الرئيسية » الآداب » الشعرية الكوردية المعاصرة

الشعرية الكوردية المعاصرة

 البحث في حداثة الخطاب الشعري الكوردي، يحمل معه ضرورات البحث عن الفضاءات الثقافية العميقة التي أسهمت في تكوين عناصر ومستويات هذه الحداثة، باعتبار ان الحداثة هي وعي التاريخ اولا ووعي ضروراته المفارقة ثانيا،

اذ تكون الحداثة في هذا السياق هي التجاوز والتأسيس في الآن معا باتجاه السعي الدائب لصناعة ممهدات باثة وغاوية تمنح النص قوة الجسد في الحياة والتجدد واللذة … وهذا ما يجعل مقاربة النصوص الشعرية الجديدة في المنجز الشعري الكوردي تمثلاً لوعي اشكالي معقد ومتعدد المستويات ، يبدأ من التعرف اساسا على جوهر المكونات الشعرية العميقة للتاريخ الكوردي الحافل بروح المكان ومثيولوجياته وعزلاته مثلما هو الحافل بروح الانسان وقوته واسحاره وطقوسه، وهو يؤنسن هذه القوة في إطارها الانساني والاخلاقي كموقف مشروع للدفاع عن الوجود والحرية ….
المكان في الشعرية الكوردية هو البطل الاثير، والفضاء الاكثر تمثلا للحيوات الفاعلة والمعبرة، إذ هو يمثل الصيرورة العالية والحاضن الوجودي والمثيولوجي لفكرة القوة السرية فهو باعثها وهو مثيرها وهو صورتها المرآوية التي تجسد المعنى والثيمة المخيالية لها عبر علامات هذه القوة وصورها وعبر تجسيداتها في الاساطير الشعبية، مثلما يمثل جوهر الروح التي تمد جذورها في الطبيعة باعتبار ان طبيعة كوردستان هي محيط وافكار ومشاعر، وهذا ماجعل أغلب الشعر الكوردي الكلاسيكي يجد تمظهراته عبر عوالم هذه الطبيعة ودلالاتها ومعانيها، بدءا من الاشعار القديمة للشعراء أحمد حمدي، صاحبقران، والحاج قادر كويي، والشاعر الرائد أحمدي خاني، ونالي، وزيور، وأحمد مختار جاف، وصولا الى التجارب المهمة لمولوي وبيره ميرد وفائق بيكه س وعبد الله كوران، وشعراء آخرين أمثال عثمان صبري ومحمد صالح ديلان وعلي شونم وعبد الرزاق بيمار وجمال شارباذيري وحسي قره داغي ولطيف هلمت، وعبد الله عباس وغيرهم …
لقد حفلت هذه التجارب المهمة بانحيازات واضحة للشعر الطبيعي، الذي يجد في الطبيعة خصائص وملاذات وقيماً وافكاراً، مثلما وجد في الشعر الاخلاقي نمطا جاذبا لربط الانسان بالقيم والجمال والحب والتصوف، وقد كان لتأثيرات الروح الشرقية وعوالمها الساحرة والاثر العرفاني في التصوف والحلول والوصف التأثر الكبير على وسم القصيدة الكوردية بتوشيحات ومعان ظلت شائعة معها الى حد بروز التجربة الثورية المهمة للشاعر عبد الله كوران الذي انطلق بروحه التحررية الى آفاق اكثر سعة وأكثر تعبيرا عن قوة الروح القومية، وتوصيفاتها التي امتزجت فيها الطبيعة الملحمية والصورية مع قوة الانسان: نبع صاف أمام لألأة القمر
يهتز في قعرها اللؤلؤ والحصى والتراب
هو أجمل عندي من بحر دون ضفاف
تأتي وتروح أمواجه في مربض الشمس…
إن ما يميز تجربة عبد الله كوران هو اندفاعاتها الحماسية نحو التجديد عبر تمثل قيم التحول الاجتماعي والسياسي والثقافي الحادثة في الشعر العالمي وفي حركة التحرر العالمية، فضلا عن تمثلها لجوهر التحولات الفنية والاسلوبية في الثقافات المجاورة. ولاشك فان كوران عندما يتحدث (عن موضوع التجديد في الشعر الكوردي ـ فهو يتحدث عن تأثير شعراء، الفجر الاتي، الترك على الشعراء الكورد، وخاصة على كوران نفسه وعلى نوري الشيخ صالح ،1896ـ 1958 نتيجة ظروف تركيا الذاتية وتعالي الاصوات التحررية انعكاسا للثورة الفرنسية والتيار الرومانتيكي الشعري في اوروبا بالتوجه الى الافكار الحديثة دفعهم للعودة من حيث الشكل الى اوزان الشعر الفولكلوري التركي، والبحث عن المفردات التركية الاصيلة، لتحل محل المفردات العربية التي كثرت وطالت اعادتها) إن التحولات الشعرية الحادثة بعد تجارب الرواد وتجاوزها للثيمات التقليدية التي حفلت بها قصائد الطبيعة، انطلقت من عمق ما تركته الروح الكوردستانية من آثار طاعنة في المكان واللغة والاساطير الشعبية، فاذا كان عبدالله كوران قد مهد لشيوع قصائد الرومانس التي تتغنى بالطبيعة والانسان وقوته الداخلية التي تنشد الحرية والسلام والحب، فان شيركو بيكه س، قد استعاد قوة الطبيعة ليجعلها فضاءه الواسع في اعادة تشكيل رؤاه وفق تحويلات رمزية وملحمية اكثر ادهاشا، تمثلت في ايجاد مقابلات تتراكب فيها الحواضن الاسطورية مع اللحظات الواقعة الموغلة في تلويانت الطبيعة… ان شيركو بيكه س شاعر استعادات بامتياز، يستعيد روح المكان وقوته، يؤطره ببنيات تصويرية لها مذاقها اللوني الفاقع:
من السماء تنزل ثلوج خضراء
كما نرى
والرياح بالوان زرقاء أرجوانية.
وهذا ما يجعل الدالة اللونية حاملا لمعان متعددة، وناقلا لايقاعات نفسية وشعورية ورموز تستعير من الطبيعة الكوردستانية شراهتها في الحياة، لكنه بالمقابل، يجعل هذا النظام الدلالي يقوم على جوهر استعادي، تتحول فيه الصورة الى بنية مفتوحة وباعثة لمعان اكثر توهجا، فاذا كانت الطبيعة الكوردستانية كما هي صورها المعروفة، فانها تكتسب في شعرية شيركو بيكه س، بعدا تصويريا وبعدا دراميا ينطلق من ربط هذه الطبيعة بالانسان وجعلها صورته المتحركة، فالانشاد نحو الحرية هو انشداد انساني، وتمرد الطبيعة هو تمرد انساني وسواد الطبيعة هو سواد الحالة الانسانية بمواجهة عوامل القهر والانسحاق.. وفي قصائده الجبلية تبدو هذه الملامح والتراكيب البنائية ـ الصورية واضحة العيان، لانها تنطلق من وعي الشاعر لتجريبه وتأثره باغلب التطورات الشعرية العالمية والاقليمية:
الليل ابيض،والثلوج تشعل
رؤوس الاطفال شيبا
كرأس جدي
حارتنا بيضاء.. كل الاشياء بيضاء
لكن ثوب امي
آه … هو الوحيد اسود
ان هذا التلوين المتضاد عند شيركو بيكه س يكشف عن وعي مفارق يدرك قوته عبر اعادة انتاج (تركيب) النص الطبيعي وضخه بروح جديدة، تجعل من هذا النص بنية مكثفة، لكنها مفتوحة، تتراكب فيها الرموز والدلالات، الواقع يفقد مباشرته رغم حضوره, اذ هو يتحول الى واقع رؤيوي، كما في مطولته الشعرية “انشودتان جبليتان”، والتي يقول عنها صباح الانباري بانه (يشتغل أدائيا على ملحمية الشخصية الرئيسية… على تأثيرها العام وجدانياً، وعلى تأثيرها الخاص شعريا، وعلى قوة تحويلها او أسطرتها كرمز بشري وانساني عام .. المدهش في مطولات شيركو بيكس انه وبالقوة نفسها يؤسطر المكان ـ الجبل، ويحوله الى كائن يتساوى مع الشخصية الرئيسية في القوة والتأثير) ان شيركو بيكه س في هذا السياق وهذا التجاوز يعد نقلة زمنية وشعرية بين مرحلتين شعريتين مهمتين في الشعرية الكوردية، ويمثل ذروة تحولات هذه الشعرية باتجاه اعطاء الخصائص الفنية والبنائية ميزات تؤنسن فعلها الطبيعة وتمنحها جرعات عالية من التجريد الفني (فعل الالون والموجودات والاشكال)، أي ان القصيدة تتمثل لبناء اكثر توافرا على الاستعارات والدلالات والانتقالات التي تجعل فعل الطبيعة متحركا وحيا وقابلا للحلول على شكل طقوس او موجودات او علامات، والذي وجد في قصيدته المثيرة (الكرسي) التي قرأتها بترجمة الناقد شاهو سعيد ، والتي حافظ فيها على شكل الكتابة الاشكالية التي تثير اسئلتها الوجودية والفلسفية، لانها تنطلق من محور تفكيك العلاقات التقليدية في النص الطبيعي مقابل اصطناع نص لغوي آخر، لكنه اكثر تجريدا واكثر سيولة واكثر تعبير عن قوة الانسان وروحه وتاريخه اذ (يماثل الشاعر هنا بين فكرة الكرسي، وماهيته الاستطيقية، كما يولدها الانسان الفنان في ذهنه.. وبين الكرسي كشيء جامد، يشغل مكانا او فراغا في الطبيعة، ويماثل في الوقت ذاته بين جمال الطبيعة كما هي دون ان يمسها الانسان، والجمال الفني كما يخلقه الانسان ـ الفنان، محاكيا عالم الجمال المثالي الخاص به) اعتقد ان هذا النص ـ القصيدة، وضعنا امام مجموعة من الاسئلة الفلسفية التي تؤكد جوهر التحول في وعي الشاعر وحلوله في عالم قابل للتحول بدهشة، مثلما تؤكد استعادة الشاعر للطبيعة واقصد طبيعته الخالصة التي يصطنع لها اطر ثانوية، يمارس فيها تشكيل عوالمه وانبهارته ولذاته وشراهة مخياله الباحث عن اشباعات متوهجة…
اننا امام شعرية شيركو بيكه س ندرك حقيقة التحول العميق في ارهاصات الشعرية الكوردية الجديدة التي سنجد لها مجالا قرائية للكشف عن حقيقة المشروع التحديثي في هذه الشعرية التي وجدت لها استغراقات جمالية، اتسعت في ضوئها حرفنة الاتجاهات الفنية الجديدة، وخصوصية تجريتها المعبرة عن روح الثقافة الكوردية الحية في المكان الاشكالي الخاضع منذ آلاف السنين لمهيمنات وقوى ضاغطة، جعلت من خصوصيات الشعرية ذائبة او مختلطة مع (شعريات) ما يسمى بالكتابة المشرقية بكل نزعاتها الروحية والغنوصية..
إن ابرز ما يميز الاجيال الجديدة انها تكتب القصيدة المتحررة من رهابيات المكان، اذ هي الآن تستعيده كفكرة ورؤيا ونسق جمالي، مثلما تجعل القصيدة هي المجال الحيوي للتجريب في اطار الثقافة الكوردية، فضلاً عن ان هذه القصيدة قد تخلصت من طابعها الملحمي المعقد، طابع الكتابة التعويضية الى نمط الكتاب السهلة، او ما يمكن تسميته بالنص المفتوح الذي يضع نفسه امام مجالات متعددة من التلاقحات والتلاوين التي تذهب بالشعرية بعيدا…
يكتب الشاعر جوهر كرمانج قصيدته “الملتقى السرابي” تحت ايقاع نزعة توهمية تأخذه بعيدا الى تقابلات متضادة، وهذه التقابلات تكشف عن مزاج شعري يميل الى اللعب والاغواء والسحر.. الشاعر يضع قصيدته تحت هذا النزوع وكأنه يستعيد من خلالها نزعة مضادة لخلاصه الشخصي:
في تلك الامسية الملعونة كمجنون والى الابد
وضعت قلبي على كفيك
وانت مثل شيخ، وللحظة
جعلت رأسك
ملاذا لقلبي
لا أتذكر، لاأعلم كيف ان..
منذ اللحظة تلك
صارت يدي اليسرى
عدوة لدودة لليمنى. ان الكتابة في الشعرية الشخصانية، هو مايميز الكثير من الكتابات الشعرية الجديدة، وصولا الى اجتراح طقوس تسخر من الملاحم القديمة وتضع مشغلها الشعري امام اصطناع اخر لهذه الملاحم، أي الشاعر يتجاوز فكرة وهيمنة (المتحف الشعري) و يضع نصه المرآوي/الشخصاني الجديد امام لعبة كثيفة من السيولة اللغوية والصورية، وكأنه يحمّل هذه الكتابة نزعته الشخصية في المراودة والتنصت، وتحريك مكوناتها بنوع الاحساس المتعالي بالتجاوز والاختلاف ، وهذا ما يجسده الشاعر دلشاد عبد الله في قصيدته (الشطرنج)، اذ تتحول رقعة الشطرنج الى نسيج لحياة ضاجة تبدأ بنزعة شكوكية نافية للثبات في اللون والمكان، وهذه النزعة تؤشر وعي الشاعر، في انه خاضع للعبث

والتغاير رغم ان يموت تلقائيا مثل الجندي والفيل والملك
لاتنخدع بالمربعات البيضاء
لا أحد يبقى في الابيض الى الابد
ولا احد ينحسر الى الابد في المربعات القطرانية،
الليل يمضي، النهار يأتي بعده
وكذلك الفصول احد يقفز داخل البقع البيضاء والسوداء
على جثة العسكر والوزير
على مربعات ممتلئة وخيالية…
ومما لاشك فيه ان الكثير من قصائد الشعرية الكوردية وجدت نفسها امام فضاء من الثقافات الحاشدة بالرموز والمخيالات والاساطير، وان الشاعر الكوردي لم يعد اسير طبيعته الساحرة والمغلقة،اذ هو نحى باتجاه سعة استعارية وتوظيفية، جعل من مزاجه الرومانسي وشفيف روحه القديم امام لعبة تصطنع له استخدامات توظّف الاسطورة التراجيدية لصالح نوع من التراجيديا الشخصية..
عندما حمل سيزيف
الصخرة على كاهله
لو كان يذرف مع كل خطوة
دمعة واحدة
لكانت الان تتفتح على كل صخرة وردة!
عالم على مدى مترين
وعرض متر
وسماء اخرى زرقاء باهتة
وانا ممدد فيها بقدر قامتي
اتحول الى هيدرا
وانتظر هرقلَ كي ينحرني.

الصباح