الرئيسية » مقالات » التاريخ يتكلم الحلقة 58 – هل الموسيقى ضرورية في الظروف الصعبة ؟؟؟

التاريخ يتكلم الحلقة 58 – هل الموسيقى ضرورية في الظروف الصعبة ؟؟؟

16/02/2007

شتاء 1986 : ايرين باباس
كلي زيوة. كم هي محببة الى النفس اشعة الشمس الدافئة وسط يوم الشتاء القارص، نود التعلق باذرعتها حينما تبسطها سخية لتبعث في الكون الحياة والتجدد، وفي الوقت نفسه كنا نهابها لانها توفر المناخ الجيد للطيران فنصبح فريسة سهلة له. جلست اتنعم بذلك الدفء فوق صخرة كبيرة في الكلي انا وكتابي، صديقي المفضل.
كنت اقرأ للكاتب الجزائري الكبير (بوجدرة) رواية ” التفكك” وبقدر ما كنت انسى همومي بالقراءة، كان الشرود احيانا يقودني الى متاهات لا حدود لها فاتساءل عن مصيري وارجع الى الايام الخوالي ايام الطفولة الجميلة اتذكر جدتي ومقولتها (لكل بداية نهاية) ولكن كيف ستكون هذه النهاية؟ فحينما لا يتحكم الانسان بحياته، يكون مصيره مجهولا معلقاً بكتوف القدر. كانت هذه الافكار تتصارع في مخيلتي واخال ان بركانا سينفجر داخلي. يجب ان تتغير حياتي ولكن لا اعلم كيف؟ ومتى؟ وسط ذلك البحر المائج من التأملات واحلام اليقظة واجترار اللحظات المؤلمة، واذا بصوت لموسيقى عالية يصدح قريبا مني يصاحبه صوت ينساب برقة وعذوبة وحنان بلغة لا افهمها ولم تطرق مسامعي من قبل. لقد شدني ذلك اللحن لفترة ربع ساعة، تقريبا، بعثت في نفسي المتعة والسعادة. التفت الى الرفيق ابو وسن طريق وسألته عن هوية تلك المغنية وبأية لغة تنشد. قال انها ايرين باباس، المغنية اليونانية العظيمة وهي اشهر من نار على علم. عبرت عن اسفي، فمع انني طربت للغناء والصوت الا اني لم افهم كلماته. اعاد الشريط من بدايته وقضينا فترة الصباح نستمع اليه، ثم اخذته لاستنسخه، كنت اتجنب سماعه احيانا، لانه يبعث فيْ الاسى والحزن، واحيانا اخرى انسجم معه اشد انسجام. لقد اطربنا الفن اليوناني ونحن في احلك الظروف، ولكن شاء القدر ان يقذفني الى وطنك ايتها الفنانة القديرة, ولكن لم يحالفني الحظ في التعرف على صورتك او مشاهدة اعمالك*. لم تمر لحظات حتى اختلط صوت ايرين باباس بازيز الطائرات المقاتلة طغى عليه. حلقت الطائرات فوق رؤوسنا بسرعة وعلى ارتفاع منخفض جدا، فتركنا الكتب وجهاز التسجيل على حاله واندفعنا الى الملاجيء. كان معي في الملجأ الرفيقة ام علي وطفلها الصغير سمسم (عمره سنتان ). بدأت الطائرات المغيرة تقصف بعنف. اصوات انفجارات مدوية ومتتالية. انها انفجارات القنابل العنقودية والطفل يصرخ وقد تشبث بوالدته يستنجد بها ويقول لها: ” ماما اني اخاف ” وعلامات الرعب والهلع بادية عليه. كانت والدته تربت على رأسه وتحاول تهدئة روعه وتقول له لا تخاف يا حبيبي الطائرات لا تصلنا ونحن في مأمن منها”.
عادت الطائرات لتغير علينا ثانية، اصوات الانفجارات قريبة منا. كنا نستطيع تشخيص الاتجاهات. بعد لحظة ولت ادبارها ولم تعد. كنا نبقى في الملاجيء، عادة، لمدة خمسة دقائق احتياطا وللتأكد من عدم حصول غارات اخرى. خرجنا لنسأل عن الضحايا بين الفصائل الاخرى المتباعدة بواسطة اللاسلكي، فعلمنا بعدم وجود اصابات ولكن حريقا شب في قمة الجبل. توجهنا جميعا لاطفائه لان المنطقة تبقى مكشوفة عند احتراق الاشجار، اولا، ثم ان الحريق يقضي على وقودنا الاحتياطي من الاخشاب التي نستعملها في الشتاء، والحفاظ على الغابات من الاهمية بمكان بالنسبة لنا. بعد جهد ساعات استطعنا اخماده ونحن نتوقع بين اللحظة والاخرى معاودة الطيران اغارته علينا، لكن ما باليد حيلة.
الغريب في الامر ان الطفل سمسم كان، وبصورة لا ارادية، يهرع الى الملجأ حال سماعه صوت الطائرات، وعندما يكون بعيدا عن والديه يتوخى الحذر، يتصرف ومتطلبات الموقف العسكري، وكأنه شخص بالغ، وقد الف الاجواء العسكرية، اتذكره عندما بدأ يتكلم، سألنا: لماذا تهجم علينا الطائرات ولماذا تقصف بالمدفعية؟” ماذا نقول له؟ غير انه عندما يكبر سوف يجد الجواب لسؤاله. كان يسأل ايضا: عندما اكبر هل ستعطوني بندقية؟” كان يحب البندقية ويتعلق بها بشكل غريب ويحاول ان يقلد والديه بزيه وقيافته العسكرية. هذه هي الطفولة في كردستان! الاطفال ذكورا واناثا لا يجدون ما يتلهون به غير التشبه بالكبار، فبعد قدوم الرفيقات وانخراطهن في صفوف البيشمركة، بدأت البنات القرى اليافعات في تقليدهن بحمل العصي كما تحمل البنادق، وكان بعض النساء يلبسن ملابس البيشمركة وتعلق باكتافهن البنادق لالتقاط صور تذكارية. وانا احتفظ لحد الآن ببعض تلك الصور. ان طبيعة السكان هناك والحياة القاسية والظروف غير الطبيعية التي يعيشونها جعلتهم يعشقون السلاح ويعتبرونه مكملا لزيهم الشعبي. والسلاح عندهم شيء ثمين وكلمة كلاشنكوف* يقدسها الجميع. كثير من النساء يجدن استعماله، فنظام العشيرة والقبيلة والاخذ بالثأر هو القاسم المشترك في المجتمعات هناك، ودور الاحزاب والثقافة الجماهيرية ينحسر امام تلك العادات والتقاليد، لكن وجود المرأة في صفوف البيشمركة منح المرأة الكردية الشجاعة لتقول ان باستطاعة المرأة ان تحارب وتدافع عن نفسها وعن الآخرين.

بيت حكيم من عمادية
في الطريق الى مقر حصبة ونحن قادمون من مران مع ابوشهاب البامرني وابونزار، عرجنا على بيت لتناول وجبة العشاء. لم يكن لي سابق معرفة باصحابه وبعد العشاء كنا عادة، نبقى في البيت للمبيت. اثناء الحديث كان الرفيق ابو نزار يخاطبني دكتورة، مما اثار انتباه شابة تناهز الثلاثين من عمرها اسمها شكرية اخت الرفيق حكيم من عمادية ، وبادرتني فورا: هل انت الدكتورة سعاد؟” اجبتها نعم”، انتفضت من مكانها وانهالت علي بقبلات حارة، واردفت تقول سمعنا بك قبل الالتقاء بك من خلال والدتك التي كانت معنا في السجن. لقد قضينا اشهرا معها في صالة واحدة. ثم التفتت تخاطب والدتها، المرأة البدينة المسنة الجالسة في الزاوية: هل تعرفين هذه الفتاة؟ انها ابنة ام سفر التي كانت معنا في السجن”، كنت موضع ترحاب واحترام تلك المرأة. سألتها عن والدتي التي انقضت فترة طويلة دون ان التقي بها، فاخبرتني انها امرأة مثقفة، شخصيتها قوية كانت مسؤولة عن تنظيم امورنا في السجن. يبدو انها قد جابت العالم بشرقه وغربه ، كانت تحدثنا بالعربية عن زيارتها لاوروبا واعجابها بمدينة موسكو.
اخبرتني شكرية بان اخي خالد تزوج في الوقت الذي كانت فيه والدتي في المعتقل وسردت لي القصة باكملها. كان يجري الاعداد لمراسيم الزواج، اذ كان اخوك قد تعرف على شابة صغيرة وخطبت له. وقبل موعد الزواج باسبوع القي القبض على والدتك. واثناء التحقيق كان الضابط المسؤول يحاول ابتزازها ويطلب منها احضار اولادها من الجبل وبعدها تستطيع اتمام عرس ولدها. قال لها نحن نعلم انك تتهيئين لعرس ولدك وانه لمؤلم ان لا تحضر الوالدة عرس ابنها. سوف نكون اسخياء معك، نتيح لك فرصة العمر حين يستسلم اولادك لنا. اجابت: ليس المهم ان احضر عرس ابني فالاهم عندي ان يكون اولادي بخير وهذا ما ادعوه من ربي”، واسترسلت محدثتي شكرية قائلة: عند سماعنا لذلك الحوار وصلابة موقف والدتك لم يسعنا غير التعبير عن اعجابنا بها. كنا نقول لها: مرحى لك يا ام البطلة”، بعدها اودعت السجن وهي فخورة معتدة بنفسها وبانتصارها على رموز الطغيان، وارسلت الى اخوك تخبره بان يعقد زواجه في موعده المحدد دون تأخير وان لا يؤثر اعتقالها على معنوياتهم. بعد اتمام العرس جاء شقيقك خالد وزوجته لزيارتها في السجن واخبرها بان عرسه تحول الى تظاهرة سياسية تضامنا معها وهي في السجن شارك فيها الاهل والاقرباء والجيران والاصدقاء. جميعهم اعربوا عن سخطهم على ذلك الغبن الذي لحق الام في تلك اللحظات الحرجة. انه اجحاف بحقها ولكن بصمودها وصمودنا سوف نسحق راس ” البعث ” ولم ولن نخضع له مهما طغى. حاولت والدتك رفع معنويات اخوك خالد واستحسنت عمله في الزواج رغم انف اعداء الانسانية فلن يستطيعوا ايقافنا –ابدا- منعنا من مواصلة الحياة، المهم سلامة اخوتك”. هكذا كان استقبالها لاخوك وزوجته العروسة”، كان ذلك مبعث غبطتي وسروري واعتزازي بوالدتي، فهذا ما اتوقعه منها، وهذا ما ربتنا والوالد عليه. شكرية تتحدث وانا ادْن صاغية لهدْه الاخبار المفرحة المبكية .
كانوا جميعا رهن الاشارة يتسابقون على تلبية ما احتاجه ويسرهم تقديم اية مساعدة لي، فالشابة شكرية ، صاحبة البيت كانت تكن لي الود والاحترام. انها شابة شجاعة (معلمة) حرمها البعثيون من وظيفتها وابعدوها مع والديها عن مسكنهم في العمادية الى هذه القرية لان اخوها كان قد التحق بصفوف البيشمركة. انه هو الآخر فتى شجاع، ويعيش في الفوج الثالث ، يعانون من الغربة والحرمان ومن وطأة الشتاء القارص، فظروف سكناهم غير مناسبة يفتقرون الى التدفئة والملابس التي تدرأ عنهم برد الشتاء، هذا فضلا عن شحة الموارد والارزاق وسوء التغذية، الا انهم كانوا مقتنعين ان الاهوال والمصاعب تهون من اجل حريتهم وحرية الوطن. كانت تشكو من الفراغ وحرمانها من الكتب التي تساعدها على تجزية الوقت، وانها حذرة من معاودة الاتصال باخيها او اختها في العمادية، حرصا وخوفا على بقية اخوتها واخواتها القاطنين فيها، اذ كانت الرقابة مشددة من قبل رجال الامن على كل عائلة لها اقارب مع البيشمركة.
كانت سهرتنا تلك الليلة مبعث فرح وسرور لي. اذ علمت بعدها ان والدتي قد اطلق سراحها لاحقا. قضينا ليلة جميلة ممتعة عند رفاق متعاطفين يجمعنا هدف واحد نتطلع اليه وهو سقوط النظام، لنعود الى مزاولة حياتنا، فيلتم شملنا واهلينا، وتتحقق احلامنا التي ضحينا بالغالي والنفيس من اجلها.
اليوم الثاني كنا في مقر زيوا. لم يمض وقت طويل على ذلك حتى وردتنا انباء استشهاد 12 من الرفاق اثر وقوعهم في كمين كبير. كان البحث قائما لمعرفة اولئك الشهداء، من هم؟ رجعنا الى المقر لنتعرف على اسمائهم من خلال الكلمة التي ستلقى في الحفل التأبيني. القى الرفيق ابو واثق كلمة الهب فيها احاسيس الغضب على النظام واثار حماس المناضلين، فساهمت في شد ازرهم ورفع معنوياتهم اثر تلك النكبة المفجعة. ولما تليت اسماء الشهداء الاثني عشر، كان من ضمنهم طلال ياقو توماس ابن خالتي. الشاب الوسيم بكيته بكاءا مرا لاكثر من نصف ساعة ثم حاولت التحلي بالصبر والهدوء فالعهد بالمناضلين ان لا يستسلموا للانهيار والبكاء بل يجب ان تعضد النكبات تلك ازرهم وان يواصلوا مقارعة النظام ومنازلته مهما كانت التضحيات. ولكن ما كنت اخشاه، كيف سيكون وقع الخبر على خالتي مريم؟ وكعهدنا بالام التي تثكل ولدها، لقد كان وقع الخبر عليها كالصاعقة. اقض مضجعها فبكته سنة كاملة، ظلت فيها قابعة في دارها مجللة بالسواد. ولم تمض سنة على استشهاده حتى لحقه اخوه خيري، في نفس المنطقة، ولكنها لم يتسنى لها معرفة ذلك الا بعد ستة سنوات من استشهاده. ام ثكلى بولديها! مأساة فاجعة، افقدت الام طعم الحياة، بفقدان فلذات اكبادها. ولكن ام المناضلين لم تخر امام الطغاة فرفاقهم اولادها وعزاؤها فيهم وفي بطولاتهم، انك مبعث اعتزازي ايتها الخالة العظيمة استمد منك معنوياتي، اقول في سري انك قدمت تضحيات لا تضاهى. كنت تلعقين جروحك وتجترين الامك، انني اقاسمك تلك المشاعر واتوق الى اللقاء بك وتملي محياك، والى التحدث اليك. شباط 2007

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *