلاح الدين الي العرب؟

    – من دلائل التاريخ بأن صلاح الدين الأيوبي لم يكن كرديا ان أحداً من ملوك أو أمراء الأيوبيين لم ينسب نفسه الي الأكراد وهذا يؤكد صحة رأينا مع العلم أن مسألة ذكر الانسان وتتبعها كان أمراً مألوفاً وضروريا في ذلك الزمان.

    ومن الأدلة كذلك ان السلاطين الأيوبيين والأتراك لم يتخذوا من الأكراد جيشاً والمؤكد أن أفراداً لا يتجاوز عددهم عدد اليد الذين عملوا مع صلاح الدين وهم من المقربين اليه وكما ذكر أخواله اعتقادا من ان صلاح الدين الأيوبي كانت أمه من الأكراد وكان الجيش الذي عمل مع السلطان صلاح الدين الأيوبي من عرب الشام ومن عرب مصر والأتراك السلاجقة والتركمان ويضم المجاهدين من الأقطار الاسلامية كافة ولم يعتمد علي عنصر بعينه وهذا العماد الكاتب الأصفهاني يقول: وكتب الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الي الأقطار والبلاد، يستدعي من جميع الجهات جموع الجهاد، وأهل للاستدعاء أهل الاستعداد، واستحضر الغزو، من الحضر البدو.

    وانظر في هذا الشأن مفرج الكروب في أخبار بني أيوب الجزء الأول.

    لقد ثبت ان السلاطين الأيوبيين هم الذين أكثروا من شراء المماليك وأدخلوهم في الاسلام وكونوا منهم قوات عسكرية نظامية وزاد هذا الاهتمام في عهد السلاطين المتأخرين وعلي وجه الخصوص السلطان الملك الصالح نجم الدين حيث زاد عدد المماليك عن سبعة آلاف وكانوا يمثلون قوة عسكرية مرهوبة الجانب واسكنهم في جزيرة الروضة بين فرعي النيل في القاهرة ولقد بان لهؤلاء المماليك أثر جميل في هزيمة لويس التاسع ملك فرنسا مع قواته في معركة المنصورة 1249م وهم الذين أقاموا دولة المماليك بعد وفاة الملك الصالح نجم الدين وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده وكانت لهم أياد بيضاء في دحر الصليبيين من بلاد الشام ومصر وهزيمة التتار في عين جالوت ثم تحويل التتار الي الاسلام ولهذا نقول أين كان الأكراد في تاريخ الدولة الأيوبية، فهم لا وجود لهم وهذا يؤكد عدم صحة ما قيل ان صلاح الدين الأيوبي كان من الأكراد.

    ثم شرح ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ كيف كان الأكراد يمثلون عنصر اضطراب في المنطقة ولهذا اضطر عماد الدين زنكي سنة 528ه الي قتالهم واخضاعهم وفي هذه السنة استولي عماد الدين زنكي علي جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما.

    منقوووووووول

    المصدر / جريدة الراية القطرية

  9. الاستاذ الفاضل الدكتور أحمد الخليل جزاك الله خيرا عن العلم والمعلومات التي أسديتنا بها ولي عندك بعض الوقفات ،أولها
    نقلت(وتشعر فيها النفس بالاتصال مع شيء داخلي، هو الكائن الكامل، الكائن اللامتناهي، الله “)أفليس الاجدر بأن يحرص الناقل على ثقافة المجتمع الناقل اليه المعلومة وكما تعرف بأن القران الكريم وعقيدة المسلمين تنزه الله جل جلاله أن يكون كمثله شيء،فكان يجب التنويه عن ذلك.
    أستاذي ،انك أكثر مني تحقيقا ولهذا أسءل عما ورد في( والحقيقة أنه لا أصل لكلمة (صوفي) في العربية من جهة الاشتقاق أو القياس،)ألا يجوز أن نقيس على أصل كلمة صفاويمكن الرجوع الى كتب الصحاح والمعاني أو كما أوردت الى كلمة صفة(أهلال الصفة)،فليس هناك ثابت لمعنى الكلمة نعم ولكن لها جذور يونانية أو غيرها وهذا شيء مؤكد حسب ما أوردت أفلم يكن في ذلك الوقت أنبياء ومرسلون وعباد وزهاد وأوصياء ، وعليه فوجودها ليس مسبعد ولا ببعيد عن مكنونها في الاسلام . رجائي لك بأن تذكر في مجمل ما أوردت من تحقيق التوثيق من أسم من قال (وقد قال أحدهم:
    تنازع النـاسُ في الصوفيّ واختلفوا
    وظنّه البعض مشـتقاً من الصوفِ
    ولستُ أمنح هــذا الاسمَ غيرَ فتًى
    صافى فصُوفيَ حتى سُمّي: الصوفي )وإذا لم يكن موجود فالأولى أن ترفدنا بغيره ممن توثقت منه.
    ذكرت بأن لقب الشيخ نقشبندي وأوردت ما جاء في الكتب في ذلك لكن لم تذكر ولم تنقل عن المراجع التي توضح بأن الطريقة النقشبندية هي في أصل جذورها قادريوهي حقيقة يجب التأكد منها حيث أوردت (ووصف محمد بن سليمان البغدادي في (الحديقة الندية، ص 3) الشيخ خالد بقوله:
    ” حضرة شيخنا ومولانا الشيخ خالد الشافعي الأشعري النقشبندي القادري السهروردي الكبروي الجشتي الشهرزوري “. وهذا هو التسلسل الطبيعي.) لقد أوردت (وتلقاه على أيدي العلماء المشهورين، ومنهم الشيخ عبد الكريم البَرزَنْجي،)وللعلم وكما تعرف هناك شيخ أخر من العلماء العاملين والاشياخ الصوفية الكبار في العراق بنفس الاسم فرجائي أن تفرق بين الاثنين مع إنك وضعت السنة ،ولكن زيادة في التحقق وتوسيع المعرفة وتفهم القارئ الترابط بين العرب بنسهم الشريف (أهل بيت رسول الله(صلعم))وكيف نسبوا الى الاكراد .
    مع فائق تقديري لجهوكم الكبيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *