الرئيسية » مقالات » المقابر الجماعية في ذمة الخلود ام ذمة النسيان

المقابر الجماعية في ذمة الخلود ام ذمة النسيان

ظهرت المقابر الجماعية في التاريخ البشري قديما نتيجة الصراعات التي تحدث بين القبائل المتناحرة على الخيرات والثروات ونتيجة عوامل تتعلق بالغزو والسيطرة عادة ما يقودها الافراد اي الابطال التاريخيين الذين يعملون على تأجيج او اثارة الوعي القومي العنصري او القبائلي البدائي حول فكرة الامة او الامبراطوية او الفرقة العظيمة التي يخلدها التاريخ .. الخ من الاوهام والاساطير ، من اجل المزيد من السيطرة وتحقيق اكبر قدر ممكن من الغنائم والخيرات ،وكذلك من خلال الحروب التي تحدث بين الامبراطويات او الامم المتصارعة في ما بينها . ومثالنا يكمن في الحروب التي قادتها القبائل الوثنية القادمة من اواسط اسيا بقيادة هولاكو التي استطاعت ان تحدث الكثير من المجازر والمقابر الجماعية لدى الكثير من المجتمعات والبلدان التي وقعت تحت سيطرتها ، مرورا بالكثير من المقابر الجماعية التي وقعت في الازمنة الحديثة ،وتحضرنا هنا المقابر التي ارتكبها العثمانيون بحق الارمن وصولا الى الحربين العالميتين وما احدثته من دمار شامل عم الكثير من البلدان ، وهكذا ضمن سلسلة مستمرة ومتواصلة الى الازمنة الراهنة التي تعيشها البشرية من صراعات وعنف واحتراب داخلي ومتتاليات مستمرة من الانتهاك الدائم للكرامة البشرية ، ولاننس هنا الجرائم التي ارتكبها الدكتاتور فرانكو في اسبانيا والحروب المتتالية في يوغسلافيا والبوسنة والهرسك وفي افريقيا في رواندا . ولكن تبقى المقابر الجماعية التي احدثها الدكتاتور صدام في العراق ، واحدة من اكبر وابشع اشكال المقابر الجماعية قسوة ، وذلك لانها لم تحدث نتيجة حروب اهلية او عالمية ، بل حدثت لمجتمعات واناس عزل لايملكون اي ادوات للمجابهة والاقتتال ، وتلك مفارقة كبيرة ان نجد مقابرنا الجماعية متفردة الى هذا الحد في الاختلاف عما يحصل في التاريخ البشري ، والاختلاف هنا ليس في وجود الفرد الدكتاتور وكيفية تفرده في الابادة الدائمة للمجتمعات فحسب بل من خلال جعل ادوات الصراع ثابتة وباقية بين المكونات العراقية في ما بعد وذلك لانها مقسمة بين من يتعاطف مع حكم الدكتاتور وجرائمة وعدها بالامر الهين وبين من يجدها ذات اثر كبير على المجتمع من دون الاخذ بنظر الاعتبار الاخطاء والانتهاكات التي وقعت ، وذلك الامر نشهده في الازمنة الراهنة ، حتى وجد من يحسب تلك المقابر الجماعية وكأنها حدثت لاناس عابرين ليس لهم اية قيمة او كرامة بشرية تذكر ، وذلك لامر من الممكن ان يحدث خاصة اذا تم نسيان اثر هذه المقابر وعدم مراجعة ودراسة الشخصية العراقية ومجمل التعثرات والاخطاء الكارثية التي ارتكبتها الذات البشرية العراقية نتيجة التفرد بالسلطة والقوة ، فظاهرة الدكتاتور صدام لاتخرج من طبيعة مجتمعنا كظاهرة اجتماعية ثقافية ولو توفرت الظروف المتشابهة التي انتجت الدكتاتور صدام ، من الممكن ان تظهر هنالك نسخ متكررة ولكن ليس ضمن مستوى الاصل اي الدكتاتور صدام سوف لن يحدث ذلك ولكن من الممكن ان تتكرر النسخ مادام المجتمع ذاته ينسى اثر المقابر الجماعية ويواصل الاحتفال المستمر بالانتهاك والقتل والتدمير من خلال ادوات ومحركات كثيرة داخلية وخارجية . ان نسيان المقابر الجماعية من قبل الذاكرة العراقية المجتمعية الراهنة دليل على ان هذه الذاكرة اثقلت تاريخيا بالمزيد من الانتهاك الى وقتنا الحاضر ومن ثم لا توجد هنالك ظروف انتقال مختلفة تجعلها في حالة الكمون والاستقرار ومن ثم إعادة النظر بجميع اشكال الثقافة والوعي خصوصا تلك التي تبرر العداء والنفي للاخر الانسان المختلف الذي يعيش بيننا ويفكر بطريقة مختلفة عنا ، كل ذلك غير مؤسس او حاضر اجتماعيا وثقافيا اي إعادة النظر بما نملك من قيم وتصورات حول الاخر ، ولان العراق يعيش التعددية الاجتماعية والقومية والدينية ، فأنه من اللازم ان توجد هنالك ادوات فهم حديدة ومختلفة عن تلك التي اوجدها الدكتاتور صدام في التعامل مع المختلف ومحاولة صب الجميع في المركز اي ضم القوميات والثقافات والافكار في بوتقة واحدة وايديولوجيا واحدة ، ذلك الامر نجده ماثلا في ثقافة الدكتاتور القومية ، الزائفة التي حاول من خلالها الغاء الثقافات والاثار المختلفة وكان نتيجتها الالغاء للاخر الانسان بشكل معنوي ومادي ، والمقابر الجماعية لا تشكل كواقعة واثر اجرامي سوى محاولة للانتصار لثقافة هزيلة واحدة كان يبثها الدكتاتور صدام مازالت اثارها مترددة في مؤسسات واحزاب تدعي الانتماء للعراقية وتصف الاخرين بالاغتراب عن هوية الوطن الواحد الذي نعيش ، وذلك ضمن منظورنا رغبة في جعل الذات مسجونة ضمن تصور واحد ونهائي يحكم المجتمع عن طريق اساليب وادوات العنف والصراع من اجل الانتصار لفكرة واحدة او العودة لحكم الواحد المستبد من البشر وليس لحكم المجتمع بشكل حديث ومعاصر ، ومن ثم هنالك عدم معرفة الذات ونقيضها بشكل ايجابي وكشف الاخطاء في سبيل تجاوزها وتصحيح مسارات تاريخنا الحديث . ان نسيان الحاضر الذي نعيش وما يسببه من تناحر بين المختلف الثقافي والايديولوجي بسبب صراعات آنية مصلحية سلطوية يجعل ثقافة المقابر الجماعية في ذمة الخلود وهنا بشكل معاكس اي ليس من اجل تخليد الانسان وتوفير القيمة المعنوية لديه من احترام وهيبة وصيانة الكرامة البشرية بل من خلال جعل ثقافة المقابر الجماعية متواصلة ومستمرة بشكل واقعي من خلال الصراع والاحتراب الداخليين ، وهكذا كي يتم تخليد الانسان العراقي ونسيان المقابر الجماعية كأثر مستمر ومتواصل ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار الحاضر الذي نعيشه لانه مقدمة لتجاوزات كثيرة ولتحقيق المزيد من الفهم المختلف للانسان ، من اجل تجاوز حالة الاغتراب الفردي العراقي عن بقية الثقافات والمعارف الداخلية التي يمتلك ناهيك عن الاغتراب عن العالم الذي يراد له الانفتاح واكتساب المزيد من ثقافة التسامح واحترام حقوق الغير بشكل معرفي حديث . كل ذلك لايمكن ان يتحقق الا من خلال الانتصار لجاهزية بناء الدولة الحديثة وتحقيق شروط الاستقرار والتطور لهذه الدولة من خلال الاستمرار في بناء الديمقراطية في العراق واعتبارها شرطا لتجاوز ثقافة المقابر الجماعية ذاتها لان بناء الديمقراطية في العراق يجعل جميع المكونات الاجتماعية والثقافية تظهر الى العلن بشكل سلمي وايجابي بعيدا عن ادوات الصراع والعنف ومن ثم هنالك التصحيح والنظرة المختلفة عن الماضي الدكتاتوري الى حد بعيد .
التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *