الرئيسية » مقالات » کرکوك و الدیمقراطیة

کرکوك و الدیمقراطیة

الیوم في کرکوك و حول مسألة کرکوك توجد إشکالیة متعددة الجوانب بین فئات مختلفة من العراقیین. ولکن ومن حسن الحظ ولأول مرة في تأریخ المنطقة هناك فضاء و حیز للحریة یسمحان لکل الاطراف الحوار والتحاور حول المشاکل العالقة في کرکوك. و حتی بعض الأطراف بدأت تخول لنفسها حق التهدید والوعید. الأطراف هم الکورد و الجبهة الترکمانیة و بعض تجمعات عربیة. أقول الکورد لأن جمیع الکورد مع الحل الذي قد قرره الدستور العراقي الدائم. و أقول الجبهة الترکمانیة لأن الأطراف الترکمانیة الأخری ، من الاحزاب والتجمعات الثقافیة الترکمانیة مع الحل الدستوري أیضا . وأقول بعض العرب لأن جمیع الأطراف العربیة ( سني کان أم شیعي أو علماني ) المشارکة في الحکومة مع الحل الذي قد أقره الدستور. إن جمیع هذه الأطراف عراقیة ، بمعنی إنهم مواطنون في دولة اسمها العراق.
هذه المحاولة لتحجیم الإشکالیة قد یفید في تأطیرالمشکلة أولا و في محاولات لإجاد حلول حضاریة للمشکلة ثانیا. أعني بالحلول الحضاریة، تلکم الحلول التي لا تلجأ الی العنف.

لنبدأ من المسلمات ؛ عملیة التعریب التي قام بها النظام البائد لا ینکرها أي طرف من أطراف الحوار. لاخلاف علی إن في کرکوك قومیات و مذاهب مختلفة من عرب و ترکمان و کورد وأقلیات عرقیة و دینیة أخری ، وإن المحافظة قد تعرضت لعملیة التعریب، أي أن النظام البائد قد أتی بأعداد هائلة من عوائل عربیة وأسکنهم في کرکوک. السبب من ذلك هو تغیر الترکیب السکاني للمحافظة لصالح القومیة العربیة. إن کرکوك و البصرة و دهوك و إقلیم کوردستان ومحافظة الرمادي کلها مدن و أقالیم تابعة للدولة العراقیة و بموافقة جمیع الأطراف. ومن البدیهي هناك نسب مئویة معینة لکل المکونات العرقیة و الدینیة في العراق . علی سبیل المثال ، الشیعة یکونون قرابة 60% من سکان العراق . هناك دستور دائم في العراق وافق علیه جمیع الناخبون وهم الأکثریة العظمی من العراقیین. أقول الأکثریة لأنه هناك جماعات لم یشارکوا في الإنتخابات وجماعات لم یرضوا بنتائجها. و هذه حالة صحیة وموجودة في جمیع الدیمقراطیات. الأطراف جمیعا یعلمون بأن محافظة کرکوك عبارة عن مدینة کرکوك ، مرکز المحافظة ، و کذلك الأقضیة و النواحي التابعة لها. والجمیع یعلم بأن النظام البائد قد إقتطع معظم النواحي و الأقضیة من محافظة کرکوك و ألحقهم بمحافظات أخری. والسؤال الملح هو لماذا حاول النظام البائد تعریب محافظة کرکوك ولیس محافظة الموصل مثلا ؟ هل کان النظام البائد أدری من الآخرین بترکیب السکاني لمحافظة کرکوك ؟ وإلا لماذا هذا العناء في تشرید الکورد من کرکوك وقتلهم ولعقود ؟
ومن المسلمات به أیضا هو إن الدستور العراقي الدائم قد أوجد آلیات حضاریة لحل معضلة محافظة کرکوك وذلك بتطبیع الاوضاء أولا و بإجراء إستفتاء ثانیا وبتحدید الانتماء ثالثا.

وماهي الخلافات إذا بین الأطراف المعنیة في کرکوك و حول مسألة کرکوك؟
أهم النقاط هي ؛ تبعیة محافظة کرکوک ، هل المحافظة تدخل ضمن إقلیم کوردستان الذي هو بدوره جزء من العراق أم إنها جزء من أقالیم العراق الاخری. و النقطة الاخری هي ، ماذا تفضل المکونات العرقیة الساکنة في محافظة کرکوك ؛ إنتماء للإقلیم الکوردي أم الاقلیم العربي من العراق. النقطتان مرتبطتان. والغرض من الإستفتاء هو السماح للأکثریة السکانیة ،ولیست القومیة ، لتحدید الی أي إقلیم تنتمي محافظتهم. فالناطقون بالفرنسیة في بلجیکا و في سویسرا، علی سبیل المثال ، ڵا یرغبون العیش مع الدولة الفرنسیة. وکذلک الحال مع المواطنین الناطقین بالألمانیة في سویسرا والنمسا.

لاشک فیه بأن مشاکل شبیهه بمشکلة کرکوك کانت موجودة في دول أخری. و في العالم الیوم توجد نماذج متعددة لکیفیة معالجة خلافات من هذا الطراز. و إن في العالم دول متطورة ودیمقراطیة و التي سکانها مکونة من جماعات عرقیة مختلفة. و الآلیات التي تجعل العیش بین أقوام مختلفة ضمن دولة واحدة و بسلام موجودة ،حیث إنها ممکنة و ناجعة و مطبقة بنجاح. وضمن الدولة الواحدة هناك إمکانیات من أن تنتمي محافظة لإقلیم معین أومقاطعة معینة ومن ثم و بعد إستفتاء تغیر إنتمائها الإداري الی إقلیم آخر أو حتی الثالث حسب إرادة ساکني المحافظة ومصالحهم. علی سبیل المثال، إذا إنضم محافظة کرکوك بعد الإستفتاء الی إقلیم کوردستان هذا لایعني بأن المحافظة سوف یبقی الی الابد ضمن الإقلیم. فأهالي کرکوك لهم الحق بإجبار الدولة علی إجراء إستفتاء آخر لتغیرإنتمائهم الإداري ، بشرط الأغلبیة السکانیة تری ذلك في مصلحتهم. فمسألة کرکوك في جوهرها مسألة إداریة ولیست سیاسیة. ولیس المقصود منها تغیر الإنتماء الإثني للسکان. فالکورد موجودون في کرکوك حتی إذا أراد القاطنون في کرکوك (والکورد من ضمنهم) الإنتماء للإقلیم العربي من العراق. وکذلك الحال بالنسبة للعرب و الترکمان. فعملیة الإستفتاء لیست إلغاء للإنتماء القومي للناس.

الی هنا فمسألة کرکوك تبدو غیر عصیبة. هناك مهمة و هناك آلیات لإنجازها و هناك تجارب تؤکد نجاح هذه الآلیات . والذي یجعل الامر عصیبا هي مواقف الأطراف غیر الراضیة بالدستور و مواقف الأطراف التي تعرف سلفا بخسارتهم الإستفتاء. لا شك بأن هؤلاء عراقیون و مواطنون و لهم الحق بإشهار رأیهم ومناقشة وجهة نظرهم وإبداء خوفهم . الشرط الوحید هو الإلتزام بمبدأ الحوار وعدم إستخدام العنف أو التحریض له.
من المفهوم بأن بعض العرب یبدون تخوفهم من احتمال إنتماء کرکوك الی إقلیم کوردستان. و من المفهوم أیضا خوف الکوردي من العیش في ظل حکومة عربیة بعد هذا التأریخ الدموي من الأنفال الی حلبجة . فمفهوم الإنتماء الی کیان سیاسي ما في منطقتنا مبنیة علی مفهوم الرعیة العتیقة أو مفهوم الإنتماء العرقي. علی سبیل المثال، لو تعیش في بعض الدولة العربیة یجب أن تکون عربیا وإن لم تکن ذلك فمصیرك العذاب . إما أن تنصهر في الاکثریة أو تهاجر بلدك. وحتی إذا کنت عربا یجب أن تکون عشیرتك موجودة في تلك الدولة . ومثلا أنظر الی حال الفلسطینیین في الدول العربیة، فهم مهاجرون في العالم العربي مدی العمر، بینما مواطنون في أوربا بعد سنوات. و في بعض الدول یجب أن تکون من المذهب و الحزب الذي یؤمن به الحاکم وإلا مصیرك العذاب. وحتی في الدولة الترکیة التي تعتبر أکثر الدول دیمقراطیتا في المنطقة فالمواطنة مبنیة علی الإنتماء العرقي. فاللغة الترکیة و العرق الترکي هما وسیلتان الوحیدتان اللتان یجعلك مواطنا في الدولة الترکیة. تحت هذه الظروف و بناء علی هذه التجارب فخوف المواطن من الدولة و الحاکم مفهوم جدا. فالعربي قد یفضل العیش في إقلیم من العراق ذي الاکثریة العربیة من أن یعیش في إقلیم إکثریته من الکورد ، وکذلك الحال مع الکورد. فالتجارب المریرة مع الحکام إضطر الأفراد فی هذه المنطقة الی إستنتاجات مختلفة للعیش ولیست بالضرورة صحیحة. فالحکام في العراق کانوا عربا و فتکوا بعرب العراق و ذاقوهم العذاب وقتلوا عربا حتی خارج الخارطة السیاسیة للعراق، کما قتلوا الکورد.

فأما أمر الجبهه الترکمانیة فیختلف عن هذا. فإذا أصبح کرکوك جزا من الإقلیم الکوردي أو الإقلیم العربي فما الفرق بالنسبة للترکمان. فهم بأي حال یجب أن یعیشوا مع أقوام أخری کأقلیة . فالسؤال هنا لماذا لا ترید الجبهة العیش مع الإقلیم الکوردي في العراق؟ فاذا کانت الجبهة مؤمنة بان الترکمان هم الأکثریة في محافظة کرکوك فلماذا تندد بالدستور و بالمادة 140 ؟ فالجبهة تقول کرکوك بخصوصیتها الترکمانیة و التي في الحقیقة لاتعني شیأ من المنظورالسیاسي العلمي ، لماذا هذه الخصوصیة في خطر عندما یکون کرکوك جزءا من الإقلیم الکوري في العراق و في أمان في الإقلیم العربي ؟ هل الجبهة تتکلم عن کرکوك کمحافظة أم کمرکز لمدینة ؟ علی الجبهة توضیح هذه الإمور وفي مقام الأول لترکمان کرکوك.
في الآونة الأخیرة بدأت الجبهة تتکلم عن إن الوافدین العرب قد عاشوا في کرکوك لمدة ربع قرن فلا یجوز إخراجهم . فهذا الإنعطاف الإنساني للجبهة شیء جمیل . ولکن الجبهة تری الکورد الذین یعیشون في کرکوك منذ سنة 1958 ، أي نصف قرن، هم دخلاء جاء بهم عبد الکریم قاسم.
فإذا کانت للجبهة قادة سیاسیون فعلیهم النظر في الواقع الدیموغرافي لمکونات الشعب العراقي وعمقهم البشري. فالکورد لهم عمق یمتد حتی جبال الارارات وهجرة السکان الطبیعیة (لاقسریة سیاسیة) سوف تمد کرکوك بالعامل البشري . إن معظم القری المحیطة بکرکوك هي کوردیة وسوف تغذي کرکوك بالمد البشري کعملیة طبیعیة لإنتقال السکان ، کما یحدث في جمیع أنحاء العالم. کذلك الحال للعرب. فإذا أصبحت کرکوك ضمن الإقلیم العربي أو الکورد في العراق فهذه الظاهرة سوف تستدیم ، أي ظاهرة هجرة العرب و الکورد الی کرکوك. فالناس بحاجة الی العمل و یریدون العیش والسلام. ولکن المد البشري الترکماني غیر موجود لتغذیة کرکوك بالترکمان. والسیاسة وسیلة لرفاه الناس ولیست لإظلالهم.

فالجبهة یجب أن تمارس سیاسة نابعة من مصلحة ترکمان العراق و تضع أجندتها في خدمتهم. والحقد في السیاسة لا یؤدي الی مکان. وإن العالم قد تغیر و موازین القوی قد تبدلت. و ممارسة السیاسة بحاجة لأفکار نابعة من الواقع ولمصلحة الواقع الترکماني في العراق. فالترکمان یستحقون کل الخیر و الرخاء لیس فقط في کرکوك بل في عموم العراق. وحریة الترکمان و الأقلیات المسیحیة في العراق هي المحك للدیمقراطیة في العراق الجدید.