الرئيسية » مقالات » لماذا الاستفتاء على كركوك يغيض تركيا؟

لماذا الاستفتاء على كركوك يغيض تركيا؟

من حين لآخر تصر تركيا على تصعيد الأزمة الحدودية، ورفع درجة التأهب لقواتها العسكرية اما تحسبا لوضع طارئ وفق قراءة عسكرية ستراتيجية حسب زعمها، او لمحاربة الارهاب في الطرف الآخر من الحدود مع العراق. لم يعد خافيا على المواطن العراقي العادي وخاصة المراقب السياسي ليعرف في اي فلك تدور طبيعة الستراتيجية التي ترمي اليها تركيا؟.. لعلنا ولكوننا عراقيين خبرنا هذه السياسة وبضمنها التحركات الاخيرة على الحدود العراقية التي اضفت انعكاسا حقيقيا للتدخل في الشؤون العراقية في ظل التطورات السياسية الداخلية في العراق بما يخص الجدال الدائر حول اجراء الاستفتاء لمدينة كركوك وما ستؤول اليه هذه المدينة بعد نتائج الاستفتاء. بالنسبة للقادة الكورد يعتبرون هذا الاستفتاء حلا واقعيا مقبولا لأزمة كركوك وهذا من حقهم لحل المسألة سلميا، ولكن تركيا تعتبره تجاهلا لمصالح الاقلية التركمانية التي تنحدر من اصول تركية والتي تشكو من تعرضها للاضطهاد من جانب الكورد وهذا ماورد على لسان وزير خارجيتها عبدالله كول. وهذا كلام خيالي غير موجود على ارض الواقع فالكورد لا يطالبون سوى بتطبيع الاوضاع وارجاع الاستحقاقات بشكل واقعي وذلك بإجراء احصاء سكاني واستفتاء في مدينة كركوك ومناطق اخرى متنازع عليها لتحديد ما يقرره سكانها وذلك قبل الحادي والثلاثين من كانون الاول 2007.
اذن اين المشكلة في هذا الاستفتاء ولماذا يغيض تركيا، وتطلق تصريحات هنا وهناك والقيام بتحشدات عسكرية استفزازية، ضمن اي معيار سياسي يمكن وضع طريقة تعامل تركيا مع مسألة داخلية عراقية بحتة؟ ان مسألة التحشيد العسكري أمر لا يثير قلقا اقليميا ودوليا فحسب وانما يثير شكوكا في نوايا الستراتيجية التركية لاحقا. وهو بمثابة اعلان عن حساسيتها الشديدة مع الكورد وأي استحقاق كوردي في العراق تنجزه حكومة اقليم كوردستان في ظل الدستور العراقي الدائم.
ان تصريحات اردوغان الاخيرة واعلان رفضه لأي تغيير للبنية الديموغرافية لمدينة كركوك، يقوي دافع الشك لدى المنطقة والعالم بأنها تدخلات غير مبررة في الشأن الداخلي العراقي، خاصة وانها جاءت عقب المؤتمرات المنعقدة في تركيا وبرعايتها في الآونة الاخيرة مع عدد من الاطراف السياسية العراقية للتباحث حول قضية كركوك والمادة 140وقضايا عراقية اخرى. ان هذه التصريحات تأتي تتويجا لما دار في اروقة تلك المؤتمرات من افكار خجولة ومترددة استصعب بعضهم البوح بها، وتعبير صريح عن سياسة تركيا الخارجية تجاه العراق. ان ما تفعله تركيا الآن لا يدخل ضمن واجبات الجوار التي تقع على عاتقها تجاه العراق حسب ما تدعي، بل تدخل واضح في الشأن العراقي بكلمات معسولة تخفي وراءها عملا خطيرا. وهذا العمل ليس خطوات لمحاربة الارهاب اوعناصر حزب العمال الكوردستاني، بل تعزيز موطئ قدم ابعد نحو الأراضي العراقية ودق جرس لمن يعنيه مسألة كركوك وتحذير ضمني يقول بأننا موجودون ولا تغرنكم الديمقراطية والدستور وعمل من هذا النوع جدير بأن يشجع بعض الاطراف المعارضة لتطبيق المادة 140 للخروج من قوقعة الخجل ورفع عقيرتهم واعلان نواياهم المدسوسة وغير القانونية واحداث شرخ عميق مع الاطراف الداعية لنيل استحقاقاتها الدستورية. وفي كل الاحوال ان سياسة من هذا النوع لن تخدم المنطقة ولا تركيا نفسها، بل ستعمق الأزمات وتزيد من حالة الاحتقان والتناحر الطائفي التي يهدف اليها الارهاب. وان اي ولوج عسكري تركي داخل الحدود العراقية سيحمل على انه عمل خطير او سابقة على اقل تقدير من قبل دولة تريد الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، وسيقارن عملها هذا بما فعله النظام العراقي البائد في غزوه للكويت وسيشكل مصدر تهديد للمشروع الاميركي في المنطقة من جهة، ولمكتسبات الكورد من جهة اخرى، ولكن الكورد لن يقفوا مكتوفي الأيدي امام تطورات من هذا النوع وسيكون لكل حادث حديث، ومؤخرا عقد برلمان كوردستان جلسة استثنائية لبحث التهديدات التي اطلقتها السلطات التركية، واشار رئيس البرلمان فيها الى “ان الاجتماعات والمؤتمرات التي عقدت في الاونة الاخيرة في تركيا، تفوح منها رائحة التدخل في الشؤون الداخلية لإقليم كوردستان وخاصة المؤتمر التي عقده احد المعاهد التركية بمساندة من وزارة الخارجية التركية”، ونوه الى ان اجتماعات من هذا النوع تخالف التوجهات والعلاقات الثنائية. واوضح رئيس حكومة اقليم كوردستان موقف الحكومة من التصريحات التركية الأخيرة واصفاً هذه التصريحات بالتدخل الصارخ في الشؤون الداخلية لإقليم كوردستان.
ويتضح من هذا الموقف الصريح للقادة الكورد بأنهم مصرون على حماية مكتسباتهم في الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه العراقيون وتنفيذ المادة 140. وعلى تركيا احترام الدستور العراقي، أما الحديث بشأن تأجيل الاستفتاء فمرفوض رفضا قاطعا، وسيستمر القادة الكورد في نهجهم نحو تطبيع كركوك وتنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي الدائم قبل 31 كانون الاول 2007 وارجاع جميع الاستحقاقات لكل القوميات في هذه المدينة المتآخية ولكل فرد سواء من التركمان ام العرب أم الكورد ام الكلدوآشور ووفقا للدستور.

التآخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *