الرئيسية » مقالات » برامج فضائيات اساءة لقضايا المرأة وحقوقها وأخرى وسعت دائرة الإساءة

برامج فضائيات اساءة لقضايا المرأة وحقوقها وأخرى وسعت دائرة الإساءة

من السمات المميزة التي شغلت وما زالت تشغل المجتمعات الإنسانية منذ حقب طويلة هي نضال المرأة من اجل نيل حقوقها ومساواتها وصراعها بالضد من القوانين الذكورية المجحفة التي ترى فيها اقل مكانة من الرجل، وحقق هذا النضال الكثير من المكاسب والنجاحات وصارع من اجل إلغاء استعباد المراة واعتبارها قطعة من أثاث البيت لها وظيفة محددة في الجنس والإنجاب وخدمة الرجل وما نراه من نجاح وتطور في الحقوق يعود لذلك النضال الطويل القاسي والذي افرز قناعات واسعة لدى الكثير من التنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية والمدنية حيث أصبحت عدالة قضيتها تعم المعمورة جميعها إلا أن البعض في بلداننا مازال يرى في المرأة عورة ويقف ضد أية حقوق مدنية تمنح لها، والبعض الآخر يرى في منح الحقوق قضية تمس الأخلاق وخروجاً عن التقاليد والأعراف وتدعو للفساد والدعارة وغيرها من الأراجيف التي تطلق العنان للفكر الظلامي مستغلة الدين بالدرجة الأولى ، من هذا المنطلق وبعد مشاهدتي لبرامج تلفزيونية على الفضائيات تخص المرأة وبدلاً من الدفاع عنها فقد استغلت وأسيء لها تحت طائلة بعض المقولات عن المجتمع والكرامة والشرف، فمـن على شاشة روتانا سينما الفضائية أطلت الإعلامية المصرية هالة سرحان مع برنامجها ” فتيات الليل ” لتحيل الساحة الإعلامية المصرية إلى تجاذب أصيب بالهرج والمرج وظهر ذلك من خلال برنامج ” تسعين دقيقة ” على مدى أكثر من حلقة الذي يقدمه الإعلامي معتز الدمرداش ومي الشربيني من على فضائية المحور حيث تداخل فيه صحفيون وإعلاميون وأكاديميون ومواطنون من مختلف الطبقات وكل واحد منهم أدلى بدلوه، وفيهم من استغاث من هذه التهمة وحشر اسم كرامة وشرف مصر ما بين الإهانة وسوء السمعة والموقف بان مصر جبل لا يمكن أن تأثر فيه إبرة، أو ما قيل أن ثلاثة من الفتيات اللاتي ظهرن على الشاشة لسن عاهرات وقد دفع لهن ( 400 ) جنيه مصري ولقن حسب الادعاءات بما أريد منهن. الضجة المتعددة الوجوه والآراء تصدرها مطالبة البعض من المحامين محاكمة هالة سرحان بتهمة نشر الفسق والفجور وإغراء الفتيات وتشجيعهن على العمل في الدعارة وطالب البعض بسحب ترخيص بث روتينا سينما لأنها شوهت صورة الفتيات المصريات، وأشير أن الشعب المصري أصيب بالصدمة وبالصميم وان المصريين في الخارج ” حسب قول احدهم ” أصابهم الهلع والعار وهم لا يستطيعون رفع رؤوسهم ” أمام هذا الفضيحة التي ألحقتها بهم هالة سرحان وبرنامجها وهم يشاهدون في عيون المواطنين غير المصرين الازدراء والإدانة وباتهام الشعب المصري دون استثناء .. على ما أعتقد أنها مبالغة غير منطقية ما قاله البعض في حلقات برنامج تسعين دقيقة حول تشويه سمعة مصر وفتيات مصر أو أن مصر عظيمة لا تهزها مثل هذه القضايا ما هو إلا هراء وإشغال المجتمع المصري وغيره في قضية عادية لا تتحمل مثل هذه الحملات التي جعلتها مشهورة أكثر من بداية بثها تلفزيونياً وإذا أسلمنا بذلك فان عشرات الأفلام المصرية القديمة والحديثة تناولت وتتناول هذه القضية بشكل اشمل وأوسع مع دق الكؤوس وتناول المخدرات وبيعها في الليالي الحمراء الماجنة و وزركات الشرطة لأحياء وبيوت الدعارة وهزّ الوسط المشهور العاري المهين للمرأة لأنه مدفوع الثمن، ونقول بصراحة أن برنامج هالة سرحان عبارة عن برنامج هزيل ووقتي محدود بالمعنى عرض مرة واحدة ولن يتكرر كثيراً وسف ينساه الناس أما الأفلام المصرية التي اشرنا لها فما زالت تعرضها المحطات الفضائية حيث يعود تاريخ البعض منها إلى ( 50 ) عام بدون أي اعتراض لا من تسعين دقيقة ولا للبعض من ضيوفها المعارضين.

إن ما جاء في أكثرية المناقشات والحوارات كان من اجل تحقيق أهداف البعض التي أعلنوها جهاراً ولا سيما نحن نعرف أن الضجة ليست وليدة الحاضر بل تعود إلى ما قبل عام حينما أعلن تسجيل البرنامج.

إن هالة سرحان أساءت الاختيار والطرح وظهرت أكثر سذاجة كإعلامية متمرسة لأن قضية فتيات الليل المأساوية موجودة في مصر وغيرها ، وتتحمل هالة الكثير من الأخطاء التي رافقت برنامجها لا بسبب عرض الفتيات الثلاثة المخطئات اللواتي سحبت أقدامهن لأسباب نفعية ومادية مثلما قلن وتراجعهن بعد ذلك فحسب بل أنها عالجت هذه القضية المهمة بطريقة ترفيهية دون الرجوع إلى الأسباب المؤدية لممارسة هذه المهنة وفشلت من أن تجعلها في موقعها الصحيح وقفّزتها فوق الواقع الاجتماعي والطبقي لا بل حاولت والبعض ممن حضروا البرنامج جعلها قضية مرتبطة بذات الشخص واعتباره شخصية مفصولة عن واقعها ومجتمعها باعتمادها على قول إحداهن ” أن البعض من الفتيات اللواتي يمارسن المهنة حتى من أسر غنية وهن لسن بحاجة مادياً ولديهن سيارات خاصة بهن.. الخ ” وإن الفقر والعوز ليس السبب في قضية هذا المهنة اللاإنسانية .

من جهة ثانية لا أتصور أن هالة سرحان كان هدفها نشر هذه المهنة أو نشر الفسق والفجور لأنها موجودة قبل أن تُخلق هالة سرحان ليس في مصر وحدها بل جميع الدول العربية والإسلامية بما فيها وجود أماكن مسموحة بها قانونياً من قبل السلطات في البعض من الدول.

لا شك أن هناك أسباب ثانوية تتعلق بوجود هذه المهنة إلا أننا نؤكد أن الفقر هو السبب الرئيسي الأول عن انتشار هذه المهنة وبجانبها انتشار التطرف والعنف والجرائم والمخدرات وما على هالة سرحان وضيوفها وممن حضروا التسعين دقيقة أن يعترفوا بوجود مئات الآلاف من المصريين يعيشون في المقابر تحت طائلة الفقر ذلك الغول اللئيم الذي يتربص بهم كما هو في البلدان العربية والإسلامية وأكثرية دول العالم، يعترفوا أن قضية الدعارة لا يمكن حصرها في عدة فتيات في مصر فهذا الداء منتشر وملموس في كثير من البلدان ومعالجتها يتزامن مع معالجة الفقر والبطالة والعدالة في التوزيع.. ولهذا نحن ضد من يحاول ربطها بمصر وكرامة الشعب المصري لان كرامة الشعب المصري رجالاً ونساء في الملايين من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والكسبة والموظفين وباختصار كرامة شغيلة اليد والفكر في مصر كلها، وهم وجهها الحقيقي الناصع المعروف على مدى التاريخ، والضجة في برنامج تسعين دقيقة للإعلامي معتز الدمرداش ومي الشربيني كانت عبارة عن ضجة مفتعلة جرت الموضوع إلى متاهات بعيدة ما عدا مقاله السيد القمني عندما سال عن رأيه فقال لا اتفق مع ما طرح في برنامج فتيات الليل وكان المفروض جلب فتيات ليل حقيقيات لأن القضية مرتبطة بالفقر والحاجة.. ويحضرني بهذا الصدد أنني شاهدت برنامجاً مماثلاً قبل ثلاثة سنوات عن أسباب الدعارة في الدول الاسكندنافية وللذين لا يعرفون أقول أن هذه الدول هي قمة الضمانات الاجتماعية في الدول الرأسمالية، لم يكتف مقدمي البرنامج على اللقاءات في الاستديو بل هبطوا إلى الشوارع والأزقة ومكان تجمع العاهرات المجازات قانونياً وغير المجازات واجروا لقاءات ومناقشات ومثلما قالت إحدى فتيات هالة سرحان إنها تحصل على ( 10 ) آلاف جنيه شهريا فقد كانت الفتيات الأخريات يؤكدن حصولهن على ما بين ( 30 و 35 ألف كرونة ما يعادل حينها تقرباً 4500 آلاف دولار) وهي مبالغ كبيرة بدون ضرائب وكانت جميع الأجوبة تقريباً تخص موضوعة عدم وجود فرص عمل والعوز والحاجة لأن المساعدات الاجتماعية التي تقدمها البلديات لا تكفي لهن وكما هو معروف أن معدل الأجور في تلك البلدان هو تقريباً ( 17 ألف كرونة ما يعادل حينها 2200 دولار ) تدفع منها ضرائب كبيرة ، لم تُثر ضجة ولا هرج ومرج ضد صانعي البرنامج ولم يعتبر البرنامج تشجيع لانتشار الدعارة والفسق والفجور بل جرت مناقشات واسعة حول الأسباب من أجل أن تتم معالجة هذه الظاهرة التي تهين كرامة المرأة وتعتبرها سلعة كما باقي السلع في السوق له ثمن معين، ولا بد الإشارة للطرح المسيء من قبل البعض أن الإعلان عن ( 10 ) ألف جنيه سوف يشجع على الدعارة بين فتيات مصر هو إهانة للمراة المصرية والمجتمع المصري، إهانة لهذه المرأة المصرية العظيمة التي تصارع من أجل حقوقها ومن أجل أن تكون فعلاً نصفاً مكملاً ونافعاً في المجتمع، إهانة لمئات الآلاف من النساء المصريات المساهمات في تربية الأجيال الجديدة والعمل والبناء والتقدم في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخدمية، إهانة للمناضلات العظيمات اللواتي ذقنَ مرارة الضيم وهدر الحقوق والسجون والمعتقلات.

كان من المفروض على الإعلامي معتز الدمرداش وزميلته مي الشربيني في برنامجهم أن يديروا كفة الميزان على الأسباب الحقيقية لهذه المهنة اللعينة وان يجعلوها لصالح حقوق المرأة ومساوتها بالعمل والأجور مع أخيها الرجل وان يستغلوا هفوات برنامج السيدة هالة سرحان ومدعويها باعتباره فشل إعلاميا في طرح ما تعانية المراة من إجحاف وطمس للحقوق وتعريف أسباب الدعارة التي قامت وتقوم على قاعدة عريضة من الفقر والحرمان والعوز وليس من اجل الترفية والمباهاة كما كان يفعل فرسان القرون الوسطى وخليلاتهم من الأرستقراطيات المتخمات بالشواء ، كان من المفروض تذكير هالة سرحان ومن الذين حضروا أنهم ينظرون لقضية المراة من مكان جلوسهم خلف الزجاج وموقعهم المالي وبذخهم وسلطتهم الإعلامية المنحازة. لكن الذي توضح لا برنامج هالة سرحان ولا برنامج معتز الدمرداش معني بمعاناة المرأة بل معنيين بالفضائح الإعلامية فقط للدعاية الإعلامية ونجاح وانتشار برامجهم التي تدر الأرباح أكثر من غيرها وعلى حساب كرامة وحقوق الإنسان.

أخيراً لنكن واضحين إن الموقف الإيجابي من قضية المرأة وحقوقها المشروعة بما فيها تحررها الاقتصادي واستكمال حقوقها السياسية والمدنية هو الوحيد الذي يصحح الخلل التاريخي الذي بني على استغلالها واتهامها بالضعف والتبعية المطلقة لإرادة الرجل ، ويعيدها إلى موقعها الطبيعي المهم في المجتمع، وما قضية مهنة الدعارة وبقائها بسبب الفقر والعوز والجهل إلا إدانة للعقلية الذكورية الظلامية و للأنظمة السياسية وسياستها المعادية لمصالح الطبقات المسحوقة واستغلالها، إدانة لكل الذين يضعون رؤوسهم في الرمال ويناقشون القشرة دون لبّ الظاهرة.

ــ هل توصل برنامج هالة سرحان أو برنامج معتز الدمرداش ومي الشربيني إلى هذه الحقيقة ؟ حقيقة أن الفقر بيت الداء والأكثرية هم من الفقراء ــ أم أنهما استغلا الوضع المزري وتشويهات الموضوع للتشهير والدعاية والشهرة والفائدة مادياً وإبعاد التهمة عن المسببين الحقيقيين، الاستغلال واصحابه؟ اللبيب يفهم..