الرئيسية » بيستون » الفيليون: أصالة و عَراقة و هموم و آمال (4)

الفيليون: أصالة و عَراقة و هموم و آمال (4)

الإمارات الفيلية و حكمها لبلاد ما بين النهرين

أتحدث في هذه المقالة عن إمارة أتابكية اللور الكبير و التى تُسمى أيضاً بالإمارة الفضلوية التي دام حكمها مائتين و سبعة و سبعين عاماً و التي في ظلها إنتعشت الحركة الثقافية و العمرانية. كما أتكلم عن الأمير الفيلي، ذوالفقار، الذي حكم بلاد ما بين النهرين لمدة ست سنوات و إتخذ بغداد عاصمة له. و أخيراً أسلط الضوء على التقدم الذي شهدته الدولة الزندية في عهد أميره، كريم خان الذي كانت مملكته تضم لورستان و كان يحكم البصرة و البحرين أيضاً.


إمارة أتابكية اللور الكبير (الإمارة الفضلوية) (1155 – 1432 م)

قامت هذه الإمارة الفيلية في جنوب شرقي لورستان في إقليم شرق كوردستان و دام حكمها لمائتين و سبعة و سبعين عاماً. كانت المملكة تضم لورستان و تمتد الى ضواحي مدينة أصفهان و في بعض الفترات كانت تضم أيضاً مقاطعة خوزستان و مدينة البصرة. تقدمت الزراعة و التجارة و إزدهرت النهضة العمرانية في عهد أميرها “أتابك هزار أسب” الذي كان حاكماً عادلاً و حكيماً و محبوباً من قبل شعبه.

حفاظاً على وجوده و على كيان دولته، إضطر الأمير الفيلي “أتابك تيكله” أن يساهم في حملة “هولاكو” على بغداد، إلا أن المجازر الفظيعة التي إرتكبها هولاكو بحق سكان بغداد كانت لها أثراً بالغاً على “أتابك تيكله”، فأبدى إستياءه الشديد من ذلك. علم هولاكو بأمر إستياء أمير لورستان و خطط لقتله، إلا أن الأمير فرّ عائداً الى لورستان قبل أن ينال منه هولاكو. أرسل هولاكو في أعقابه حملة عسكرية كبيرة، حيث تمكنت قوات هولاكو من أسره و قتله.

في عهد الأمير “أتابك نصرة الدين أحمد”، عمت العدالة البلاد و تم إعمار البلاد بعد أن كان سلفه قد خربها و تحسنت الإمكانيات المالية للدولة. إهتم هذا الأمير بالعلماء و قرّبهم إليه و شجعهم. من نتائج هذا الإهتمام كان قيام “ملا فضل الله بن عبدالله القزويني” بتأليف كتابه المعنون “تأريخ المعجم في آثار ملوك العجم” الذي تم طبعه في “بلاد فارس” و الكتاب محفوظ في دار الكتب المصرية. كما أن مخطوطة “محمد بن علي شبانكاره” المعنونة “مجمع الأنساب”، حيث يُلقّب فيها هذا الأمير العادل ب”بير”. يذكر الرحالة “إبن بطوطة” أن الأمير “أتابك نصرة الدين أحمد” قد أنشأ في عهده مائة و ستين مدرسة، كان أربع و أربعون منها في مدينة “إيزاج” و المدارس الباقية كانت منتشرة في أماكن مختلفة من البلاد.


الأمير الفيلي “ذوالفقار” يحكم بغداد و يتخذها عاصمة لمملكته

كان الأمير “ذوالفقار أحمد سلطان ماوصللو”، رئيس قبيلة (ماووصللو) التي كانت من عشيرة كلهور الكوردية، أميراً على أطراف لورستان. بعد وفاة الشاه إسماعيل الصفوي و جلوس إبنه (طهماسب) على العرش في سنة 1522 الميلادية، إستولى الأمير ذو الفقار على بغداد و قام بطرد والى بغداد، إبراهيم خان، الذي كان قد تم تعيينه من قِبل الشاه إسماعيل الصفوي. إتخذ الأمير ذوالفقار بغداد عاصمة لمملكته و إستطاع توطيد سلطته في بغداد و بسط حكمه على معظم مدن بلاد ما بين النهرين (العراق)، حيث وضع حاميات عسكرية كوردية في سائر المدن الممتدة من شمال سامراء حتى البصرة. أعلن الأمير إستقلال بلاده و إحتمى بالسلطان سليمان القانوني العثماني و خطب له على المنابر و ضرب السكة بإسمه و أرسل وفداً الى السلطان سليمان القانوني في سنة 1524 الميلادية لعرض دخوله تحت سيادته. الشاه الصفوي، طهماسب الأول، بعث بجيش لإحتلال بغداد في سنة 1528 الميلادية و نجح في إحتلال المدينة و قتل الأمير الفيلي، ذو الفقار، و تمكن من إخضاع باقي مدن بلاد ما بين النهرين لسلطته و عيّن (بكلو محمد خان) والياً على بغداد و بذلك إنتهى الحكم الفيلي لبلاد ما بين النهرين الذي دام لمدة ست سنوات.


