الرئيسية » مقالات » الزعيم عبد الكريم قاسم تجسيد المثال الوطني النبيل

الزعيم عبد الكريم قاسم تجسيد المثال الوطني النبيل

لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم قائدا لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة فحسب ، وانما كان رجلا يجسد المبادئ والمثل النبيلة في أسمى تجلياتها . حرص وهو المسؤول الاول في الحكم على رعاية جميع فئات وطبقات المجتمع ، واوقف حياته لخدمة ومساعدة الفقراء وانتشالهم من عوز الفاقة والجوع ، فاحدث ثورة في المشاريع المعمارية التي امتصت الملايين من العاطلين عن العمل وازدهرت صناعة مواد البناء ، ومنها معامل الطابوق ، والكاشي وشبابيك الحديد وغيرها ، واهتم بتشييد المدارس وتخريج دفعات سريعة من المعلمين الذين ساهموا في انتشار التعليم في المدن والقرى النائية ، وقبول الاف الطلاب في معاهد المعلمين والكليات التي ازدهرت في العديد من الجامعات العراقية ، والتي كانت منارا للعلم والادب وموئلا لافاضل العلماء والاساتذة النجباء، والسيدات اللواتي وجدن طريقهن الى العمل في المدارس والمعاهد التي استوعبت الاف الفتيات التواقات الى العلم والدرس ، وافتتحت المدارس المسائية لمحو الامية التي شجعت حتى النسوة العجائز على المغامرة والدخول اليها لتعلم القراءة والكتابة.
ان انجازات ثورة الرابع عشر من تموز ، كانت كبيرة بمقاييس الزمن الذي حدثت فيه ، فتحققت رفاهية حقيقية للجماهير الغفيرة ، وانتعشت الامال في بناء عراق جديد ، يتسابق مع الزمن من أجل ردم هوة التخلف التي كان يغرق فيها منذ العهد العثماني والذي استمر رجاله في دست الحكم ، وتسلموا المناصب الرفيعة بعد تاسيس الدولة العراقية الحديثة .
ونتيجة لشعور الملايين من العراقيين بان المكاسب التي تحققت لهم كانت بفضل الزعيم عبد الكريم قاسم ، لم يتخلفوا صباح الثامن من شباط 1963 في الخروج والقتال الى جانبه بصدورهم العارية، حين حاصره العفالقة في مقره في وزارة الدفاع ، واستبسلت الاحياء البغدادية الفقيرة مثل الشعلة والحرية والكاظمية ومدينة الثورة وعقد الاكراد وغيرها في الدفاع عنه لا لكونه قائد الثورة ، وانما لكونه تجسيدا للمثل النبيلة التي آمنوا بها ، وعمل هو بكل ما في وسعه من أجل تطبيقها على واقع اجتماعي وسياسي عصي على التكيف وفق قيم ومبادئ مثالية راح ضحيتها العديد من ابطال التاريخ القديم والحديث مثل الامام علي بن ابي طالب والحسين وجيفارا والصدر وحسين مروة ، ولم يكن عبد الكريم قاسم غريبا عن مثال التضحية بالنفس في سبيل المثل والمبادئ ، ولذلك لم يخش التفاوض مع العصابة العفلقية من أجل دحرها بقوة مبادئه ، فوقف أمامهم بقامته الفارعة وجنانه الثابت كالطود الشامخ ، دون سلاح ، وركب الدبابة التي اقتادوه فيها الى دار الاذاعة ، وهو يحمل أملا ينبثق من أعماق قيمه الانسانية في الانتصار على اقزام قميئة ، لم يجد فيها حين تمكن منها يوما ، ما يستحق أن يموتوا من أجله ، فاطلق سراحهم ، وعفى عنهم وخلصهم من عقوبة الموت التي استحقوها لجرائمهم الخسيسة.
ناقشهم عبد الكريم قاسم بمصير العراق في دارالاذاعة وهم يشهرون أسلحتهم بوجهه ، واراد أن يحقن دماء الملايين من العراقيين ، التي كان يدرك بحكمته انها لابد وأن تسيل على أيدي هؤلاء المجرمين المتعطشين للدماء ، وكان قد حاول طيلة أيام حكمه ارساء ثقافة التسامح والعفو تحسبا لمثل هذا اليوم ، وهو صاحب المقولة الشهيرة عفا الله عما سلف ، التي طبقها حتى مع اولئك الذين اراقوا دمه في مؤامرة دنيئة يوم حاولوا اغتياله في راس القرية في شارع الرشيد .
كان منظر الجموع الزاحفة نحو وزارة الدفاع حال سماعهم خبر الانقلا ب مهيبا ، وكان لي شرف المشاركة مع الناس الذين هبوا لنجدة الزعيم صباح الثامن من شباط عام 1963، ولم أكن قد جاوزت حدود الصبا ، فركضت مع الجموع في شارع الجمهورية ، اذ كنا نسكن في شارع الوثبة ، قرب المدرسة الجعفرية ، وكان أغلب الناس قد خرجوا من بيوتهم في مسيرة حاشدة دون تخطيط ، ولم يكن السلاح متوفرا ، فتسلح البعض بالعصي والسكاكين . وبينما كنا نتجمع في شارع الجمهورية ، وما ان تجاوزت الساعة العاشرة صباحا ، اذا بموكب الزعيم يقطع الشارع قادما من الباب الشرقي متوجها نحو وزارة الدفاع ، فيما كانت طائرتان تحلقان في السماء تقصفان بين الحين والاخر مواقع عسكرية في معسكر الرشيد ووزارة الدفاع .
وصل بعض معارفنا وأبناء محلتنا الى وزارة الدفاع ، فاصابتهم اطلاقات نارية ، بجروح طفيفة ، فجلبوهم الى بيوتهم ، وحصلنا على شئ من الادوية من مذخر كان في محلتنا ، فعولجوا بمعقمات ولفافات قطنية ، ولم يكن أحد يعرف ماذا يفعل ، فلم تتوفر أية قيادة لتوجيه الناس نحو أمر محدد ، كنا نسير جيئة وذهابا بين وزارة الدفاع وشارع الرشيد وشارع الجمهورية ، وكانت منطقة عقد الاكراد اكثر تنظيما ، فحصلوا على أسلحة بسيطة ، واستطاعوا المقاومة ببسالة لمدة ثلاثة أيام متتالية ، وحين فرض منع التجول على بغداد ، اضطررنا للبقاء في البيوت ولكننا كنا نسمع الرشاشات الثقيلة التي كانت توجه نحو المقاومين والتي كانت تنطلق من دبابات ومدافع رشاشة منصوبة في مفترقات الطرق المحيطة بحي الاكراد .
انتهت المقاومة و تسرب معظم الابطال نحو احياء اخرى واستشهد البعض ، واسرعت ميلشيات مسلحة باعتقال المواطنين بمختلف الحجج ، وسالت الدماء الزكية وتسلم العفالقة الحكم فلم يعرفوا ما يفعلوه به سوى القاء المزيد من الابرياء في السجون والمعتقلات وقتل الناس دون محاكمة ، واشاعة الفوضى والفساد والجريمة مثلما يفعلون اليوم بالضبط بعد اربعين عاما من ذلك اليوم الحزين يوم رحيل الزعيم عبد الكريم قاسم شهيد العراق العظيم ، طاب ثراه وعاشت ذكراه الى الابد .