الرئيسية » التاريخ » كردستانية كركوك وأنحائها في مشاهدات بريطاني

كردستانية كركوك وأنحائها في مشاهدات بريطاني

لقد ثار جدل حول أحقية الكرد في مدينة كركوك وأنحائها، ولا أجدني في هذه العجالة بحاجة إلى إيراد الشواهد التاريخية والجغرافية والديموغرافية حول كردية هذه المدينة وأنحائها.. وكنت قد اطلعت قبل أربع سنوات على رحلة لبريطاني موظف في شركة الهند الشرقية وهي الشركة الإنكليزية التي مهدت لبريطانيا احتلال الهند، وفي هذه المرحلة يغادر البريطاني جاكسون الهند عائداً إلى بلاده بريطانيا عن طريق العراق وتركيا فأوربا قبل أكثر من قرنين وتحديداً عام 1979م.

هذه الرحلة دونها جاكسون تحت عنوان (مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797م) ترجمه الدكتور خالد فاروق عمر، إصدار الدار العربية للموسوعات في بيروت عام 2000م.

هناك نقطة مهمة لابد من الالتفات إليها عند قراءة كتب الأسفار والرحلات التي يضعها الأجانب عن بلادنا، هذه النقطة هي كثرة الأخطاء الفاضحة التي يقع فيها أولئك الأجانب ليس بالنسبة لأسماء المدن والمواقع التي يمرون فيها فحسب وإنما بالنسبة إلى كثير من الأحداث التاريخية والتقاليد والعادات المرعية.

وهذا الخطأ يعود إلى جهل معظمهم باللغات الشرقية (العربية، الفارسية، الكردية، التركية وغيرها)، أو لتغليب بعض العصبيات الدينية والقومية.

ومع أن مشاهدات هذا الرحالة لم تذكر الكثير من الأحداث البارزة التي مرت بها كوردستان في تلك الفترة ولم يسهب في وصف الأماكن التي اجتازها ووقع في كثير من الأخطاء، ومع ذلك فإن الأسطر القليلة التي دونها عن كوردستان في أواخر القرن الثامن عشر يؤلف حلقة مهمة من حلقات تاريخية قلما أشار إليها المؤرخون أو الباحثون.

ولكن مهما يكن من أمر فإن الموضوعية والحيدة هي طابع هذه الرحلة على أقل تقدير بالنسبة لموضوع بحثنا فالرحالة بريطاني والمترجم عربي عراقي لذلك لم يكونا منحازين للكرد أو التركمان في أحقيتهم في كركوك وأنحائها.

وإليكم النصوص التي دونها عن أطراف مدينة كركوك وتحديداً مدينة ألتون كوبري وكيف أنه جعلها عاصمة لكردستان التركية.

(واصلنا سيرنا باعتدال حتى الساعة الثانية من يوم الاثنين الرابع والعشرين من تموز (1797م) حين وصلنا مدينة كركوك التي تقع في ذات الوادي الذي أتينا على ذكره قبلاً، ولقد استأنفنا الرحلة على خيول جديدة في الساعة الثالثة وشرعنا نصعد سلسلة الجبال القائمة على يميننا، ولقد وجدنا على مقربة من القمة عدة حفر للنفط، وهذه الحفر قد نقبت في الصخور ويبلغ عمق الواحدة منها ثلاثة أقدام والنفط متوفر فيها بشكل سائل كثيف وله رائحة قوية أشبه برائحة القار الذي نستخرجه من الفحم الحجري وقد شاهدنا فوق هذه الصخور عدة صخور ملحية)(.

ثم يضيف بعد وصوله إلى مدينة ألتون كوبري قائلاً: ((وما أن هبطنا الوادي وقطعنا معظم الطريق عدداً حتى اندفعنا نحو (ألتون كوبري)(2)، التي وصلناها في الساعة السابعة والنصف، وألتون كوبري هذه مدينة كبيرة آهلة بالسكان، وقد أنشئت فوق جزيرة لفها نهر (ألتون) الذي ينقسم بذاته على مقربة من المدينة ثم يعود فيتحد جنوبها في حين تشمل المدينة مساحة الجزيرة كلها، تقوم هنا في الوقت الحاضر حامية كبيرة من الجنود الأتراك وتحد المدينة من الحصون المنيعة التي يصعب افتتاحها والمدفعية غير معروفة فيها)). بعدها يشير الرحالة إلى أن مدينة ألتون كوبري هي عاصمة كردستان التركية بقوله: ((وتعتبر هذه المدينة في الوقت الحاضر (1797) عاصمة لكردستان التركية ويقيم الباشا فيها))(3).

ومما تجدر الإشارة إليه أن المترجم كتب في هامش هذه الصفحة ما يلي: ((يقصد المؤلف بكردستان التركية الأجزاء التي استوطنها التركمان من كردستان، وهي المنطقة الممتدة من أربيل إلى ألتون كوبري وكركوك حتى طوز خورماتو في الجنوب، وذلك بفعل العوائل التركية التي جاءت من تركيا وأسكنت في هذه المناطق واستقرت منذ عهد (السلطان) سليمان القانوني (1520-1566م).

والحقيقة أن مدينة كركوك كانت عاصمة أيالة (ولاية) شهرزور، وفي الوقت نفسه هي عاصمة كردستان العثمانية، حيث كان الباحثون والرحالة الغربيون يطلقون على الدولة العثمانية اسم تركيا، ويبدو أن الرحالة قد جانب الصواب ما بين مدينتي ألتون كوبري وكركوك، وعلى أية حال فإن هذا الخطأ البسيط لا يؤثر في موضوع بحثنا وهي انتماء كركوك والمناطق المحيطة بها من ألتون كوبري وداقوق وطوز خورماتو وغيرها من المدن والقصبات إلى كردستان بالوثائق والمستمسكات العثمانية.

(1) مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797م، ترجمة د. خالد فاروق عمر، الدار العربية للموسوعات، بيروت، 2000م، ص111-112.

(2) المدينة المشهورة الواقعة في الطريق بين كركوك وأربيل، وألتون كوبري كلمة تركية تعني (قنطرة الذهب)، وهي تقع على نهر الزاب الصغير في الجزء الذي يطلق عليه اسم جدول ألتون، وحالياً يطلق الكرد عليها اسم بردى.

(3) المرجع نفسه، ص113-114.



* مدير مركز الدراسات
الصوت الاخر