الدولة الزندية (1757 – 1794 م) و حُكمها للبحرين و مدينة البصرة


“الزند” هو فرع من الفروع التي تنتمي الى عشيرة ال”لك” الفيلية، التي كان رجالها يمتازون بالشجاعة (اللور هو جزء من الشريحة الفيلية الذين يقطنون المنطقة الواقعة بين اصفهان وخوزستان ومنطقتهم هذه تُسمى ب”لورستان”). كانت أغلبية الجيش الزندي تتألف من أفراد هذه العشيرة التي تعيش في إقليم شرق كوردستان. كانت قبيلة الزند تسكن في مدينة “ملاير”. بأمر من نادر قلي شاه، تم إبعاد هذه القبيلة الى خراسان في سنة 1173 الميلادية. بعد مقتل نادر شاه المفاجئ، إنقسمت إيران إلى عدة أقاليم وكان أقوى هؤلاء الولاة “كريم خان زند” حاكم شيراز و إتخذ مدينة شيراز عاصمة لدولته. بعد مقتل نادر شاه، عادت قبيلة الزند الى موطنها الأصلي، “مدينة ملاير”. كان كل من كريم خان و أخيه صادق خان يرأس قبيلة الزند. مع مرور الوقت، إستطاع كريم خان زند من بسط سيطرته على المناطق المحيطة بمنطقة قبيلته. إزدادت نفوذ و قوة كريم خان بعد نجاحه في بسط سيطرته على مدينة همدان و وضعها تحت حكمه. إتفق “كريم خان” مع “علي مردان خان” على مهاجمة مدينة “أصفهان” و إخضاعها لسيطرته و نجح في مسعاه، حيث سقطت أصفهان، بعد أن أُجبر حاكمها، “أبو الفتح خان” على الإستسلام و القبول بالأمر الواقع حين أدرك أنه لا يستطيع التصدي لقوات كريم خان و شقيقه إسكندر خان. تم الإتفاق على تنصيب أحد الأمراء الصفويين حاكماً لمدينة أصفهان، حيث وقع الإختيار على الطفل الشاه إسماعيل الثالث الذي كان يبلغ من العمر ثماني سنوات. أصبح علي مردان خان وصياً على حكم مدينة أصفهان نظراً لصغر سن حاكم المدينة و أخذ يُعلّم الشاه إسماعيل الثالث الآداب و الطقوس الملكية. بعد أن إتسعت رقعة مملكة الزند و قويت شكيمتها، أصبح كريم خان قائداً عاماً للقوات المسلحة و تقلد علي مردان خان منصب نائب السلطان و أصبح أبو الفتح خان حاكماً لمدينة أصفهان. توجّه كريم خان الى كل من همدان و كرمنشاه و قزوين لبسط سيطرة الدولة هناك. غياب كريم خان عن أصفهان، كان فرصة لعلي مردان خان للتخلص من حاكم أصفهان، أبو الفتح خان الذي كان يطمح الإستيلاء على بلاد فارس، حيث قام بقتله. في سنة 1757 الميلادية، أصبح كريم خان الحاكم الأوحد لإيران، حيث بسط سيطرته على إيران بأكملها ما عدا مقاطعة خراسان التي تركها لأحفاد نادر قلي شاه الذين كانوا يعيشون هناك ليحكموها تقديراً و إحتراماً لتلك الأسرة الشاهنشاهية، حيث وضع كل من مازندران (1759 م) ثم أذربيجان (1762 م) و مناطق أخرى مترامية الأطراف تحت حكمه.


كان كريم خان ينشد السلم و يرغب في إسعاد شعبه. لم يفكر الدخول في حرب مع بلاد ما بين النهرين الا في السنين الأخيرة من حكمه، حيث كان يبعث الى المماليك بهدايا فاخرة بين حين و آخر. في السنين الأولى من حكم عمر باشا لبغداد، كانت العلاقات بين ولاية بغداد و حكومة الزند جيدة و شاركتا معاً في التصدي لقرصان بني كعب. غير أن العلاقات بدأت تتدهور بين الدولة الزندية و العثمانية بسبب المعاملة السيئة التي كانت السلطات العثمانية تعامل بها مواطني الدولة الزندية من زوار العتبات المقدسة الشيعية الذين كانوا يأتون الى كل من النجف و كربلاء و الكاظمية و سامراء و فرض الأتاوات عليهم من قِبل السلطات العثمانية و تعرض الزوار لإعتداءات مستمرة. من الأسباب الأخرى لتدهور العلاقات بين الدولتين هي ممانعة العثمانيين لتلبية طلب السلطات الزندية لإستعادة مائة أسرة زندية، كانت تقيم في البصرة الى الدولة الزندية بالإضافة الى إنتقال حركة التجارة من ميناء بوشهر و ميناء بندر عباس الى البصرة.

في سنة 1773 الميلادية، إنتشر وباء الطاعون في البصرة و أدى الى وفاة أعداد هائلة من سكان المدينة الذين كان يبلغ مجموع سكانها آنذاك زهاء خمسين ألف نسمة. تفاقمت مشكلة الجريمة و السلب و النهب بسبب الوباء و أدى أيضاً الى ركود التجارة فيها و بدأت غزوات قبائل بني كعب على البصرة. في سنة 1775 الميلادية، بدأ الهجوم الزندي على البصرة بقيادة “صادق خان”، حيث كان الجيش الزندي يتألف من خمسين ألف مقاتل و أسطول مؤلف من ثلاثين سفينة. وصلت طلائع القوات الزندية الى شط العرب تؤازرها قوات من بني كعب. بعد حصار دام ثلاثة عشر شهراً إستسلمت مدينة البصرة للقوات الكوردية و ذلك في شهر حزيران من سنة 1776 الميلادية بعد أن نفد الطعام و الذخائر الحربية في المدينة. كما أن كريم خان إستطاع إسترداد البحرين من العرب المتمردين من “آل حرم” و ضمها الى مملكته. دخول القوات الكوردية الى البصرة جرت بدون عنف. أصبح صادق خان، أخو كريم خان، حاكماً على البصرة و كان يعامل سكان البصرة معاملة جيدة، إلا أن علي محمود خان الذي كان قد نصبه صادق خان حاكماً عسكرياً على البصرة، كانت معاملته قاسية تجاه المواطنين في المدينة أثناء غياب صادق خان عنها. بعد حكم الزنديين للبصرة لمدة أربع سنوات، إنسحبوا من البصرة بسبب وفاة كريم خان زند في سنة 1779 الميلادية.

نظراً لما كان يتمتع به كريم خان من تحقيق العدالة و المساواة و الحزم في إدارة شؤون البلاد، كانت العشائر العربية و التركية في المنطقة يوالونه و ينظرون إليه برضى و إعجاب. خلال حكمه للبلاد، نجح كريم خان في تثبيت الإستقرار و الرخاء في البلاد، حيث إزدهرت خلال حكمه الزراعة و التجارة الداخلية و الصناعة و تم خفض عبء الضرائب عن كاهل المواطنين. كما أن العلاقات التجارية كانت مزدهرة بين الدولة الزندية و الهند و عمل كريم خان على التحكم في واردات الضرائب و قام بتطوير نظام الري. إهتم كريم خان بعاصمته “شيراز”، حيث قام بتحصينها و تزيينها، بإقامة القراميد و تشييد القلاع حولها و بناء القصور و الدور العامة و إنشاء الحدائق الجميلة حولها و غرس الأشجار و الزهور فيها. كما جعل من عاصمته “شيراز” مركزاً ثقافياً مهماً. أثناء حكمه، قام بتجديد ضريحي الشاعرين الشهيرين “سعدي” و “حافظ” المدفونين في ضواحي مدينة شيراز و أوقف عليهما الكثير من العقارات و الكروم و الحدائق و عيّن موظفين و حرّاس لإدارة هذه الأوقاف. كان كريم خان قد خصص بضع ساعات من وقته يومياً لسماع شكاوى المظلومين لإنصافهم و التعرف على مطاليبهم. يذكر “مالكولم” أن كريم خان، في إحدى المرات كان يهم بالعودة الى بيته بعد يوم متعب، إلتحق بموكبه تاجر كان قد تمت سرقة كل ما كان يملكه عندما كان نائماً و أخبر الملك بمشكلته، فأمر كريم خان وزيره بتعويض الرجل ما سُرق منه و البحث عن السارق و المال المسروق. توفي كريم خان في عام 1779 الميلادي، حيث دام حكمه لمدة ثمانية و عشرين عاماً. يرقد ضريح كريم خان زند في مدينة شيراز.

بعد وفاة كريم خان، تنازع العرش أطراف كثيرة و دخلت البلاد في حالة فوضى، حيث إستلم أبناؤه و أقاربه الحكم ، إلا أن الخلافات نشبت بينهم و أدت الى نشوب القلاقل و عدم الإستقرار و إندلاع المعارك بين “صادق خان”، أخ كريم خان و “زكي خان”، الذي إستولى على السلطة و كان ظالماً و قاسياً. أنهى القاجاريون الدولة الزندية في الحرب التى إندلعت بين الجانبين في سنة 1794 الميلادية. الجيش القاجاري كان يقوده زعيمهم “آغا محمد خان”، حيث قام بقتل آخر أمراء الدولة الزندية، الأمير الشاب “لطف علي خان”. قام “آغا محمد خان” بنفسه بسمل عيني الأمير الكوردي الذي تم أسره مجروحاً (عشيرة القاجار هي عشيرة تركية أتى بها “تيمور لنك من سوريا و نقلها الى إيران”، وهي إحدى العشائر السبع التي أوصلت الشاه “إسماعيل الأول” الى الحكم). لم يكتفِ القاجاريون بقتل الأمير الكوردي، بل قاموا بقتل و سمل عيون رؤساء العشيرة الزندية و رؤساء العشائر الأخرى التي ساعدت و آزرت الحكم الزندي. هكذا تم إحتلال عاصمة الدولة الزندية “كرمان” (في عهد الأمير لطف علي خان، تم نقل عاصمة الدولة الزندية من شيراز الى مدينة كرمان) و إختفت هذه الدولة الكوردية التى عاشت لمدة أربعة و ثلاثين عاماً.

أختم بهذه المقالة تسليط الضوء على جانب من تأريخ الشريحة الفيلية و الذي هو جزء من التأريخ الكوردي، حيث كنت أهدف من سرد تأريخ الفيليين لإحاطة القارئ العزيز بعراقة و أصالة هذه الشريحة و عمق جذورها في الأرض التي تسكنها. إن الفيليين هم الشريحة الكوردية التي نزحت من جبال كوردستان الى المناطق الواطئة، حيث المياه و التربة الخصبة و في موطنها الجديد بنت حضارات سومر و عيلام و ميديا و أسست العديد من الدول و الإمارات الكوردية. إن البشرية جمعاء ُمدينة للفيليين بما قدموا من خدمات و إسهامات عظيمة للحضارة الإنسانية، و خاصة بنائهم للحضارة السومرية التي كانت مهد الحضارات، حيث أوجدوا الحروف و الكتابة و الأرقام و فن المعمار و القوانين و الزراعة و غيرها. لذلك لم يكن هدفي من الغوص في تأريخ الفيليين سوى إلقاء الضوء على جانب من تأريخ أحفاد السومريين و العيلاميين و الميديين. للإخوة و الأخوات الذين يرغبون في معرفة المزيد من التأريخ الكوردي، يمكن الرجوع الى كتاب العلامة الأستاذ محمد أمين زكي في كتابيه المعنونين “خلاصة تأريخ الكرد و كردستان – من أقدم العصور التأريخية حتى الآن – الجز الأول” و الصادر في سنة 1945 و كتاب “خلاصة تأريخ الكرد و كردستان – تأريخ الدول و الإمارات الكردية في العهد الإسلامي – الجزء الثاني” الصادر في سنة 1961. كما يتوفر هذان الكتابان باللغة الكوردية و هنك كتاب آخر بالكوردية و المعنون “شرفنامه” لمؤلفه شرفخاني بدليسي، حيث يستطيع قراء الكوردية الإستعانة بهذه الكتب.

في الحلقات القادمة من هذه السلسلة من المقالات سأبدأ بتناول أوضاع الفيليين و ظروفهم و همومهم و آمالهم و الإتيان بأفكار و خطط و برامج قد تساعد في جمع شمل الفيليين لتحقيق طموحاتهم و أهدافهم و ليكونوا شريحة كوردية فعالة يخدمون أمتهم الكوردية و يعملون على بناء حضارة كوردستان و العمل على إزدهارها كما عملها أجدادهم السومريون و العيلاميون و الميديون.


المصادر

زكي، محمد أمين (1945). خلاصة تأريخ الكرد و كردستان – تأريخ الدول و الإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة محمد علي عوني.

زكي، محمد أمين (1961). خلاصة تأريخ الكرد و كردستان- من أقدم العصور التأريخية حتى الآن. الجزء الأول، الطبعة الثانية. ترجمة محمد علي عوني.

لونكريك، ستيفن هيمسلي (1968). أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث. ترجمة جعفر الخياط، الطبعة الرابعة، بغداد.

بدليسي، شرفخاني (1972). شرفنامه. وه ركيران هه زار. كورى زانيارى كورد. (باللغة الكوردية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *